منذ أن أعلنت القوة الصاروخية التابعة للحوثيين منتصف العام الماضي بأن مصافي النفط السعودية باتت أهدافًا قريبة لصواريخهم، وسماء السعودية لازالت تُضيئ بالصواريخ البالستية التي لا تُخطئ مواقعها، حتى تعترضها مظلة الدفاع السعودية باهظة التكلفة، وقبل عدة أيام نفت شركة «أرامكو» الموجودة في نجران الحدودية جنوبًا تعرض منشأتها لأي قصف صاروخي. ورغم تأكيد الحوثيين بأنهم أطلقوا صاروخًا قصير المدى، لكنّ الرواية مرت بكثير من التشكيك؛ بفضل التجاهل السعودي.

إلا أنّ الضربات هذه المرة كانت موجعة؛ ففي ساعات ليلة 26 مارس (آذار)، أطلق الحوثيون – تزامنًا مع الذكرى الثالثة لبدء الحرب اليمنية – عدة صواريخ بالستية على مناطق متفرقة بالمملكة، في حين أعلنت الرياض اعتراض سبعة صواريخ فقط، ثلاثة منها كانت في طريقها لمدينة الرياض؛ حيث القصر الحاكم، وبعدما عاد الهدوء مرة أخرى صرح المكتب السياسي لجماعة الحوثي من صنعاء، بأن تلك الهجمات تأتي في سياق الدفاع عن النفس.

في هذا التقرير نشرح لك لماذا يسعى الحوثيون لإطالة الحرب في اليمن، رغم أنّهم يقولون إنّ هجماتهم تأتي كرد فعلٍ على العدوان السعودي والإماراتي.

1-أصبحوا طرفًا أساسيًا في المفاوضات 

كل شيء تغيّر بعد ثلاثة أعوام من الحرب؛ فولي العهد السعودي الذي تولى وزارة الدفاع، ثم أعلن الحرب، هو صاحب الخُطة التي تقول: «نستطيع أن نحشد القوات السعودية وحدها، وفقط في أيام قليلة نجتث كل المناطق من أيدي قوات صالح والحوثيين، لكن حرب النفس الطويل في صالحنا»، في البداية كانت السعودية ترفض التفاوض المباشر مع الحوثيين، أو مع الرئيس اليمني المقتول، علي عبد الله صالح، كما أن المملكة أعلنت غضبها الرسمي من سلطنة عُمان حين قامت الأخيرة بالتوسط سرًا بين الغرب والحوثيين معتمدة على نفوذها في الدخول كوسيط موثوق به في أي اتفاق لإنهاء الحرب.

(خريطة السيطرة العسكرية الحالية في اليمن) المصدر: الأخبار اللبنانية

لكنّ الحسم قد تأخر؛ طال أمد الحرب، وبدأ العام الرابع للقتال، فظهر الحوثيون كأنهم قوة عسكرية منتصرة لها ثقلها على الأرض، وحتى الآن لازالت تحتفظ بالعاصمة صنعاء، والمحافظات المجاروة، منذ أواخر عام 2014، وبدا للسعودية أنّ المراهنة على الوقت لن يكون أبدًا في صالحهم، فعُقدت صفقات سرية برعاية إماراتية مع صالح بهدف إنهاء الحرب، وكانت الخُطة تقتضي أن يتخلي الثعبان عن حلفائه الحوثيين، والإيقاع بهم في مقابل إعادة صالح إلى الحُكم مرة أخرى، ولكنّ الحوثيين فطنوا إلى الخُدعة؛ فبادروا هم ببدء الخلاف والدخول في مناوشات، لكنّ بقتل صالح في النهاية – بعدما أعلن التحالف العربي مباركته للصدام المُسلح – تبخرت معه ورقة السعودية للخروج من المأزق الذي سبب أكبر أزمة إنسانية في العالم.

اليمن في زمن الكوليرا.. خريطة متكاملة لكل ما حدث في اليمن خلال 2017

الحكومة اليمنية أيضًا كانت ترفض التفاوض المباشر مع الحوثيين في البداية، إلا بعد إعلانهم الخضوع للقرارات الدولية لمجلس الأمن والمتمثلة في عودة الشرعية، والانسحاب من المحافظات التي تحت سيطرتهم، وتسليم السلاح، لكنّ حكومة الرئيس هادي المُعترف بها دوليًا تواجه هي الأخرى أزمات في شرعيتها، فالأراضي المحررة من الحوثيين ومن تنظيم «القاعدة»، لا تخضع للحكومة بشكل مباشر، كما أن قوات التحالف العربي تُتهم بأن لها أجندات أخرى في الحرب، والمملكة ترفض التقدم بجيشها داخل العاصمة صنعاء، كما أنها ترفض أيضًا تقديم الدعم العسكري لقوات المقاومة لتحريرها، وهو ما جعل الحكومة اليمنية لأول مرة تُحدد خمسة شروط للدخول في مفاوضات مباشرة مع الحوثيين، أبرزها وقف إطلاق الصواريخ، والسماح لفرق الإغاثة بالوصول إلى المواطنين، دون اعتراضها.

وقبل أسبوعين، كشفت وكالة «رويترز»، أنّ هناك مفاوضات سرية بين الحوثيين والسعودية في الرياض لإنهاء الحرب، وهي التي انتقدتها الحكومة اليمنية ونفتها المملكة، من جهة أخرى يقود المبعوث الأممي الجديد، غريفيث، تحركات عربية واسعة، تشمل الأردن وعمان والرياض والحكومة اليمنية، والشريك الأهم في تلك المعادلة هم الحوثيون الذين – فيما يجلسون على طاولة المفاوضات – كانوا نجحوا في تطوير منظومة صاروخية جديدة أثبتت جداوها في الأيام الأخيرة.

لذا فإطالة الحرب مهما كانت الخسائر يصبُ في صالح الحوثيين، والذين حافظوا حتى الآن على معظم أراضيهم، وطوّروا أسلحتهم، كما أنهم أجبروا خصومهم على الجلوس على طاولة المفوضات، واللافت للنظر أنّ بريطانيا – ثاني أكبر موّرد  للسلاح إلى السعودية، والمسئولة عن الملف اليمني في مجلس الأمن – لم تُهاجم الحوثيين ردًا على هجماتهم الأخيرة، لكنها دعت المملكة للتفاوض؛ لأنه أصبح الحل السياسي الوحيد.

2- إدخال لاعبين جُدد في صفوف الحوثيين

يُبرر الحوثيون هجماتهم الصاروخية بأنها رد على انتهاكات التحالف العربي بحق المدنيين، فهم مع كل هجمة صاروخية لهم يستجدون الخارج لإنقاذهم، على الجانب الآخر يرفع بعض اليمنيين مطالبات واحتجاجات ضد الرياض لإجبارها على عودة الرئيس هادي إلى وطنه، وبحسب ما كشف مبعوث الأمم المتحدة السابق إلى اليمن، فإن الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، ورئيس الحكومة المستقيلة، خالد بحاح، وبعض القادة اليمنيين يخضعون للإقامة الجبرية، وهو ما جعل بعض النشطاء اليمنيين يدشنون هاشتاج #عودة-رئيس-الجمهورية-مطلبنا.

Embed from Getty Images

الحكومة اليمنية نفسها باتت ضمن المعترضين على سياسات التحالف؛ فمؤخرًا عيّن الرئيس اليمني الأخ غير الشقيق للرئيس اليمني المقتول علي عبد الله صالح قائدًا لقوات الاحتياط – الاسم الجديد للحرس الجمهوري – وهي الخطوة التي جاءت خوفًا من قيام طارق صالح – ابن شقيق الرئيس اليمني الموجود في عدن – باستقطاب الضباط والجنود تحت مظلة الإمارات ضد الحكومة الشرعية بدعوى محاربة الحوثيين، ويبدو أنّ الحكومة الحالية لا تحظى بدعم أبوظبي، ففي الشهر الماضي هددت الإمارات بقصف مواقع عسكرية تابعة لقوات موالية لهادي لإطلاق ضباط صالح، وقبل نحو ثلاثة أشهر تعترض موكب رئيس الوزراء اليمني، أحمد بن دغر، لمواجهات من قوات الحزام الأمني التي تتبع أبوظبي مباشرة.

ويبدو أنّ كل الأطراف ضاقت ذرعًا بالوجود السعودي والإماراتي؛ لذا بدأ كل طرف باستدعاء قوى خارجية لفرض مصالحه؛ فقامت عائلة صالح بالتوجه إلى الأراضي العُمانية؛ حيث السلطان قابوس الذي يُحارب سرًا سياسات السعودية والإمارات، ويرفض انفصال اليمن، والأهم من ذلك أنّ وزير الخارجية البريطاني عقد مؤخرًا في مسقط مباحثات سرية مع الحوثيين بعلم الحكومة اليمنية، لذا فإطالة الحرب تفرض دخول لاعبين جُدد يضعون قواعد جديدة لإنهاء الصراع، وتُعتبر عُمان حاليًا هي الوسيط الأنسب للأزمة؛ لأنها تنفرد وحدها بقنوات اتصال مفتوحة مع الجميع.

الحكومة اليمنية – من جهتها – باتت في حربٍ مُعلنة ضد الإمارات، فبينما تبسط أبوظبي نفوذها على الجنوب اليمني، حيث الموانئ الساحلية والمناطق النفطية، قامت حكومة هادي من داخل الرياض بتقديم عرض تجاري للصين؛ إذ منحتها امتياز تشغيل وإدارة ميناء «عدن» الاستراتيجي، والذي يعد – محوريًا – ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية التي ترفع شعار «طريق واحد.. حزام واحد».

وتجدر الإشارة أنّ الصين بدلت مواقفها تجاه اليمن من الحياد إلى دعم الحكومة اليمنية في تحدياتها، ومؤخرًا قامت بكين بإسقاط نحو 738 مليون يوان صيني (111.8 مليون دولار) مثلّت جزءًا كبيرًا من الديون اليمنية، وهي خُطوات تمهيدية لما يمكن أن يحدث بعد ذلك، فهادي الآن أصبح يمتلك شريكًا قويًا يُمكن الاعتماد عليه، بدلا عن السعودية والإمارات، وهو من جهة أخرى يصبُ في صالح الحوثيين؛ لأن الصين وإيران شريكان استراتيجيان ضد الولايات المتحدة.

وروسيا التي تُمارس الحياد علنًا، استخدمت «الفيتو» الشهر الماضي ضد مشروع قرار دولي يتهم إيران بانتهاك حظر الأسلحة في اليمن، وهو ما صب في مصلحة الحوثيين، وحتى الآن لازالت البعثة الديبلوماسية الروسية في صنعاء، رغم سيطرة الحوثيين على المدينة، وهو ما فُسّر على أنّ روسيا تنحاز لجماعة الحوثي ضد الرياض، خاصة أنه قد سبق لها أن أيدت المجلس السياسي الذي شكله صالح والحوثي لإدارة المناطق التي تحت سيطرتهما.

هل تسحب الصين «بساط» النفوذ الإماراتي في اليمن؟

3- طول الحرب جعل السعودية بلا حلفاء في الداخل

عقب مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، وجد الرئيس هادي في مقتله فرصة كبيرة؛ لأن خصمه على كرسي الرئاسة قد رحل للأبد من ناحية، ومن ناحية أخرى دعا الشعب اليمني للانتفاض ضد الحوثيين رافعًا شعار المعركة الجديدة: «الجمهورية والثورة والتخلص من المليشيات الحوثية والإيرانية»، وبدا أنّ مقتل صالح وحّد كل الأطراف ضد جماعة الحوثي، وظنّ الجميع أنّ الرصاصة التي قتلت علي عبد الله صالح سترتد على قاتليه، خاصة أن آخر وصايا صالح كانت فض التحالف معهم.

Embed from Getty Images

لكنّ الحرب التي دخلت عامها الرابع قلبت كل الموازين؛ فلا الجيش اليمني استطاع دخول صنعاء، ولا القبائل الثائرة لعلي عبد الله صالح استطاعت هزيمة جماعة الحوثي، ولا التحالف العربي تمكن من حسم الحرب، ولا السعودية والإمارات حافظا على أهدافهما متماسكة من الحرب؛ فالأولى ترفض الانفصال. والثانية تدعم مصالحها في الجنوب. كما أنهما فشلا في إقناع نجل علي عبد الله صالح بالعودة إلى اليمن، وتجميع الشتات من أجل الحسم. وهما أيضًا فشلا في استدراج حزب «الإصلاح» اليمني – المحسوب على جماعة «الإخوان المسلمين» – إلى بناء تحالف استراتيجي. والإصلاح لم ينسَ أن السعودية لم تتدخل لإنقاذ الشرعية، إلا بعدما تمكنّ الحوثيون من إسقاط صنعاء، وهزيمة «الإصلاح».

في المقابل، فإن حزب «المؤتمر» لم يفض الشراكة مع الحوثيين حتى الآن، ففي بيانه الأول الذي أصدره عقب مقتل صالح، دعا إلى الثبات والتماسك برفض العدوان الذي تقوده السعودية والإمارات، كما أنّ قادة الحزب لم ينفصلوا، واستمر التحالف مع الحوثيين تحت الزعيم القبلي الجديد الذي حلّ مكان صالح صادق أمين أبو الراس.

ورغم أنّ الحكومة اليمنية تسعى لجذب حزب المؤتمر خارج عباءة الحوثيين، فإن الصحافي اليمني (م. ا) يقول لـ«ساسة بوست»: «المسألة تجاوزت التقارب إلى حد التبعية؛ إذ إن حزب صالح تحول إلى أداة طيعة في يد الحوثيين؛ فالحزب تشتت بعد مصرعه، وزادت حالة الانقسام فيه، ونجح الحوثيون في السيطرة على قرار الحزب بواسطة أعضاء قياديين في الحزب نفسه». يُضيف: «ومع ذلك يبقى الأعضاء المتواجدون خارج السيطرة العسكرية للحوثي هم من يمثلون دائرة المعارضة الداخلية».

4- أخطاء السعودية مهّدت للتفاوض الأخير

نجاح الحوثيين في الصمود السياسي والعسكري قابله من جهة أخرى استقالات في الحكومة اليمنية اعتراضًا على سياسات التحالف العربي في اليمن، فوزير الدولة اليمني المستقيل برر استقالته اعتراضًا على عدم احترام السعودية لبلاده، في الوقت الذي تشهد فيه اليمن أكبر أزمة إنسانية، بأنه وحّد كل الأطراف ضد السعودية والإمارات؛ لأن التحالف في نظرهم لم يُخفف الأزمة، ولم ينتصر، لذا يتفق كل الأطراف في النهاية على ضرورة التفاوض كحل سياسي وحيد.

Embed from Getty Images

وسبق أن قدم الرئيس اليمني الأسبق، علي ناصر محمد، مبادرة اتفقت عليها كل القوى السياسية قبل شهرين، وأبرزها: وقف إطلاق النار بشكل نهائي لتوفير مناخ سياسي مناسب، والبدء بإجراءات تشكيل مجلس رئاسي، وحكومة توافق تشارك فيها جميع الأطراف اليمنية في الشمال والجنوب، وتشكيل لجان عسكرية محلية ودولية تباشر جمع السلاح من مختلف الجماعات والفصائل المسلحة، ووضعها في إطار سلطة وزارة الدفاع ضمن الحكومة الجديدة، والبدء في حوار شامل على شكل الدولة الفيدرالية أو الاتحادية، وتشكيل لجنة دستورية لتنقيح المشاريع الدستورية المطروحة.

ورغم أن كلًا من الحكومة اليمنية والحوثيين أبدوا موافقة مبدئية لتلك المبادرة، إلا أن الرئيس هادي يشترط نزع السلاح عن الحوثيين تمهيدًا للتفاوض، وجماعة الحوثي تشترط تفاوض مباشر مع السعودية، بدلًا عن الحكومة؛ وهو ما يعني اعتراف السعودية بخسارتها في تلك الحرب. وحتى الآن فكل الأخطاء تصب في صالح الحوثيين؛ لذا فعلى ما يبدو أن الحرب لا تزال مستمرة، حتى يُعلن أحد الأطراف عن تنازله.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد