بعد أيامٍ من التعزيزات المنذرة بسوء، شنت إسرائيل عملية توغل بري في غزة. لكن لماذا؟ وما الفائدة المرجوة؟ ولماذا يعتقد الإسرائيليون أن الحرب البرية ستؤدي إلى نتائج أفضل من سابقتها أواخر عام 2008، وأوائل 2009، بعد أن خرجت حماس بأسلحة طويلة المدى أكثر فتكًا ودقة؟ ألم تحمي القبة الحديدة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وحاز نتنياهو أرضية سياسية خصبة إثر رفض حماس المبادرة المصرية؟

كل هذا صحيح، ورغم المخاطر المحدقة، يميل المنطق السياسي والنفسي والاستراتيجي لصالح ما فعله “بيبي”، حسبما توضح النقاط الأربع التالية:

(1) الساعة العسكرية:

لمثل هذه الصراعات ساعتان؛ عسكرية وسياسية. ولأن عقارب الأولى كانت تسير أسرع بكثير من أختها، فكلما طال أمد هذه الحرب غير الحاسمة، كلما زادت احتمالات أن يغير الطرف الأقوى – إسرائيل – المعادلة. فمن غير المرجح أن توافق حماس على وقف إطلاق النار دون شروط لا يمكن أن تقبل بها إسرائيل. صحيح أن القبة الصاروخية كفلت تقريبًا عدم وقوع أي خسائر في أوساط الإسرائيليين إثر الهجمات الصاروخية لحماس، لكن نتنياهو لا يمكنه السماح بفرض أمر واقع جديد يظلل إسرائيل بحالة من عدم اليقين والاضطرابات ويجعلها عرضة للإصابة بفعل الصواريخ التي أصبحت تطلق يوميًا، وإن لم تكن دقيقة. فمسؤولية الحكومة لا تقتصر فقط على ضمان الأمن، ولكن أيضًا توفير الحياة الطبيعية، وهو ما ليس متحققًا اليوم. علاوة على ذلك، كان الحظ سيحالف حماس عاجلًا أم آجلًا، وتنجح صواريخها أو أنفاقها في قتل عدد كبير من الإسرائيليين. وإذا حدث ذلك، سيجد نتنياهو نفسه في مواجهة ضجة يصم هديرها الآذان. لكل ذلك، كان على “بيبي” التحرك الآن.

(2) استمرار الصواريخ:

بغض النظر عن كونها دقيقة أم لا، لا يزال بحوزة حماس الكثير من الأسلحة طويلة المدى الجاهزة للإطلاق، دون عقاب، رغم القصف الجوي الإسرائيلي. وهو ما يخبرك بشيئين:

الأول: طورت حماس بنية تحتية تحمي عملية الإطلاق من الاستهداف جوًا.

الثاني: الطريقة الوحيدة للتعامل مع هذا النوع من التهديد هو التوغل برًا وتدمير أكبر قدر ممكن من هذه البنية التحتية.

بالتأكيد ستتمكن حماس من استعادة ترسانتها في غضون عامين أو أربعة من الآن، وهذا مصدر قلق كبير، لكن الواقع أولى بالاهتمام الآن. فإذا أردتَ وقف إطلاق الصواريخ، ليس أمامك سوى خيارين: إما أن تحرك القوات على الأرض، أو أن توافق حماس على ذلك.

(3) فشل وقف إطلاق النار

صحيحٌ أن مصر حاولت، وإن بسوء نية، جعل حماس توافق على وقف إطلاق النار، لكنها فشلت، وقطر أبقت أنفها خارج المسألة، لكن الأمر لا يقتصر فقط على إيجاد الوسيط. فليس تدهور العلاقة بين مصر وحماس، منذ أطاح الجيش بالرئيس المنتمي للإخوان، هو المشكلة الحقيقية، بل: جوهر الصفقة ذاتها. فمقابل حاجة حماس إلى الخروج منتصرة، ورغبتها في فتح الحدود مع مصر، ودفع رواتب العاملين في الحكومة، والإفراج عن رجالها الأكثر من 50 الذين اعتقلتهم إسرائيل خلال مداهماتها الأخيرة في الضفة الغربية، عقدت إسرائيل العزم على حرمانها من ذلك. ومع مرور ما يكفي من الوقت، وربما إنزال ما يكفي من العقاب بغزة، ربما تنضج صفقة ما. وهنا تكمن المعضلة الشرق أوسطية: لن تبدأ إسرائيل التفاوض مع حماس حتى لا تمنح الحركة الإرهابية وسام النصر، وفي المقابل لن تستسلم حماس دون تحسن جوهري في الحياة الاقتصادية لقطاع غزة. وإذا نظرتَ حولك، ستجد من الصعوبة بمكان على أي وسيط أن يحقق مثل هذه المعادلة؛ فقطر أقرب مما ينبغي من حماس، وأمريكا لديها تأثير على إسرائيل لكن ليس على حماس، أما تركيا فعلاقتها بإسرائيل تنافس الصخر قسوة، وإسرائيل لا تثق في الأمم المتحدة، وحتى مصر ربما ترغب في إضعاف حماس أكثر. لذلك بدت الحرب من وجهة النظر الإسرائيلية هي الرهان الأفضل بدلًا من النقاشات غير المجدية.

(4) التوغل البري مكلف لكنه ليس بالضرورة غير فعال

يمكن للتوغل البري أن يتناغم مع الحملة الجوية، بجانب قدرته على إعاقة – وإن لم يكن إنهاء – قدرات حماس بشكل كبير، دون الحاجة إلى إعادة احتلال القطاع بشكل دائم، وإسقاط حكومة حماس، لأن ذلك سيتطلب شهورًا، وإذا كان هذا ما تستهدفه إسرائيل، فحظًا سعيدًا في غزة؛ معقل 1.7 مليون فلسطيني غاضب يعيشون على ضعف مساحة واشنطن. أما الخطوة الأذكى فهي تدمير أكبر قدر من البنية التحتية الصاروخية، بأسرع وقت ممكن، والخروج من هناك فورًا.

ولا تكمن المشكلة الحقيقية المتعلقة بالحرب البرية في أنها لن تنجح بالمعنى التكتيكي، بل في المخاطرة بقتل أعداد كبيرة من الفلسطينيين الأبرياء، إلى جانب مشهد النهاية الذي لا يُستهان به. في الواقع قد تكسب إسرائيل المعركة، ثم تخسر الحرب السياسية والعلاقات العامة، كما فعلت في عملية الرصاص المصبوب. وإذا لم يتجهَّز أحد للبقاء في غزة، واستئصال شأفة حماس ثم حكم القطاع، سوق تجد الحركة طرقًا لاستعادة قوتها بمرور الوقت، حتى لو كثفت مصر حملتها على الأنفاق. لكن بما أن أحدًا – لا مصر ولا السلطة الفلسطينية وبالتأكيد ليس الأمم المتحدة – لا يمتلك الشرعية ولا الموارد أو الرغبة الحقيقية لحكم القطاع، لا سيما في أعقاب هجوم إسرائيلي يقتل أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين، يجدُر بك ربط أحزمة الأمان؛ لأن الأمور قد تسوء جدًا، قبل أن تتفاقم أكثر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد