منذ خمس سنوات وحُلم دخول طرابلس لم يبرح بال اللواء المتقاعد خليفة حفتر، لكنّ المشكلة أنّ التقديرات السياسية للرجل العسكري دومًا ما تكون خاطئة؛ ففي فبراير (شباط) عام 2014، أعلن انقلابًا عبر شريط  مصور –بثته قناة العربية السعودية حصريًا- قرر بموجبه تجميد عمل المؤتمر الوطني (البرلمان المؤقت) والحكومة، لكنّ طرابلس الحصينة ظلت عصية على السقوط؛ ففشل الانقلاب بتصريحٍ تليفزيوني كما بدأ، لكنّ الرجل المدعوم من مصر والإمارات أطلق عملية الكرامة بعد ثلاثة أشهر فقط بدعوى محاربة الإرهاب؛ فبسط نفوذه على الشرق وأخضع بنغازي –مهد الثورة-، كما كسر شوكة درنة –معقل الإسلاميين-، ثم أطلق بعدها عملية «فرض القانون» للاستحواذ على ما تبقى من الجنوب الليبي، وبعدما فرغ من انتصاراته العسكرية شرقًا وجنوبًا، أعلن بدء معركته الاخيرة في الغرب لتحرير طرابلس، ومرة أخرى يُخطئ حفتر في تقديراته السياسية.

بعد نحو أسبوع من زيارته للسعودية، وقبل 10 أيامٍ من عقد المُلتقى الوطني الجامع التي ترعاه الأمم المتحدة لبحث تشكيل حكومة وطنية، أطلق حفتر النفير العام للسيطرة على طرابلس، لكنّ قواته التي سيطرت على مواقع بمحيط العاصمة دون قتال في أقل من 24 ساعة، سرعان ما خسرتها في التوقيت نفسه، يقول الصُحافي الليبي يس زيد لـ«ساسة بوست»: «حفتر كان بإمكانه أن يدخل الملتقى الجامع؛ أقوى رجل في ليبيا، لكنه الآن أصبح مهددًا لعملية السلام، كما أن خسارته الأخيرة أضاعت ورقة رابحة للتفاوض ممثلة في انتصارات الجنوب».

هذا التقرير يشرح لك ما الذي يحدث في ليبيا، ولماذا يفشل حفتر في دخول طرابلس؟

معركة العاصمة.. كيف تحددت ساعة الصفر؟

عبر تسجيل صوتي بثته قناة «ليبيا الحدث» التابعة لحفتر، أطلق اللواء الليبي عملية تحرير طرابلس تحت شعار «لبيك طرابلس لبيك»، مطالبًا السكان بإلقاء السلاح ورفع الراية البيضاء لضمان أمنهم وسلامتهم، وما هي سوى ساعات حتى وصلت القوات التابعة لحفتر إلى مشارف مدينة غريان -تبعد 100 كم جنوب طرابلس- فدخلوها بدون قتال بعدما انسحبت القوات الموالية لحكومة الوفاق، ليبدأ الزحف العسكري بعدها نحو مدينة الزاوية -48 كم غرب طرابلس-، إلا أنّ المفاجأة أنّ قوات حفتر سُرعان ما انهزمت وخسرت نحو 40 آلية عسكرية، وسقط نحو 120 في الأسر؛ كما سيطرت قوات حكومة الوفاق الوطني على الجسر 27 على الشريط الساحلي المؤدي إلى العاصمة طرابلس، ولاحقت قوات حفتر التي فرت إلى الجنوب، لكنّ معركة أعنف نشبت حول مطار طرابلس الذي سقط في قبضة الجيش الليبي قبل أن تنتزعه قوات حماية طرابلس.

يقول مصدر مُطلع لـ«ساسة بوست»: «أبرم حفتر بعض التفاهمات مع الجماعات المسلحة والقبائل المحلية بمحيط طرابلس، واعتقد خطأ أن دخوله في هذا التوقيت سيجعل كافة الأطراف ترتبك لصالحه، وهو ما لم يحدث بدليل خسارته المواقع التي سيطر عليها سريعًا، بالإضافة لآلياته العسكرية».

وتشير دلالة توقيت المعركة رغبة حفتر في إفشال المُلتقى الوطني الجامع الذي دعت إليه بعثة الأمم المتحدة، بهدف تحديد موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وتوحيد المؤسسات، والاتفاق حول موعد الاستفتاء على الدستور، وكلها ملفات سبق أن ناقشها رئيس حكومة الوفاق؛ فايز السراج مع حفتر في أبو ظبي قبل شهرين، لكنهما فشلا في حسمها على مدار جميع المبادرات الدولية والعربية.

على جانب آخر، قال وزير الداخلية في حكومة الوفاق إن قوات حفتر تلقت ضوءًا أخضر من دولة عربية لدخول طرابلس، في إشارة إلى زيارة حفتر للسعودية التي رأست القمة العربية في تونس، في الأسبوع نفسه الذي تحركت فيه قوات حفتر، ما اعتبر ضمنيًا اعترافًا عربيًا بشرعية حفتر وتحركاته العسكرية.

وتزامنًا مع انتصارات حفتر في الجنوب عقب إعلانه عملية «طوق الحمادة» في يناير (كانون الثاني) الماضي، التي سيطر بموجبها على مناطق شاسعة من الجنوب الليبي، وكانت مصادر عسكرية قد كشفت في التوقيت نفسه عن عملية تحضيرية لدخول طرابلس، وهو ما أكده الموقع الإلكتروني للجيش الليبي الذي ألمح أنّ الهدف التالي سيكون طرابلس بعد اكتمال تأمين الجنوب، خاصة بعد السيطرة على حقل الشرارة النفطي -أحد أهم أكبر الحقول-، كما كشف الموقع نفسه عن وجود تنسيق مع بعض الوحدات في طرابلس وضواحيها لدخول الجيش إلى العاصمة.

على جانب آخر، كانت التوترات العسكرية التي شهدتها طرابلس في صالح حفتر بشكلٍ أو بآخر؛ فالعاصمة التي شهدت اقتتال الداخلي إثر قيام قوات اللواء السابع –تُتهم بتبعيتها لحفتر، بمحاولة السيطرة على المدينة، في أغسطس (آب) العام الماضي، لكنها وقّعت اتفاق وقف إطلاق النار مع قوات حماية طرابلس في نفس الوقت الذي بدأ فيه حفتر التحضير لعملية دخول العاصمة تحت شعار تخليص العاصمة من الميليشيات المُسلحة.

وبعيدًا عن ليبيا؛ فالظرف السياسي الذي شهدته الجزائر بدا في صالح حفتر بشكلٍ أو بآخر، فالجيش الجزائري الذي كان يراقب الأوضاع في الغرب الليبي ويحمي حكومة الوفاق سياسيًا بات مشغولًا في أوضاع البلاد الداخلية عقب التظاهرات التي أطاحت بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وسبق لحفتر أن هدد الجزائر بإعلان الحرب إثر اتهامات لها بدخولها الاراضي الليبية، وبالرغم أنّ التوقيت كان في صالح الرجل، إلا أنّ تقديراته السياسية جاءت غير موفقه.

«إياكَ أعني واسمعي يا جارة».. هل يريد حفتر الانتقام من الجزائر بهجوم طرابلس؟

من ينتصر في حال دخلت قوات حفتر طرابلس؟

بالرغم من أنّ التحركات العسكرية لقوات حفتر جنوب العاصمة طرابلس قابلتها دعوات دولية رافضة، من كلٌ من الولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا، وفرنسا وروسيا الذين طالبت بوقف القتال واللجوء إلى الحوار باعتباره طريقًا وحيدًا لإنهاء الأزمة ووقف الصراع المسلح، إلا أنّ أحدًا حتى الآن لن يكون بمقدروه أن يمنع الصدام العسكري لأنّه سيحدد مصير الخريطة السياسية لمستقبل ليبيا، في حال هُزم أحد طرفي الصراع.

على جانب آخر، أدركت حكومة الوفاق خطورة الموقف، فسارع رئيسها فايز السراج بتشكيل غرفة عمليات مشتركة من قادة القوات في المنطقة الغربية، تتبع لرئيس الأركان العامة للجيش الليبي، كما أمر القوات الجوية بالاشتراك في مواجهات ودعم القوات والبرية والمدفعية في دفاعها عن العاصمة، ومنع قوات حفتر من التقدم نحو الطرابلس، في حين تركزت قوات حماية طرابلس -مكوّن من تسع كتائب- في أطراف العاصمة، في حين اتجهت قوات مصراته إلى العاصمة الليبية لمساندة قوات حكومة الوفاق، وهو خبرٌ غير سار لحفتر، نظرًا لأن تلك الكتائب تحمل وحدها نصف العتاد العسكري الذي خلفه القذافي في المخازن التي تم نهبها عقب سقوط نظامه.

قبل نحو أسبوعين من إطلاق حفتر عملية تحرير طرابلس، تحركت إحدى الكتائب التابعة للواء المتقاعد، قرب مدينة سرت الليبية التابعة لحكومة الوفاق -450 كم شرق العاصمة-، وبدا أن حفتر سيدخل طرابلس عبر  خوض أصعب حروبه، عبر الاشتباك مع كتائب مصراته التي كان لها دور حاسم في إفشال انقلابه عام 2014؛ عبر طرد الميليشيات المؤيدة له ودعم شرعية المؤتمر الوطني والحكومة، وبحسب التسريبات التي نقلها موقع «الجزيرة» من مصادر عن المبعوث الدولي لليبيا غسان سلامة، فإن حفتر كاد أن يزحف نحو طرابلس في منتصف العام الماضي عبر سرت والاشتباك مع قبائل مصراته، «لكنّ مصر هي من أجبرته للزحف نحو درنة».

حفتر

اللافت أنّ حفتر بعدما أخضع الشرق الليبي تحت نفوذه، تجاهل طرابلس وانطلق جنوبًا ومنها التف حول العاصمة غربًا متفاديًا مدينة سرت التي حشد قواته بالقرب منها، يقول المحلل السياسي الليبي عبدالسلام الراجحي لـ«ساسة بوست»: «:سبب عدم التوجه للعاصمة عبر سرت لأن مصراته في المنتصف، وهي التي تعتبر القوة المكافئة لقوات حفتر»، وبسؤاله حول إذا ما كان حفتر سيستخدم القصف الجوي في معاركه مثلما فعل السرارج أجاب قائلًا: «بُعد القواعد الجوية التي يسيطر عليها حفتر عن مناطق الاشتباكات تمنعه من استخدام تلك الورقة الرابحة عكس السراج»، ويتخوف حفتر في حال شنّ هجومه منها أن تتحالف الكتائب مع إبراهيم الجضران الذي سبق له أن سيطر على الهلال النفطي  -شمال شرق ليبيا- منتصف العام الماضي، ما يعني أنّ كتائب مصراتة باعتبارها تقع شمال محافظة الجفرة بإمكانها إعادة السيطرة على مدن وبلدات الجفرة،وقطع خطوط الإمداد الطويلة لقوات حفتر في إقليم فزان.

سبب آخر دفع حفتر للتوجه عبر مدينة غريان بدلًا من سرت، يقول المحلل السياسي الليبي عماد بلعيد: «غريان أقرب لطرابلس من سرت جغرافيا، واختيار حفتر لها جاء لتجنب الاحتكاك بقوات المنطقة الوسطى-يقصد كتائب مصراته-، كما أن حفتر تفاوض سرًا مع ميليشيات محليه ودعمها بالمال والسلاح»، وتجدر الإشارة إلى أنّ كائب مصراته هي القوة المكافئة لقوات حفتر في ليبيا، نظرًا لدروها الكبير في إسقاط نظام القذافي، ورغم انقسامها داخليا بين رفض لحكومة الوفاق ومؤيد لها، إلا أنها تقف حائط صد ضد حسم الصراع في ليبيا عسكريا، وسبق لـ«رويترز» أن اعتبرت المخزون الهائل من ترسانة الدبابات والصواريخ والأسلحة الصغيرة في مدينة مصراته؛ تمثل اختبارًا لمدى قدرة الحكام الجدد في البلاد على ترسيخ سلطاتهم، وحتى الآن تتحطم أحلام حفتر في دخول العاصمة بسبب تلك المدينة.

مراكز القوى الحقيقة.. إليك الخارطة السياسية للقبائل في ليبيا

ما مصير الملتقى الوطني الجامع؟

عقب الاشتباكات الأخيرة؛ أعلن مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة، أن المؤتمر الوطني المقرر عقده في منتصف الشهر الجاري سينعقد رغم الهجوم الذي أطلقه المشير حفتر ضد العاصمة طرابلس، لكنّه عقّب قائلًا: «إلا إذا أرغمتنا ظروف قاهرة»، ما يعني أنه ترك الأمر لطرفي النزاع اللذان جمعتهما مبادرات علنية وسرية في فرنسا وإيطاليا وأبوظبي، بهدف الاتفاق حول إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وتشكيل حكومة وحدة وطنية يصدِّق عليها البرلمان، والاتفاق حول من يتولى قيادة المؤسسة العسكرية وتبعيتها، بالإضافة لإعلان انتخابات برلمانية قبل انتهاء العام الجاري، وتحديد موعد الاستفتاء على الدستور، وبالرغم أنّ هذه المفاوضات حضرها المبعوث الأممي، إلا أنّ حفتر لم يقدم وعودًا بتنفيذها.

وبعد ثماني سنوات من الثورة الليبية، يسيطر حفتر على معظم الأراضي الليبية عدا (طرابلس وسرت ومصراته والزنتان وغريان)، التي تسيطر عليها حكومة الوفاق المدعومة من عدة ميليشيات، أبرزها: قوات حماية ليبيا المرابطة في العاصمة، وقوات ثوار ليبيا وقوات الردع بالإضافة لقوات اللواء السابع، بينما تعد الكتيبة 106 أقوى كتيبة عسكرية لحفتر يقودها ابنه خالد، ورغم تعدّد أطراف النزاع، إلا أنّ الانقسام السياسي والصراع العسكري لم يحسم الخلاف لصالح الطرف الأقوى حتى الآن، ويوجد في ليبيا حاليًّا، حكومتان واحدة في طبرق تدعم حفتر، والأخرى في طرابلس برئاسة السراج المدعوم دوليًّا، وعشرات الجماعات المُسلحة.

وبعيدًا عن الصراع العسكري، فلطالما فشلت المبادرات الدولية في ليبيا، ففي مايو (آيار) العام الماضي، استضافت مبادرة جديدة حضرها رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، والمشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، ورئيس مجلس الدولة خالد المشري، بمشاركة مبعوث الأمم المتحدة الخاص لليبيا. واتفق الأطراف حول تنفيذ المبادرة الفرنسية المكونة من 13 بندًا، وأهمها حل جميع المؤسسات الموازية، إضافة للاعتراف بالدستور الذي صاغته الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، ووقف إطلاق النار، وتوحيد الجيش الليبي والوصول إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية العام الجاري، لكن المبادرة اشترطت أن يكون اتفاق الصخيرات الموقع عام 2015 – التسوية السياسية الأهم في تاريخ الأزمة – هو الإطار المرجعي لتنفيذ بنود المبادرة، وهو ما ساهم في فشل المبادرة قبل أن تبدأ.

Embed from Getty Images

فايز السراج

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، استضافت إيطاليا -نكاية في فرنسا- «مؤتمر باليرمو»، لكنّ حفتر رفض الحضور، لتخرج القمة للتأكيد على نفس مخرجات القمة الفرنسية، قبل أن تفشل للسبب نفسه، باندلاع اشتباكات داخل العاصمة بعدما سيطرت قوات اللواء السابع على مناطق حيوية بالمدينة قبل أن تنسحب بعد توقيع وقف إطلاق النار.

وحتى الآن تمضي ليبيا سياسي وفق خطة اتفاق الصخيرات، وهو آخر الجهود الدبلوماسية التي انتهت بتشكيل حكومة توافق وطني تقود مرحلة انتقالية من عامين، وتنتهي بإجراء انتخابات تشريعية؛ وهو ما أسفر عن تشكيل حكومة فايز السراج الحالية، والتي تحظى بدعم الأمم المتحدة، لكنّ الاتفاق في الوقت نفسه يعترض عليه المشير حفتر الذي لا يعترف أصلًا بوجود حكومة السراج، كما أنّ المجلس الرئاسي ورئيس البرلمان الليبي لهما تحفظات عليه، وحتى الآن تغرق ليبيا في متاهات السلاح والدبلوماسية.

وفي حال صمدت حكومة الوفاق أمام هجمات حفتر، فإن الملتقى الوطني الجامع سيضع حفتر في مأزق بعد خسارته أوراقه التفاوضية بعد انكسار قواته، بالإضافة إلى الحرج الذي سيواجهه أمام الرأي العام الدولي الذي استنكر عمليته العسكرية، كما أنّ حكومة الوفاق قد تطالب باستبعاده من مناقشة مستقبل ليبيا باعتباره مهددًا لعملية السلام، وهو ما سيضع البلاد في مأزق آخر، ودوامة جديدة، وفق محللين.

وعد بإنهاء أزمة ليبيا في أسبوعين.. هل ينجح حفتر بالسياسة فيما فشل فيه السلاح؟

المصادر

تحميل المزيد