نخاف من الأشباح، ونتبرَّك بمقامات الأولياء ونحتفل سنويًّا بمولدهم؛ نحن البشر لا يزال بعضنا يؤمن بقدراتٍ للموتى، سواءً أكانت قدرات طيبة تتجسد في الكرامات والمنح، أم في قدرات شريرة لأرواح البشر المقتولين أو المنتحرين، والتي جسَّدت الدراما عشراتٍ من الأعمال عن هذه القدرات الشريرة لأرواح الموتى، خاصةً المعذبة منهم أو القلقة.

إيمان البشر بقدرات الموتى، حتى وإن توارى خلف ستار العلم والتكنولوجيا الذي يحيط بنا الآن، ما زال موجودًا في الوعي الجمعي للبشر على اختلاف أديانهم، فالمسيحيُّ قد يرتدي قلادةً فيها مجسَّم صغير لقديسين ماتوا من سنواتٍ طويلةٍ للتبرك بهم، ويزور المسلمون مقامات الأولياء وآل البيت طلبًا للرضا والرزق.

والسؤال الذي نطرحه الآن ونجيب عنه من بين طيات كتب ودراسات علم الاجتماع والأنثربولوجيا، لماذا يؤمن البشر بقدرات الموتى؟

البحث عن «المقدس»

تتنوع أشكال وأنواع المقدسات داخل كل مجتمع، ما بين مقدس طبيعي متجسِّد، كما في المجتمعات التي تعبد الأشجار أو الحيوانات، ومقدسات العالم السماوي، مثل الملائكة والشياطين، أما عند الفرد، فيكون المقدس متمثلًا في «القديس أو الصوفي»، ويتجسد في التاريخ الاجتماعي في هيئة السلف المقدس، أو أرواح الأجداد والموتى.

ومن اللافت للنظر كيف يتعامل الإنسان مع الشعور بالراحلين وذكراهم، فأحيانًا يكون الشعور سلبيًّا، ينبعُ من الخوف من تلك الأرواح أو «شرورها»، وفي هذه الحالة يُحرق لها البخور وتتلى التعويذات إرضاءً لها وتجنبًا لما قد تجلبه من شر، وأحيانًا يكون إيجابيًّا فيصفها بالروح الطيبة ويدعو لها بالرحمة، وتشير بعض الآراء إلى أن الإنسان قد يلجأ للمقدسات بدوافع عاطفية في الأساس، فهي تساعده على الشعور بالاطمئنان، أو تكون مُنذرًا له في حال رغبته في ارتكاب ذنب، وفي هذا التقرير نحاول قدر المستطاع استكشاف الأسباب وراء نوع من المقدسات عند البشر: الأسلاف المتوفين.

سعيًا وراء التوازن النفسي والعاطفي

«شيء لله يا سيد يا بدوي»، يرددها الآلاف من مريدي الطرق الصوفية الوافدين لزيارة  مسجد «سيدي أحمد البدوي»، بمدينة طنطا بمحافظة الغربية بمصر كل عام في مولده، ويُنسب إلى «البدوي» العديد من الكرامات، أشهرها ما يتداوله العامة أنه كان ينقذ الأسرى المصريين في الحروب الصليبية ويعيدهم من أوروبا، ولذا انتشرت مقولة في التراث الشعبي المصري غناها عدد من المطربين من بينهم المطرب الراحل سيد مكاوي وهي «الله الله يا بدوي جاب اليسرى»، والتي تعني أن البدوي قد جاء بالأسرى.

وسواءً أكانت القصص التي تدور حول شجاعته أثناء حياته صحيحةً أم لا، لا يزال مريدوه يؤمنون بقدرته على إنفاذ «كرامات» أخرى حتى بعد موته، فلماذا يعتقدُ الإنسان أحيانًا بقدرات للإنسان الميت؟

عادةً ما تُقام الشعائر في مقامات الأولياء لاستدعاء «كراماتهم»، ويتمسَّح الزوار بالمقام بأيديهم ثم يمسحون على أجسادهم للتبرك به، فالمقام «مقدسٌ»، يجسِّد حلقةَ وصلٍ تقرِّبهم إلى الله، خاصةً لوجود الوليِّ في العالم الآخر.

ينظر علم الأنثربولوجيا إلى هذه الطقوس والشعائر على أنها فعاليات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدين، ودائمًا تكون مشتقةً من حياة الشعب الذي يمارسها، إما إرضاءً لما هو مُقدس عند الناس، وفي هذه الحالة الولي أو مقامه، أو اتقاءً للنقمة التي يمكن أن تحل عليهم في حالة عدم ارضائه، وفي حالة الأولياء تحديدًا، تكون هذه السلوكيات بهدف طلب غرض معين من الله بالتقرُّب للأولياء والإحسان إليهم.

تلك الحالة التي تنشأ أمام أي مقام أو ضريح، سواءً في «المولد» أم في أيام الزيارة العادية، يفسرها علم سلوك الإنسان بأنها «تجربة لإحياء المقدس»، تُدرك دلالتها ضمن المنظومة المعتقدية الخاصة بالجماعة، ويجد الحاضرون في هذا الطقس نوعًا من التوازن النفسي والعاطفي الذي يفتقدونه في حياتهم اليومية عند تعاملهم مع الأحياء، فمناجاة الموتى بوابةٌ لمناجاة العالم الآخر، وعادةً ما تكون تلك التجربة الروحانية التي تعيشها الجماعة المشاركة فيه أمام المقام، سببها شعورهم بنقص أو خطأ في حياتهم اليومية الخالية من الروحانيات.

الطوطمية .. «مصير مشترك للمجتمع»

في كتابه «الأشكال الأولية للحياة الدينية»، يتتبّع إميل دوركايم، عالم الاجتماع الشهير، أصولَ «الطوطمية» في أستراليا وأسباب نشأتها، والطوطمية هي نوع من العبادات انتشرت قديمًا في المجتمعات الصغيرة البدائية، ليس في أستراليا فقط، بل في أكثر من مكانٍ من ضمنها أفريقيا، وبدأت تلك الديانة بعبادة أرواح الأسلاف، حين كان كل مجتمع يبني طوطمًا – أو تمثالًا صغيرًا – للسلف الأكبر في المجتمع أو القبيلة، ليكون هو الرمز الذي تجتمع القبيلة حوله، ويكون رمزًا للقبيلة نفسها؛ ولهذا المجتمع الصغير، ومع الوقت تطور مفهوم الطوطم وخرج عن روح الأسلاف فقط ليشمل بعض قوى الطبيعة أو الحيوانات.

وحدث هذا بعد تطور معرفة الإنسان البدائي، حين تصور أن روح هذا الجد أو السلف يمكن أن تحلَّ في شجرة أو حيوان، فانتقل إلى عبادة الحيوانات والأشجار، وأصبح لكل قبيلة حيوانها الخاص الذي تتجلى فيه روح الأجداد الموتى، ويعد الطوطم رمزًا للأرواح المساعدة للبشر، ويُعدُّ مقدسًا لمن يعبدونه، وتتخذه كل جماعة هويةً لها، ويحرم تخريبه او إهانته، ويرى علماء الاجتماع وعلم سلوك الإنسان، أن السبب الرئيس وراء نشأة فكرة الطوطم لروح الجد الأكبر للقبيلة، كان لأسباب اجتماعية هدفها تماسك المجتمع ككل والتفافه حول رمز موحد، وهو «المقدس»، والذي يتجسد في هذه الحالة في الطوطم الذي يُجسِّد بدوره روح الجد المتوفى.

إقامة الشعائر والممارسات الروحانية حول هذا الطوطم، تزيد من تماسك هذا المجتمع، وفي كثير من الأحيان تمنحُ الطقوس ممارسيها شعورًا بالتوحد وإثبات وجودهم ككيان واحد بمصير مشترك، وكلما زادت قوة هذا الكيان، كلما استطاع هذا المجتمع أن يثبت وجوده وسط المجتمعات الأخرى، ولذلك تكون استمرارية الشعائر ونقلها من جيل إلى جيل؛ هي ضرورة لاستمرارية وقوة هذا الكيان.

غموض العالم الآخر بين السحر والطموح

رغمَ التقدم العلمي الهائل الذي نعيشه اليوم، ما زال العالم الآخر، ما بعد الموت، مجهولًا وغامضًا، وغموضُ الموتى هذا سمحَ للبشر في أنحاء العالم بتحميلهم بكل الأفكار «السحرية» في خيال الإنسان، وتحميلهم حتى مخاوفهم الخاصة التي قد لا يكون لها علاقة بالعالم الآخر، والتي تتجسد جليةً في قصص الأشباح الشريرة والأرواح الهائمة التي تعود للانتقام أو لإيذاء الأحياء.

هذا الغموض والذي ما زال مؤثرًا حتى الآن، كان له أثرٌ أقوى في المجتمعات البدائية لأن معظم أبناء المجتمع الواحد آمنوا به، ووصفَ علم الاجتماع تلك التماثيل التي تجسد أرواح الموتى باعتبارها  «بطارية لشحن الطاقة»، فقد كان البشر الأوائل يدركون أن هذا الطوطم لا يجسد روح الجد الأول، وإنما هو تمثال يمكنُ لطاقة وروح المتوفى أن تحلَّ فيه، وانقسمت الأغراض الأساسية من تلك المجسمات إلى أغراض جيدة وأخرى شريرة.

فالمتوفون ليسوا جميعًا طيبين، فمن الممكن أن يناجي البشر روح ساحر شريرٍ مثلًا للمساعدة في إتمام سحر أسود شرير، ويمكن استحضار روح وطاقة الجد الطيب الذي تجتمع القبيلة حوله لتحقيق مطالب هذا المجتمع ما بين شفاء المرضى، ومدهم بالرزق والطعام في حالات الجوع والفقر.

وقد استخدم سكان أستراليا الأصليين عظام الموتى، وتماثيل تجسدهم، بغرض شفاء أفراد المجتمعات التي تنحدر من نسل هؤلاء الأسلاف، لإيمانهم أن الموتى بمجرد وصولهم للعالم الآخر تصبح عندهم قدرات خارقة تتناسب مع غموض ذلك العالم.

سحب الشرعية السياسية

ما علاقة إيمان البشر بقدرات الموتى بالشرعية السياسية أو اكتساب سلطة على المجتمع؟ لفهم هذا الأمر نحتاج لتحليل اجتماعي وسلوكي للبشر سنحاول تبسيطه هُنا.

المقدس يعد في طياته «تأليه للمجتمع»، والمجتمع يعود تأسيسه لإرادة البشر المشتركة، فلم تعد السلطة السياسية تستمد سلطانها من السلطة الإلهية، بل من الشرعية الاجتماعية، ويقوم «المقدس» أيًّا كان شكله وفقًا لكل دين وكل مجتمع؛ بتحديد ما هو محرم، والذي يحدد المجتمع من خلاله ما يجب تقديسه، والقوانين التي يحكم بها، والعقوبات التي يفرضها أيضًا.

فمثلًا، تعتقد القبائل البدائية في أفريقيا، والتي كانت تقدِّس أرواح الموتى أنَّ قدرة تحمل أفراد القبيلة للألم والجروح، وخاصة «الأسياد» منهم، هي طاقة روحية سحرية تمنحها لهم أرواح الأسلاف، ولذا لها تأثيرات روحانية سحرية على الآخر المتلقي أو المشاهد، ويترسخ في ذهن باقي أفراد القبيلة بأن لدى من يتحمَّلون الخدش والوَسْمَ قوىً غيبية لاهوتية ممنوحة لهم من الأسلاف.

ومن ثمَّ يكون من حق هؤلاء أن تكون لهم السيادة والنفوذ في القبيلة، وبهذا يكون السيد في هذه القبيلة أو راعيها له قوةٌ ممنوحة من الأسلاف، وهو الوحيد الذي من حقه أن يصدر أحكامًا أو يلغيها، وحتى الآن تعيش بعض القبائل الأفريقية بهذا المبدأ، وقد حرصت الأجيال على تمرير تلك العادات حرصًا شديدًا، ومنها تأتي الشرعية السياسية لمن يقود القبيلة، وتظلُّ هذه الشرعية قائمةً له حتى لو لم تعترف بها الدولة أو الجهات الخارجية، فسيِّد القبيلة يستمد نفوذه وسلطانه من بركة ومنح الأسلاف.

في منازل الغرب أثناء زيارة أحدهم، قد تجلس أسفل تلك الجرة فضية اللون التي تحمل رفات أحد والديه بعد حرق جثمانه، ولولا أن حرق الموتى ليس من العادات الإسلامية فربما قد تكون تلك الجرة في منازل المسلمين أيضًا، وزيارة «سيدنا» الحسين كما يقول المصريون أصبحت متأصلة في الوعي الجمعي حتى لو كانت الزيارة في الأساس بغرض التنزه في أحد المقاهي، فتبجيل الموتى والإيمان بقدراتهم متأصل في الإنسان تأصلًا فطريًّا مرره كل البشر في أنحاء العالم لنا الآن؛ للأسباب التي ذكرناها في تقريرنا اليوم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد