قبل أن يستفيق السعوديون من الضربة الموجعة التي نالت من منشآت شركة «أرامكو» السعودية مؤخرًا، عرض الحوثيون مبادرة لوقف استهداف الأراضي السعودية بالصواريخ والطائرات المسيرة، وطالبوا بالانتقال مباشرةً إلى مفاوضات جادة تفضي إلى الحل السياسي الشامل في اليمن.

المبادرة الحوثية المفاجئة؛ تحمل دلالات عدة في هذا التوقيت التي تغيرت فيه موازين القوى في اليمن، وبغض النظر عن موقف الرياض من تلك المبادرة، يبحث التقرير التالي في دوافع تلك المبادرة، وهل جاءت لادعاء حسن النية وامتلاك زمام المبادرة باعتبار الحوثيين «طرفًا أقوى» أم  لتحييد الحوثيين عن الصراع الدولي ضد إيران، خاصة مع الحديث عن سيناريو تكثيف السعودية لضرب الحوثيين ردًا على إيران، أم أنها تنفيسًا لحالة الاحتقان السائدة على خلفية الهجمات التي أصابت السعودية في مقتل؟

بدأت منذ سنوات.. مسيرة التفاوض السعودي الحوثي

يُعرف أن حدة المعارك في اليمن تصاعدت بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة الشرعية، بعدما تدخلت السعودية  في آذار (مارس) 2015 على رأس التحالف الدولي في اليمن.

قادة حوثيون خلال محادثات السلام برعاية الأمم المتحدة

ومع تواصل تلك المعارك حتى يومنا هذا دون تحقيق أي من الطرفين لأهدافه، وقعت محاولات لحل الأزمة اليمنية عبر الحل السياسي بالتفاوض ما بين الحوثيين والسعودية. ظهرت أولى تلك المحاولات في مارس 2016، حين أعلنت قيادة قوات التحالف بقيادة السعودية عن اتفاق للتهدئة في المناطق الحدودية بين اليمن والسعودية، وعن صفقة تبادل للأسرى مع الحوثيين، لكن السعودية نفت وجود دور للحوثيين، فأكدت أن الاتفاق جاء استجابة لوساطة قبلية على الحدود.

بعد عامين، وتحديدًا في مارس 2018، كشف اللثام عن لقاء تم لأول مرة وجهًا لوجه بين الحوثيين والسعودية، إذ تواصل الطرفان بشكل مباشر في العاصمة العمانية مسقط، وبحثا سبل التوصل لتسوية تنهي الحرب باليمن.

لكن الحدث الأبرز في مسيرة  المفاوضات بين السعودية وحلفائها مع الحوثيين، سجل في 27 أغسطس (آب) 2019، حين ذكرت صحفية «وول ستريت جورنال» أن الولايات المتحدة تعمل على حث السعودية على المشاركة في محادثات سرية مع قادة الحوثيين في سلطنة عُمان، في محاولة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

بيد أن واشنطن كشفت بشكل واضح في سبتمبر (أيلول) الحالي، وللمرة الأولى عن اجراء محادثات مع الحوثيين في اليمن؛ إذ قال مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشرق الأدنى ديفيد شينكر: «تركيزنا منصب على إنهاء الحرب في اليمن، ونحن نجري محادثات مع الحوثيين لمحاولة إيجاد حل للنزاع متفاوض عليه يكون مقبولًا من الطرفين»، كما أضاف شينكر: «نحن نعمل مع (المبعوث الدولي) مارتن غريفيث، ونقيم اتصالات مع شركائنا السعوديين».

ومع تبنى الحوثيون الهجمات ضد منشآت «أرامكو» في 14 سبتمبر الحالي، والحديث عن خيارات سعودية جلها عسكرية لمواجهة الأمر، فاجأ الحوثيون المجتمع الدولي بعد  نحو أسبوع من وقوع الهجوم، بالإعلان عن استعدادهم لوقف الهجمات ضد السعودية باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.

فقال رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين مهدي المشاط: «نعلن عن وقف استهداف أراضي المملكة العربية السعودية بالطيران المسير والصواريخ الباليستية والمجنحة وكافة أشكال الاستهداف وننتظر رد التحية بمثلها أو أحسن منها»، وواصل الحديث لقناة «المسيرة» الحوثية: «نحتفظ لأنفسنا بحق الرد في حال عدم الاستجابة لهذه المبادرة ونؤكد بأن استمرار الحرب لن يكون في مصلحة أحد».

«على حافة الهاوية».. كيف ستنتقم السعودية من إيران بعد هجوم «أرامكو»؟

ما هي الرسائل التي يحملها عرض الحوثيون؟

يشدد المحلل السياسي اليمني ياسين التميمي على أن إعلان الحوثيين وقفًا مشروطًا لاستهداف العمق السعودي في هذا التوقيت يؤكد أن الحوثيين هم جزء أصيلً من المعركة التي تخوضها إيران للتخفيف من الحصار الخانق الذي تفرضه الولايات المتحدة على طهران.

ويوضح التميمي خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «حاول الحوثيون وبإيعاز من إيران إبقاء هجمات بقيق وهجرة خريص في إطار المواجهة الراهنة بين الحوثيين والسعودية، ولهذا أثره في التخفيف من الضغوط التي تواجه إيران على خلفية اتهامات موضوعية بوقوفها خلف هذه الهجمات»، ويتابع القول: «التصعيد الأمريكي من خلال فرض عقوبات مشددة وإرسال تعزيزات عسكرية ذات طابع دفاعي كلها تحشر إيران في زاوية الخيارات السيئة، لذا يأتي إعلان الحوثيين وقف استهداف السعودية بمثابة طوق نجاة لإيران أو على الأقل تنفيسًا لحالة الاحتقان السائدة على خلفية الهجمات التي أصابت السعودية في مقتل».

ويقرأ الصحافي اليمني فهد سلطان رسالتان في العرض الحوثي على السعودية، الأولى رسالة خارجية، يحاول الحوثيون فيها إظهار أنهم ممسكون بزمام المبادرة، ويعقب: «الضربة الموجعة التي تعرضت لها السعودية السبت الماضي باستهداف منشآتي بقيق وخريص، كانت كبيرة ولم تحصل في تاريخ المملكة، وعدم الرد وانتظار رد فعل المجتمع الدولي جعل الحوثيين يشعرون بالزهو وأنهم انتصروا في هذه الحرب».

أما الثانية وهي رسالة داخلية، فتتمثل في أن العرض الحوثي كان بمثابة «خطاب النصر» الذي يأتي في توقيت الذكرى الخامسة لسيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء ونجاح ثورتهم المزعومة يوم 21 سبتمبر 2014، ويضيف السلطان: «يريدون أن يظهروا بعد خمس سنوات من عاصفة الحزم التي قادتها 10 دول لا يزالون أقوياء وفي عز قوتهم، وهم من يفرض الشروط».

هل تستجيب الرياض للعرض الحوثي الآن؟

«التوصل إلى اتفاق مع الحوثيين ينهي الحرب التي بات تحقيق أهدافها أمرًا صعب المنال، هو الخيار الأفضل لولي العهد السعودي محمد بن سلمان على المدى البعيد، التوصل إلى اتفاق سلام يرضي جميع الأطراف سيمكن المملكة من الانسحاب من اليمن وإنهاء ويلات الحرب». * زينب فتاح  في موقع «بلومبيرج».

الناطق باسم وزارة الدفاع السعودية تركي المالكي يعرض صواريخ كروز من موقع الهجوم على «أرامكو»

لكن كيف تنظر السعودية للعرض الحوثي الأخير؟ يعتقد الصحافي اليمني عبد الله دوبله أن العرض الحوثي جاء لهدف تحقيق توازن رعب، بمعنى أن الحوثيين استغلوا ضربة «أرامكو» لتقديم عرض وقف إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة مقابل وقف تحليق الطيران السعودي وضرباته في الأراضي اليمنية.

ويعقب دوبله: «هذا مطلب حوثي قديم، والسعوديين لا يريدون أن يثبتوا توازن الدرع الذي يسعى إليه الحوثيين»، ويواصل خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «لا أظن السعودية ستستجيب لهذا العرض، فهو يجعلها منهزمة، بينما يظهر الحوثي كمن حقق هدفه بتحقيق توازن الردع». ويوضح الصحافي اليمني أن الحل السياسي في اليمن واضح وله أسس في قرارات مجلس الأمن وعلى رأسها القرار رقم (2216) الذي يفرض حظرًا للسلاح على الحوثيين، ويدعوهم إلى الخروج من المدن والمناطق التي استولوا عليها بما فيها العاصمة صنعاء.

مضيفًا: «حين يتم الحديث عن حل سياسي، فهذا الحل له معنيين، أولهما الحكومة اليمنية التي تريد إنهاء الانقلاب، وثانيهما الحوثيين الذين يريدون تثبيت الوضع القائم، ولذلك الحديث عن حل سياسي مجرد كلام للاستهلاك غير قابل للتحقق، خاصة أن المشكلة بين السعودية والإمارات أيضًا لا تقتصر على الحل السياسي أو العسكري، وإنما على موضوع آخر وهو بقاء اليمن موحدًا، أو تقسيمه كما تريد الامارات».

من جانبه يعتقد الصحافي اليمني فهد سلطان أن السعودية لن ترد لا على العرض الحوثي ولا على إيران، على اعتبار أنها أضاعت كثير من الفرص، وفتت حلفائها سواء في اليمن أو خارج اليمن ومحيطها الإقليمي، ويستدرك القول: «الخيارات أمام السعودية محدودة، ولم تعد قادرة على مواجهة كل الأزمات والملفات المفتوحة، في اليمن أكثر من ملف مفتوح في الشمال والجنوب وعلى الحدود، وهناك مشكلات كثيرة تلاحقها من انتهاكات ووضع اقتصادي مترد في الداخل اليمني، إضافة إلى هزيمتها في الحرب، إلى جانب مشكلات داخل العائلة ومشاكل تعاني منها الدولة ذاتها».

شبح الـ100 دولار حاضر.. أبرز التوقعات عن سوق النفط بعد هجمات «أرامكو» السعودية

 

المصادر

تحميل المزيد