ربما لا يعلم كثيرون أن الجيش هو «المصدر المفضل، والنبع الذي لا ينضب، لأفلام الرعب الإسرائيلية»، لدرجة أن أكثر من نصف هذا النوع من الأفلام التي أنتجت في إسرائيل خلال العقد الماضي (ستة من أصل 11) تدور في فلك الجيش.

أن يكون عدد أفلام الرعب الإسرائيلية خلال 65 عامًا يساوي صفر، ثم فجأة يبدأ صناع السينما الإسرائيليون في إنتاج ستة أفلام رعب خلال عامين فقط مطلع العقد الحالي، إنما هو تحوُّل يستحق وصف بـ«ثورة» كما يقول الناقد الإسرائيلي يائير رافيه.  

وإذا كان الجيش في إسرائيل ليس مجرد هيئة عسكرية، بل «نموذج مصغر للمجتمع»، فإن أفلام الرعب الإسرائيلية ليست مجرد لون فني مختلف، بل «أداة سينمائية فعالة لكشف مخاوف المجتمع الجماعية».

وإذا كانت القوات المسلحة جزء من الحمض النووي للتجربة الإسرائيلية؛ فمن المنطقي أن يستخدمها المخرجون السينمائيون، كظاهرة تستحق التحليل، مثلما فعل نيريت أندرمان وضيوفه من صناع ونقاد السينما عبر صفحات «هآرتس».

«داء الكلب».. باكورة الرعب الإسرائيلي

أخ وأخت في العشرينات من عمرهما يهربان من منزلهما؛ لأن بينهما علاقة عاطفية لن يتسامح والدهما معها. يجدان ملجأ مؤقتًا في محمية طبيعية مهجورة، لكن الأخت تقع في فخ مميت نصبه قاتل مختلّ. يهرع الأخ في سباق مع الزمن للعثور على المساعدة لإنقاذ أخته. 

في أعماق الغابة تجمعهما الأقدار بآخرين: حارس الحديقة، وكلبه (بوبا)، وشرطيين، وأربعة لاعبي تنس. مع وجود القاتل في الأرجاء، تبدأ الأمور في الخروج عن السيطرة، ويجد الجميع أنفسهم في دوامة من سوء التفاهم والمخاوف والعنف، وفي نهاية المطاف سيبقى واحد منهم فقط على قيد الحياة. 

هذه هي قصة «داء الكلب»؛ أول فيلم رعب طويل في إسرائيل، من تأليف وإخراج: أهارون كيشاليس، نافوت بابوشادو، وبطولة: ليور أشكنازي، أنيا بوكشتين، داني جيڤا. 

ولأن صناع السينما الإسرائيليين يحاولون تقديم منتج مختلف، فهم «يلعبون بالقواعد، ويبنون شيئًا جديدًا»، على حد قول المنتج تشيليك ميخائيلي. وإذا كان السائد في أفلام الرعب العالمية أن الجبان يموت أولًا، سيبقى الجبان في «داء الكلب» حيًا حتى النهاية. 

وقد كان خروج الفيلم إلى النور «معجزة»، على حد وصف مخرجي الفيلم؛ «فلا أحد يصنع أفلام الرعب في إسرائيل، ولا أحد ينتجها، ولن تعطيك أية حكومة أموالًا لتصوير فيلم كهذا». كان هذا واضحًا منذ البداية؛ ففي كل مرة يخبر المؤلفان/المخرجان شخصًا بأنهما يعملان على فيلم رعب، كان يضحك ويقول: «لا يوجد أية قتلة متسلسلين في إسرائيل. لن يقتنع أحد بذلك».

من هنا قرر المخرجان اتباع نهجٍ ساخر، ليكون العمود الفقري للفيلم: ما نوع القاتل المتسلسل الذي ستقدمه إسرائيل للعالم؟ هل سيكون محترفًا؟ هل سيكون معتوهًا؟ هل تحتاج إسرائيل حقًا إلى قاتل متسلسل للقيام بعملية القتل، أم هل لدينا ما يكفي من القتل في بلدنا ولا نحتاج إلى قاتل مدرّب؟ 

كانت هذه هي الأسئلة التي بُنِي عليها سيناريو «داء الكلب»، الفيلم الذي فتح الباب أمام هذا اللون السينمائي النادر في إسرائيل، على مدى السنوات العشر الماضية، وحالفه الحظ حين قَبِل نجوم السينما والتليفزيون المشاركة فيه بمقابل مادي متواضع.

«ملعون».. فيلم «إسرائيلي للغاية»

«الله ينتقم منك.. إن شاء الله الأرض تنشق وتبلعك».. تقترب المرأة البدوية بملابسها السوداء، وهي تردد هذه الكلمات بلهجةٍ متوعدة، بينما يحذرها الجنود الإسرائيليون بلُطفٍ أن «هذه منطقة عسكرية». 

في 81 دقيقة يتمدّد هذا المشهد؛ لينسج خيوط فيلم «ملعون»، الذي عُرِضَ في 29 نوفمبر (تشرين الثان) 2018، ويصفه مخرجه إيفغيني رومان بأنه «فيلم إسرائيلي للغاية»؛ استنادًا إلى أن «الخدمة العسكرية، خاصة الخدمات القتالية، تزود معظم الإسرائيليين بالكثير من التجارب، وتؤثر عليهم تأثيرًا كبيرًا». 

يدور الفيلم حول ثلاثة جنود صغار، يخوضون تدريبًا في الصحراء. لكن تحت تأثير «لعنة» ألقتها عليهم المرأة البدوية، يجدون أنفسهم ينزلقون ببطء إلى مستنقع الجنون، وينقلبون ضد بعضهم البعض بينما تلعب الخيالات السوداء برؤوسهم.

وأفلام الرعب من وجهة نظر المخرج الإسرائيلي رومان ليست مجرد وسيلة لعرض المخاوف وتشريح القلق الناتج عن الخدمة في الجيش فقط، ولكنها أيضًا علاجًا يساعد على التكيف معها. ولا مفر من المواجهة لأنها «تجارب قوية تبقى مع الأشخاص الذين خدموا في الجيش الإسرائيلي لسنوات عديدة حتى بعد ترك الخدمة العسكرية».

والرابط بين الرعب والجيش، هو: «العنف الموجود في البيئة العسكرية، وهو عنصر مهم في فيلم يتعلق بفتية صغار يؤدون خدمتهم الإلزامية في الجيش، ويتورطون في موقف ليس لديهم أدنى فكرة عن كيفية التعامل معه». 

«يديعوت أحرونوت»: هذا ما كان يأمله الحكام العرب من انتخابات إسرائيل

«وقود المدفع».. إسرائيل تحارب جيشًا من «الزومبي»

يحظى الجيش الإسرائيلي بمكانة متميزة في أفلام الرعب التي صنعها المخرج إيتان جافني في السنوات القليلة الماضية، منذ فيلمه الأول: «وقود المدفع»، الذي يدور حول جنود مقاتلين أرسلوا في مهمة إلى لبنان، لكنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة جيش من «الزومبي».

عندما انطلق دورون بصحبة قوة النخبة إلى لبنان كان يهدف إلى استكمال مهمته الأخيرة: القبض على الرجل الثالث في «حزب الله»، لكن بعد فترة وجيزة، يكتشف أن الواقع ليس بهذه البساطة، وأنه مضطر للتعامل مع عدو جديد يحيطه الغموض. الآن بعد أن غير العدو وجهه، فإن الأمر متروك لـدورون ووحدته لشن حرب جديدة ومختلفة؛ لإيجاد ترياق والعودة عبر الحدود، قبل أن يتغير وجه الصراع في الشرق الأوسط إلى الأبد.

 

يُكشَف الستار عن حقيقة ما يجري بصوتٍ أُنثَويّ: «أدرك والدي أن قيادتنا ستقودنا إلى حرب أخرى. وكان الشيخ نصر الله متأكدًا من أن والدي يصنع سلاحًا بيولوجيًا ضدكم»؛ لتبدأ المواجهة مع  عدو لم تشهده إسرائيل من قبل، ويصبح الدفاع عن الحدود لا معنى له، بينما تندلع حرب فريدة من نوعها في الشرق الأوسط.

يقول جافني: «بالنسبة لمخرج سينمائي محلي، يُعتَبَر الجيش الإسرائيلي أرضًا خصبة للكليشيهات والصور النمطية، وهذا ما تحتاجه بالضبط لإنتاج فيلم عن «الزومبي». ومن الطبيعي أن يكون الجيش الإسرائيلي جزءًا من نموذج مصغر للمجتمع الإسرائيلي. لا مفر من حقيقة أن الجيش جزء كبير من حياتنا هنا».

ويضيف: «أحد الأشياء الكبيرة التي تحدث مع الخدمة العسكرية هي الصدمة التي تصيبك مباشرة بعد تجنيدك، عندما تجد نفسك فجأة وجهًا لوجه أمام إسرائيل التي لم تكن تعرفها من قبل، وكل الأشخاص الذين لم تقابلهم من قبل؛ لأنك حتى سن 18 كنت تعيش في فقاعتك الصغيرة. هذه الصدمة التي كانت بالنسبة لي تجربة إيجابية، تُمَكّنك فجأة من خوض تجربة للتعرف على بلدك في أكثر أشكالها قسوة وبلا رتوش. ولأن الجيش جزء من الحمض النووي للتجربة الإسرائيلية؛ لذلك فمن المنطقي أن يستخدمه صناع الأفلام».

«مرعوب».. مزيج الرعب والكوميديا في الخدمة العسكرية

فيلم رعب كوميدي من إنتاج عام 2015 يدور حول  جندي غير مقاتل يُدعى ماتان، ينطلق في مهمة حراسة لمدة أسبوع في قاعدة نائية شمال إسرائيل، مع ثلاثة جنود مقاتلين غير ودودين. يتكالب مزيج من الوهن والحنين على ماتان؛ فيحوله إلى هدف سهل لأقرانه الذين يجعلونه ألعوبتهم، ويتركونه وحيدًا في موقع الحراسة مساء ويخرجون لاقتناص بعد لحظات المرح.  

لكن لا يمر وقت طويل حتى تبدأ أشياء غريبة في الحدوث، لتدرك المجموعة حينها أنهم بحاجة إلى حماية ظهور بعضهم. وبمرور الأيام يبدأ الجنود في التساؤل عما إذا كانوا سيخرجون من هذه التجربة على قيد الحياة. 

الفيلم من تأليف ليور لديرمان، وإخراج بوعز أرموني الذي نشأ على أفلام فريدي كروجر والفك المفترس وأشباهها، وكان دائمًا يبحث عن طريقة لـ«تحويل هذه الأفلام إلى منتج محلي». ولأن تجربته في الجيش الإسرائيلي كانت «مضحكة ومروعة في آن»؛ قرر أن تدور أحداث فيلمه داخل الجيش.

يقتبس الفيلم مخاوفه من قلب «الثقافة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي»، وهو لا يقدم للمشاهدين صورة «الجيش البطولي قوي، بل يجسد شخصية جندي هزيل وجبان ساقته الأقدار إلى مكان خطير». 

«مسموم».. الرعب والكوميديا والرومانسية في الجيش الإسرائيلي

فيلم رعب كوميدي رومانسي، يحكي قصة مجند شاب يقضي ليلة عيد الفصح في خوض معركة دموية من أجل البقاء، عندما يكتشف أن معظم قوات النخبة في قاعدته العسكرية تحولوا إلى موتى أحياء. لكن أنَّى لهذا المجند الهزيل، الذي كانت مشكلته الكبرى في بداية الفيلم هي: تنظيف المرحاض بفرشاة أسنان، أن يواجه كائنات متوحشة لا تنتمي إلى عالم الإنس؟ هنا تبدأ المفارقات المضحكة والمرعبة في آن واحد. 

التجربة الشخصية حاضرة هنا أيضًا، حيث يقتبس المخرج ديدي لوبتسكي مشاهد من خدمته العسكرية، ويظهر للمشاهد كيف شعر بالغربة عندما كُلِّف بالذهاب إلى قاعدة عسكرية نائية. وبينما تنتشر الأفلام الرعب الأمريكية داخل الحرم الجامعي، رأى لوبتسكي أنه من المناسب أن تدور أحداث الفيلم داخل الجيش، الذي يلعب دورا رئيسيًا في تشكيل المجتمع الإسرائيلي.

كيف تتفوق أفلام الرعب الإسرائيلية على أفلام الحرب؟

يعتقد خبير السينما الإسرائيلية، إيدو روزن، أن «صناع أفلام الرعب المحلية يحاولون حل المشكلات التي عجزت أفلام الحرب عن معالجتها بطريقة مُرضية»، ويرى أن «الأكثر رعبًا حقًا ليس الوحوش والشياطين، ولكن الوجه الذي يحدق في عيوننا عبر المرآة». 

ويلفت روزن إلى أن استخدام الجيش في أفلام الرعب الإسرائيلية كان لأسباب تجارية، «كجزء من محاولة لدفع الفيلم الإسرائيلي إلى آفاق جديدة»، لكن أيضًا لأن الجيش يضم «الكثير من الأشياء الرمزية التي تجعل الجمهور يشعر على الفور أن الفيلم أنتج محليًا وليس في بلد آخر».

بالإضافة إلى ذلك، تتضمن الخدمة داخل الجيش العديد من العناصر التي تغذي أفلام الرعب: الشعور بالحصار، والاستعداد للمواجهة العنيفة، والوصول إلى الأسلحة. وبذلك يصور صانعو أفلام الرعب هذه التجربة على أنها كابوس، وهو ما يثير الانتقادات الرسمية في كثير من الأحيان.

ورغم حرص صناع السينما على تقديم منتج محلي بنكهة إسرائيلية، لا يزال العائد الذي تجنيه هذه الأفلام داخل إسرائيل متواضعة، أما النجاح الحقيقي فيأتي من خلال توزيعها في جميع أنحاء العالم، لكن بمرور الوقت بدأت هذه الظاهرة تثبت أنها قادرة على جني المال. 

وخير شاهد على هذا التحوُّل، أن أفلام الرعب الإسرائيلية جذبت الممثلة البريطانية لينا هيدي (45 عامًا)، التي حظيت بشهرة عالميّة بعدَ تجسيدها دور سيرسي لانستر في «صراع العروش».

من هي الجاسوسة الصهيونية التي هزت عرش الإمبراطورية العثمانية؟

 

المصادر

عرض التعليقات