يا أهل المدينة، أمير المؤمنين يطلب محمدًا في شرق الأرض وغربها وهو بين أظهركم؟، أقسم بالله لئن خرج لأقتلنكم أجمعين* والي المدينة مهددًا أهلها، نقلًا عن الكامل في التاريخ لابن الأثير أحداث عام 145هـ

الزمان هو المدينة المنورة عام 145هـ. استبدّ بأهل المدينة المنورة شعور جارف امتزج فيه الغضب بالخوف، وتنازعت عليه العزيمة والتردد، عندما ذاعت الأنباء بخروج محمد بن عبد الله بن حسن، الملقب بـ«النفس الزكية»، أحد أبرز رموز آل بيت الرسول، والذي طلب البيعة لنفسه خليفةً للمسلمين.

لأكثر من 80 عامًا، ظلت المدينة المنورة خارج دائرة الأحداث السياسية الكبرى، وذلك منذ وقعة الحرة عام 63هـ، والتي اقتحم فيها جيش يزيد بن معاوية المدينة المنورة فقتل المئات من أهلها، ونكّل بالباقين لثورتهم ضد يزيد، قضت الواقعة على روح التمرد لعدة أجيال في مدينة الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وجعلت العاصمة السياسية السابقة للدولة الإسلامية تأخذ دور المتفرج في الصراعات التالية بين دولة الأمويين وخصومها الثائرين، باستثناء المقاومة السلبية للاستبداد من بعض رموز المدينة من كبار التابعين كسعيد بن المسيب، والذين كانوا يرفضون عطايا الخلفاء، ويعترضون على مظالمهم بغير رفع السلاح.

الآن عادت الأمور للاشتعال بالمدينة المنورة بعد عقود من الاستقرار الصادق والكاذب. فقد أظهر محمد «النفس الزكية» والمئات من أتباعه العصيان، وتزامن مع ذلك خروج أخيه إبراهيم مع أتباعه بالبصرة جنوب العراق، على مقربة من معقل حكم أبي جعفر المنصور.

«وظلم ذوي القربى أشد مضاضة»

ساح محمد وإبراهيم لسنواتٍ في جهات الأرض متخفِّييْن، منذ أن استقرت الأمور لأبي جعفر المنصور، والذي جدَّ في طلبـِهما، وذلك لنفوذهما في آل البيت، وقوة شخصيتهما، واعتبارهما بيعته بالخلافة غصبًا، وبالتالي خاف أبو جعفر من ثورتهما، كانت جذور هذا الخلاف بين الطالبيين وأبناء عمومتهم العباسيين تعود إلى سنوات الثورة ضد الأمويين، العدو المشترك للطرفين. فالدعوة العباسية كانت بالأساس دعوة لاختيار إمامٍ مرتضى من آل البيت، يحكم بالعدل والشورى بدلًا من الملك الجبري الاستبدادي الذي أقامه الأمويون، ونكلوا في طريقهم بخصومهم، وفي مقدمتهم آل البيت. حتى تذكر بعض الروايات أنه في أواخر دولة الأمويين، بايع البعض محمد «النفس الزكية» بالخلافة ومنهم أبو جعفر المنصور نفسه.

لكن مع مرور سنوات الثورة وما تلاها، استبدَّ العباسيون بالأمر، وأقاموا حكومة مماثلة للنظام الأموي الجبري، ونحَّوْا الطالبيين جانبًا، وانتزعوا منهم طاعتَهم رغبًا ورهبًا، فآلتِ الأمور إلى اندلاع ثوراتٍ للطالبيين قمعها العباسيون بلا هوادة، ومنها ثورة محمد «النفس الزكية».

 

اعتقلت السلطات العباسية -بأمر أبي جعفر المنصور- عددًا كبيرًا من أهل محمد النفس الزكية، وفي المقدمة والده، والذي رفض أن يدل أبا جعفر على مكان محمد وأخيه، وقال له في تحدٍّ: «والله لو كانا تحتَ قدميَّ، ما دلَلْتُكَ عليهما». تعرض آل محمد للكثير من الأهوال في سجن أبي جعفر، حتى أنه جاء أمه خفية، وطلب منها الذهاب لزيارة المسجونين، وإبلاغهم أنه يفكر في عمل تسوية سياسية مع المنصور ليخرجهم من غياهب السجن. لكنهم رفضوا جميعًا حفاظًا على الكرامة، وشجعوه على الصبر.

وزيادة في التنكيل، وخوفًا من نُذر الثورة، أمر أبي جعفر عام 144هـ بنقل المعتقلين جميعًا من سجن المدينة، إلى سجنٍ بعيد بالعراق، فكانت تلك الشرارة الأخيرة التي دفعت الأخويْن لإعلان الثورة، انتهت ثورة الأخوين كمعظم الثورات التي تتسلح بالبسالة أكثر من الحيلة والعدة المادية والعسكرية. كانت قلوب كثيرٍ من الناس معهما، لكن ما بين ذهب السلطان وسيفه، لم يجتمع معهما سوى القليل.

حاصرت جموعَهما القليلة جحافل أبي جعفر، وانتهى الحال بهما في عداد القتلى، مع معظم الفئة القليلة التي خرجت معهما. وكذلك مات أبوهما في السجن مع بعض أقاربهما المعتقلين. لكن .. ما علاقة هذه القصة بالإمام مالك بن أنس، صاحب المذهب المشهور؟. الإجابة ببساطة أن الإمام مالك جُلِد وضُرِبَ ضربًا مبرحًا لموقفه من ثورة محمد «النفس الزكية».

اقرأ أيضًا: 

أبو مسلم الخراساني.. الخادم الفارسي الذي أقام دولةً فقتلته!

«إمام دار الهجرة»

إن كان الخليفة كعمر بن عبد العزيز، فقاتل معه. وإن كان كمثل هؤلاء الظلمة، فلا تقاتل معه * الإمام مالك عندما سُئلَ عن القتال مع الخلفاء ضد من خرج عليهم.

«لا يُفتى ومالك في المدينة» يعرف أكثرنا تلك الجملة الشهيرة التي تناقلتها الأجيال، تعبيرًا عن مكانة إمام أهل المدينة مالك بن أنس الفقهية. ولد مالك عام 93هـ. لم تصرِفه نشأته في قدر من رغد العيش عن طلب العلم الشرعي مبكرًا، وقد كان هذا الشغل الشاغل لأغلب أهل المدينة، ومنهم أهل مالك، خاصة أمه التي ينسب لها التاريخ قولها له: «اذهب إلى ربيعة الرأي، فخذ منه أدبَه قبل علمه».

تتلمذ مالك على يد الكثير من علماء عصره من التابعين، وتابعي التابعين، مثل نافع مولى ابن عمر، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وربيعة الرأي، وابن هرمز… إلخ. بدأ صيت مالك يذيع شيئًا فشيئًا في مجالس العلم بالمدينة، وأخذت علامات نبوغه تتضح مع مرور الأعوام. ولما جلس للتدريس، كان يؤمه التلاميذ من كافة البلاد الإسلامية. شهد لمالك الكثير من معاصريه ولاحقيه، وأبرزها شهادة الإمام الشافعي له بأنه «النجم إذا ذكر العلماء»، ولذا لم يكن مستغربًا أن يرتضي الملايين على مدار السنين أن يتعبدوا إلى الله بمذهبه الفقهي.

مالك وثمن «شهادة الحق»

ضُرِبْتُ فيما ضُرب فيه سعيد بن المسيب، ومحمد بن المنكدر، وربيعة، ولا خيرَ فيمن لا يؤذى في هذا الأمر.* الإمام مالك معلقًا على واقعة جلده في زمن أبي جعفر المنصور

كانت علاقة الإمام مالك، والكثير من علماء عصره، بالسلطة العباسية قائمة على مبدأ التعامل للضرورة، وتجنب الصدام الذي تسيل فيه الدماء دون جدوى، من باب أن ضرر الاستبداد المستقر، أقل من ضرر الفتنة والفوضى غير المستقرة. خصوصًا وأن تاريخ الثورات ضد الاستبداد منذ العصر الأموي كان تاريخًا دمويًا، قُدمت فيه الكثير من التضحيات دون نتيجة، وتكرس الحكم القائم أكثر فأكثر، سيما أن أغلب هذه التحركات كانت عفوية، ومثالية، تفتقد للمكر السياسي والحربي، والتخطيط المحكم، الذي كانت تمتاز به تحركات الأنظمة.

رغم هذا الموقف الذي يبدو «حياديًا» من الإمام مالك، إلا أن التاريخ لم ينقل عنه أنه كان صوتًا للسلطان ضد أية تحركات ثورية، حتى لو لم يكن هو شخصيًا مشاركًا فيها، أو مقتنعًا بجدواها، بل العكس كان الصحيح. فقد نُسِب إليه في أقل التقديرات أن موقفه كان تأييدًا غيرَ مباشر لثورة محمد النفس الزكية. لكن السلطان لم يحتمل حتى مجرد الصمت من عالم كبير مثله، له وزنه، وتأثيره الضخم، في منطقته، وفي كافة أرجاء الدولة.

اختلف المؤرخون في السياق التفصيلي لواقعة جلد الإمام مالك، لكن ينقلون جميعًا أنها كانت واقعة مؤسفة، تسبب ضراوة ما تعرض له الإمام من الضرب فيها، في إصابته بما يشبه العاهة في إحدى ذراعيه، فكان يضطر لحملها بالذراع الأخرى، حتى ظن البعض أن إسبال المالكية للذراعين في القيام أثناء الصلاة أصله تقليد الإمام مالك، لأنه لم يكن يقوى على ضم ذراعيْهِ أمام صدره بعد تلك الواقعة.

في الرواية المشهورة الأولى لواقعة ضرب الإمام، والتي لا تتعلق بثورة محمد «النفس الزكية» بشكل مباشر، يُذكر أنه كان للإمام فتوى مشهورة في عدم وقوع طلاق المُستَكرَه -وهو من تم إجباره على إيقاع الطلاق على غير إرادةٍ منه-، تبدو الفتوى عادية، ومنطقية للغاية، فالإكراه من الأعذار الشرعية، حتى في العقيدة. لكن في منطق العباسيين كانت الفتوى خطيرة للغاية. فغالبية المسلمين ممن بايعوا الخليفة القائم، إنما بايعوه مكرَهين، لأنه تغلب على السلطات بالقوة. وبالتالي ما أسهل أن يُقاس أمر بيعتهم على فتوى الطلاق للإمام مالك.

ولذا عندما نقلت حاشية المنصور هذه الفتوى، وما يُثارُ حولها إليه، فإنه استشاط غضبًا، وطلب من رجاله بالمدينة التأكد من هذه الفتوى، ومراجعة مالك فيها. فلما أحس الإمام أن هناك محاولة لإثنائه عن قوله، جهر بفتواه. فأمر المنصور بضربه بالسياط.

في رواية أخرى، ترتبط واقعة الجلد أكثر بثورة محمد النفس الزكية، فإن الثورة عندما اندلعت في المدينة، اعتزل الإمام مالك في منزله، لموقفه المذكور سابقًا في عدم جدوى رفع السلاح. لكن جاءت لحظة المفاصلة عندما استفتاه بعض أهل المدينة الراغبين في الخروج لتأييد محمد «النفس الزكية» في البيعة التي في أعناقهم لأبي جعفر المنصور. لم يتردد الإمام مالك أن يجهر بكلمته، فقال لهم: «إنما بايعتُم مُكرَهين، وليس على مُكرَهٍ يمين».

انتشرت الفتوى في المدينة المنورة كالنار في الهشيم، وأزالت تردد الكثيرين في الانضمام إلى ثورة النفس الزكية. فلما قمعت جيوش ابن عم الخليفة عيسى بن موسى الثورة، تتبع المنتصرون فلول الثائرين، وكل من أظهر تأييدًا للثورة، فنال الإمام مالك ما نال بسبب تلك الفتوى.

بعد سنوات، سيحاول المنصور التصالح مع الإمام مالك بأن يستشيره في أنه يود تعميم كتابه «الموَطّأ » ليكون المرجع الأساسي لكافة المسلمين بعد القرآن الكريم، لكن رفض الإمام مالك هذا، حتى لا يحرم الأمة من حقها في التنوع والاختلاف، وما في ذلك من التيسير والمصالح. وظل الإمام إلى آخر حياته لا يدخل على السلاطين، وظلّ يفتخر بالسياط التي ألهبت ظهره في سبيل «كلمة الحق».

اقرأ أيضًا: 

«غاليبولي».. «الملحمة» التي أثار إحياء ذكراها أزمة دبلوماسية بين تركيا والنمسا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد