محمد صلاح عبد الجواد 8
محمد صلاح عبد الجواد 8

2,187

في محاضرته الشهيرة على موقع «تيد»؛ عرض السير «كين روبنسون» الخبير الدولي في التعليم وتطويره، أسباب انتقاده النظم المدرسية في الوقت الحالي، ويعتقد روبنسون أن نُظم المدارس لا زالت تتبع مبادئ عصر الثورة الصناعية، التي تضع جميع التلاميذ في قالب واحد يعتمد على إنتاج ضخم وتحكّم كبير؛ فالمدارس تعلم الأطفال أن يتّبعوا التعليمات، وتتمّ مكافأتهم على مدى التزامهم باتباع الأوامر وتحقيق المهام المخصصة لهم، وهذا يقتل الحسّ الإبداعي الذي يكون في ذروته عند الأطفال في بداية مرحلة التعليم.

اتباع النظام التعليمي المصمّم من أجل عصر الثورة الصناعية يجعل هناك فجوة كبيرة بين المدرسة والعالم الحالي، الذي يتطلب مهارات خلاقة وإبداعًا أكثر لمواكبة النمو التكنولوجي والاجتماعي الرهيب، بسبب الطفرة التي حدثت في وسائل التكنولوجيا والاتصالات. ولأن ليس هناك نية قوية من الحكومات في العالم لتصحيح شكل النظام التعليمي في المدارس، اتّجه بعض الآباء نحو العودة إلى التعليم المنزلي أو «Home Schooling»، ولكن في شكل جديد يلائم العالم الذي نعيش فيه الآن.

دراسة علمية: آن الأوان للتوقف عن استخدام «باوربوينت» في العملية التعليمية

لماذا يتفوّق التعليم المنزلي على المدارس التقليدية؟

الفرق الأساسي بين التعليم المنزلي والتعليم في المدرسة، هو أن في المدرسة يوجد نظام تعليمي واحد مفروض على جميع الطلاب على الرغم من اختلافهم في القدرات، والفروق الفردية بينهم، ولكن التعليم المنزلي يمكن وصفه بـ«المشخصن»، والذي يمنح الطالب تعلم أي شيء على حسب قدراته وتقدّمه وميوله، مما لا يجعل الطالب في صراع مع نفسه أو مع الآخرين كما يحدث في المدرسة، عند المقارنة بما يسمونه «الطالب المتميز» و«الطالب المتأخر» في الصفوف الدراسية.

في مقال شخصي كتبه بيل جيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت ومالكها، قال جيتس إن التعليم المشخصن هو التعليم المفضل بالنسبه له، لأنه يمنح الطلبة الفرصة في تطوير مهارات قوية، خصوصًا في القراءة والرياضيات.

نظام التعليم في المدارس يتطوّر بالتدريج، ومقسّم إلى مراحل تحدّد المعرفة التي يجب أن يصل إليها الطالب ولا يتخطاها في كل مرحلة، وهذا يقتل حسّ الفضول العالي الذي يتميز به الأطفال في صغرهم، بينما التعليم المنزلي -كما يشير مناصروه- يتّسم بالحرية، وكذلك غير مرتبط بحدود؛ لأنه يمنح الطلاب فرصة التعرف إلى مواد وسبل معرفة لا يوفرها نظام التعليم العادي إلا في الجامعات أو المدارس الثانوية على سبيل المثال، غير أن بعض الآباء يتيحون الفرصة لأبنائهم للتعلّم من الطبيعة. تقول لبنى توفيق في هذا الصدد، وهي أم مصرية قررت أن تخرج ابنتها ماريا من المدرسة لكي تعلّمها منزليًّا: إنها لاحظت أن ماريا عندما ذهبت إلى منطقة سانت كاترين تعلّمت الكثير من البدو عن الظواهر الطبيعية، والفروق بين الجبال والهضاب والنباتات الصحراوية، وكيفية استخدام النجوم لتحديد الطرق، وتعلّمت التفرقة بين أنواع كثيرة من الحيوانات، وكل هذا كان في يومين فقط.

وأحيانًا ما تكون بيئة التعليم في المدرسة مرعبة للأطفال أو للطلاب الصغار، فعلى سبيل المثال: يحاول بعض الأطفال الأكبر في المدرسة فرض سيطرتهم، والتنمّر ضد الطلاب الأصغر منهم أو الطلاب المستجدّين، مما يعرّض الطلاب الذين يتعرّضون للتنمّر إلى الاكتئاب والقلق والنفور من الذهاب إلى المدرسة، وبالتأكيد يؤدي ذلك إلى تأخر مستواهم الدراسي، بينما يحميهم التعليم المنزلي من ذلك.

Embed from Getty Images

كلمة «التعليم المنزلي» لا تعني بالضرورة أن يكون التعليم في المنزل، بل كما وضّحنا آنفًا في مثال الأم لبنى عفيفي، التي تترحل بابنتها من مكان إلى آخر لكي تتعلم بنتها ماريا من بيئات مختلفة، وفي الولايات المتحدة يكون هناك منظمات أو روابط ترعى التعليم المنزلي وتوفّر الكثير من المحاضرات والأنشطة المجمّعة للطلاب في المكاتب والحدائق العامة وكليات المجتمع، وهذا يمنح الطلاب المزيد من الحرية، ويقلل القيود المرتبطة بالدراسة في مكان واحد، فضلًا عن أنّه يجعل الطلاب غير معزولين عن العالم المحيط بهم، مما يساعدهم على التعلم بشكل أسرع، وتطوير مهاراتهم على الإبداع بشكل أفضل، على عكس المدرسة ذات الأسوار العالية التي تحجبهم عن الواقع تمامًا.

تجربة الأم المصرية لبنى عفيفي

من أهم المفاهيم الخاطئة عن التعليم المنزلي هو أنه ينتج أطفالًا أصحاب طبيعة انطوائية، مفتقرين لمهارات التواصل الاجتماعي الفعال، يمكننا القول إن هذا كان من مساوئ التعليم المنزليّ في الماضي، لكنه لم يعد حقيقيًّا اليوم، ففي الماضي لم يكن يتوفّر للأطفال وسائل مثل الإنترنت التي توفّر لهم سبل التعليم والمعرفة المتنوعة التي تساعدهم على توسيع آفاقهم، فضلًا عن مواقع التواصل الاجتماعي التي عوضت الأطفال عن ميزة مهمة من مميزات المدرسة القليلة، وهي تكوين صداقات وروابط اجتماعية؛ لأن هذه المواقع وفرت لهم المساحة الجيدة للتعرف والتفاعل مع أصدقاء، ليس فقط في مراحلهم العمرية، ولكن في مراحل أكبر منها أيضًا.

18 سببًا سيجعلونك تقرر تعليم أبنائك بالمنزل دون ذهاب إلى المدرسة

كيف تبدأ رحلة التعليم المنزلي مع أطفالك؟

من أهم الدروس المستفادة التي يرويها الكثير من الآباء الذين خاضوا التجربة من قبل، هو أنه في البداية يجب أن تمنح الطفل حرية الاختيار بين التعليم المنزلي، والتعليم في المدرسة؛ لأن التعليم المنزلي من أهم قواعده الأساسية أنّ يكون مبنيًّا على الحرية، وإن كان من الممكن، فمن الأحسن إعطاء الطفل فرصة لخوض التجربتين حتى يتمكّن من اتخاذ قراره بنفسه، فهذا سوف ينمّي بداخله الإحساس بالمسئولية تجاه الرحلة التعليمية التي اختارها، وسوف يكون من الأفضل إن حاولت البحث عن عائلات أخرى في الحي أو المجتمع الذي تعيش فيه التي تخوض التجربة نفسها، حتى يشعر الأطفال أنهم ليسوا بمفردهم في المجتمع.

حدّد الطريق ومصادر التعلم التي ستتركز عليها الرحلة التعليمية لأبنائك، كما يجب أن تكون المصادر متنوعة، وتجمع بين بيئات وأماكن مختلفة. هناك مواقع ومصادر كثير على الإنترنت، مثل مواقع إلكترونية تختص برعاية الأطفال، وتوفير كافة سبل التعلم لهم، مثل موقع «HomeSchooling Global»، ومواقع أخرى تتيح مصادر تعليمية مجانية، وأشهرها موقع «Khan Academy» الذي لا يوفر الكثير من الفيديوهات التي يتعلم منها الطفل عن العلوم والرياضيات واللغات المختلفة وحسب، بل أيضًا يوفر دليلًا شاملًا من أجل تعليم منزلي فعال. وباللغة العربية سوف نجد أن منصة إدراك للتعليم الحر قد بدأت بالفعل في إطلاق مبادرتها لتوفير فيديوهات ومصادر تعليم لكافة المراحل الدراسية للتعليم الأساسي، وحتى الآن ركّزت المنصة على مناهج الرياضيات، ويعمل القائمون على المشروع على توفير مصادر باللغة العربية في كافة المواد التعليمية.

ويبقى السؤال المهم: كيف يحصل الطالب على شهادة معتمدة من التعليم المنزلي؟

في الغرب وخصوصًا في الولايات المتحدة توجد الكثير من المؤسسات التي أصبحت تنظّم التعليم المنزلي، وظهرت هذه المدارس بالفعل في الدول العربية، مثل تونس ومصر والإمارات، ولكن تبقى الشهادة الأشهر التي لا تحتاج إلى مدرسة هي شهادة الثانوية البريطانية «IGCSE»، وهي عبارة عن امتحان معادل للشهادة الثانوية، معترف به في العالم كله، ويمكن لأي طالب أن يجري هذا الامتحان مهما كان سنّه، كما يمكن الحصول عليه من خلال أحد فروع المجلس الثقافي البريطاني المنتشرة في كافة دول العالم.

مدارس وجامعات بلا امتحانات؟ 3 طرق لتعليم مختلف