تمت ترجمة المقال عن محاضرة ألقاها إياد البغدادي الناشط السياسي خلال مشاركته في أعمال منتدى أوسلو للحرية.

 

شهدت بدايات عام 2011 اندلاع الحركات الاحتجاجية في العالم العربي بقيادة الشباب الذي ما لبث أن نطق بالحرية حتي تكالبت عليه آلاف القوى التي تآمرت لإسكات تلك الأصوات الثائرة. الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية، تلك كانت الشعارات التي نادى بها “الربيع العربي” كما يطلق عليه الآن. وبالرغم من أن رياح التغيير التي أطلقها الربيع العربي كانت قد هبت على معظم البلدان العربية، إلا أنها أخفقت في إحداث أيَّة تغييرات ملموسة على الأرض باستثناء القليل منها. فالشباب العربي قوبل بموجات متلاحقة من الهجمات المضادة المنظمة التي شنها محور الثورات المضادة.

أيها الأصدقاء، تلك هي قصة الجيل الذي ما لبث أن وجد صوته حتى فقده بفعل الثورات المضادة. ويبقى السؤال: كيف يمكننا أن نعيد الكرة من جديد، ولماذا يتحتم علينا فعل ذلك. بل إن السؤال الأهم: هل ما تزال الفرصة سانحة لإعادة الأمور إلي نصابها؟ نعم يمكننا فعل ذلك. فبالرغم مما أصاب الربيع العربي من إخفاقات وانتكاسات، إلا أن الأمل ما يزال باقيًا، ولن نتخلى عن الكفاح أبدًا.

وبالنسبة لي فقد قضيت فترة من حياتي في دولة الإمارات العربية المتحدة. تلك الدولة التي كانت بعيدة كل البعد عن معاقل الثورات العربية، والتي لا تتسامح مطلقًا مع أي من أشكال الاحتجاجات في الشارع. ونتيجة لذلك، فقد عشت تجربتي مع الربيع العربي عبر شبكة الإنترنت. وفي الوقت الذي بدأ فيه نجم ثورات الربيع العربي في الظهور في أوائل عام 2011، شرعت في نشر تقارير عن الأحداث التي بدأت تتكشف في الربيع العربي، وساهمت في تقديم قصتنا إلى العالم.

لقد كانت مساهمتي الرئيسة في الربيع العربي عبر عالم الأفكار. وحتى قبل سقوط مبارك، فإن ثمة تساؤل كان يراودني حول ما إذا كانت لدينا خطة لما هو قادم بعد الربيع العربي. بل إن السؤال الذي كان يلح عليّ دائمًا ما هي الخطوة التالية؟ لم تكن تساورني أية شكوك في أن هناك نظامًا جديدًا على وشك الظهور، غير أني كنت على يقين من أن ذلك النظام لن ينشأ عفويًّا. لقد بدا لي أن الأمر لم يكن يتطلب الكثير من العمل فقط، بل إننا كنا بحاجة ماسة إلى ذلك الجيل الجديد من المثقفين من الشباب المستقل الذي يتمتع بمهارة في صياغة الأفكار، وفي التواصل مع بعضهم البعض، وكذا التواصل مع العالم الخارجي.

وبالرغم من حاجتنا الملحة في ذلك الوقت للالتفات إلى تلك التساؤلات، إلا أن تصاعد الأحداث في عام 2011 جعل من الصعب على الجميع الحديث عن تلك القضايا. علاوة على ذلك، فإن الاستقطاب المتزايد الذي عانينا منه آنذاك ساهم في تمزيق الصفوف، خاصة ما يتعلق بذلك الاستقطاب من إشكاليات تتعلق بالدور المنوط بالإسلام. وهو ما دفعني إلى الدعوة إلى ما يسمى “التحرر الإسلامي” الذي يدعم توطين الحرية والتحرر والتعبير عن الرأي.

وبحلول عام 2012، كان الربيع العربي قد سقط في الفخ. وفي حال غدت المطرقة هي أداتك الوحيدة، يبدو كل شيء أمامك وكأنه مسمار. ولم يكن لدينا من أداة وقتها سوى الاحتجاجات التي دفعتنا إلى الشوارع التي علقنا فيها لفترة طويلة بما يكفي لتمكين الديكتاتوريين من تدشين عودتهم من جديد عبر سلسة متلاحقة من الخطط والمؤامرات التي جرى التخطيط لها. وبات من المألوف أن يتم الإشارة في الكثير من وسائل الإعلام العربية الرسمية وغير الرسمية إلى الربيع العربي باعتباره مؤامرة خارجية.

بيد أن المؤامرة الحقيقة لم تكن خارجية وإنما داخلية بهدف وأد الديمقراطية، ولو بأي ثمن. لقد واجهنا هجومًا منظمًا من قبل محور الثورة المضادة الذي كان يبدي قلقًا من صعود الديمقراطية العربية بدرجة أكبر من صعود الجماعات والتنظيمات الإرهابية، خاصة وأن صعود الديمقراطية العربية المزدهرة من شأنه أن يدغدغ مخيلة الشباب.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الجماعات الإرهابية كتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، أو ما يعرف اختصارًا باسم تنظيم داعش، لا تشكل تهديدًا وجوديًّا للمستبدين العرب. بل على النقيض من ذلك، فإن تلك التنظيمات تمنح الفرصة للمستبدين لتقديم أنفسهم على أنهم مقاتلون يواجهون الإرهاب بقوة لتحقيق الاستقرار.

وفي الوقت الذي اندلعت فيه الاحتجاجات وخرجت فيه الجماهير إلى الشوارع مطالبة بالديمقراطية، نجد أن الأنظمة العربية وبدلاً من منح شعوبهم الديمقراطية قد أحكمت قبضتها وبشدة على الأوضاع بطريقة أكثر قمعًا مما قبل الربيع العربي، وهو ما ينذر بانفجار قنابل موقوتة بدلاً من الاستقرار المنشود من قبل تلك الأنظمة.

وبالرغم من كوني أحد النشطاء العرب اللاجئين في بلاد أجنبية تبعد ثلاثة آلاف من الأميال عن موطنه الأصلي، والذي رغب يومًا ما مع غيره من الشباب العربي في سقوط أنظمة يخال للبعض أنها أسقطتنا نحن، إلا أن هناك ثلاثة أسباب رئيسة جعلتني ما زلت أؤمن بالربيع العربي رغم ما يعتري المشهد من إخفاقات.

أولى هذه الأسباب هو أن الربيع العربي الذي اندلع في عام 2011 قد حدث بالفعل. فثورات الربيع العربي لم تعد حلمًا، ولم تكن ضربًا من الأوهام. فالملايين من الشباب العربي قد نزلوا بالفعل إلى الشوارع مطالبين بالحرية، والكرامة، والعدالة. كان الربيع العربي كنبتة خضراء جميلة ظهرت وترعرعت وألهمت العالم. لم تكن الثورة أبدًا سرابًا بل واقعًا حدث بالفعل.

أما نحن فلم نكن أقلية. لقد ظهرنا وكأننا أقلية لأننا لم نكن منظمين، ولم نكن على قائمة الخيارات المتاحة. غير أن ذلك لا يعني أننا أقلية. فأنت حينما تختار ما بين الأبيض والأسود، فإن ذلك لا يعني بالقطع أن الخيارات الأخرى كالأخضر والأحمر والأزرق باتت أقلية. وبالمثل، فحينما يتم الاختيار ما بين الاستبداد الديني أو الفاشية القومية، فإن هذا لا يعني أن الخيار الثالث لم يعد موجودًا. إن مسئوليتنا التاريخية في الوقت الراهن هي أن نضع أنفسنا على قائمة الخيارات المتاحة.

ثاني هذه الأسباب فهو ثقتي التامة في أن الصداقات الذي نشأت بين الشباب العربي منذ عام 2011 على شبكة الإنترنت لم تكن افتراضية أبدًا. فالمشهد برمته كان حقيقيًّا، فالصداقات كانت حقيقية، والأفكار كانت حقيقية. وبالرغم من أن الغالبية العظمى من النشطاء العرب لم يلتقوا وجهًا لوجه، إلا أن ذلك لم يحل دون عقد الاجتماعات المتواصلة على شبكة الإنترنت والحديث عن القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وإني استلهم هنا ما قاله مارتن لوثر كنج ذات مرة: “يجب على أولئك الذين يريدون السلام أن ينظموا أنفسهم على نحو فعال مثل أولئك الذين يريدون الحرب”. وأنا بدوري أقول ما يلي: “يجب على أولئك الذين يريدون الحرية أن ينظموا أنفسهم على نحو فعال مثل أولئك الذين يريدون الطغيان”. ناهيك عن أن تلك الصداقات التي تنمو عبر الإنترنت من شأنها أن تشكل نواة للحركة الفكرية والحملات والمشاريع ذات الصلة.

أما ثالث هذه الأسباب وربما يكون أهمها فهو أن الأنظمة العربية القديمة بما لديها من جيوب وأذرع عميقة، فإن السياسات التي تنتهجها والتي تتكئ على الطائفية والديماجوجية والتعصب والمغالاة، لم تقدم أي رؤية قد تفضي إلى آمال مستقبلية. لقد باتت تلك الأنظمة تعيش في الوقت الضائع، ولم تعد قادرة على تحقيق الاستقرار والنمو. بل إن الأهم من ذلك هو أن فرائصهم لم تعد ترتعد من حاملي البنادق، وإنما من حاملي الأفكار.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد