تُشير التقديرات إلى أنَّ أكثر من 40% من البشر يشعرون بآلام الوحدة في مرحلة ما من حياتهِم. فالوحدة ليست بالضرورة كونك منفردًا، إنما هي شعورك العميق بأنَّك وحيد وفي عزلةٍ عن العالمِ، وإن كان حولك المئات من الأشخاص.

الوحدة لا تعتمد بالأساس على عدد أصدقائك أو علاقاتك؛ فالبشر تتنَّوع شخصياتهم، وصفاتهم، وطِباعُهم أيضًا: بعضهم يُفضل البقاء وحيدًا، ولا يَجد راحته إلا في العُزلة والبُعد عن الناس، ويُطلق عليهم «الانطوائيون»، أمَّا البعض الآخر فلا يستطيع البقاء منفردًا ولو لوقتٍ قصير، ولا يجد راحته إلا في مخالطة الناس والتعامل معهم، وبناء العلاقات الجديدة، وتكوين الصداقات الجيدة؛ يُعرف هؤلاء بـ«الانبساطيين».

اقرأ أيضًا: 7 خرافات عن الانطوائيين يجب أن تتخلص منها

تتمتع الشخصية الانطوائية بالثقة في أصدقائها المُقربين، وتتميز بالقدرة على التركيز والتفكير العميق قبل اتخاذ القرارات، ولا تُفضل القيام بأكثر من شيء في آنٍ واحد؛ إذ أنها تستمتع بالوقت الذي تقضيه منفردة، ولا تجد المتعة نفسها في التفاعل مع الآخرين؛ لذلك فهي تُفضل الأنشطة الفردية، مثل: القراءة، أو الكتابة، أو استخدام الحاسوب.

أمَّا الشخصية الانبساطية فعادة ما تتسم بالحماس، والقدرة على تكوين الصداقات؛ إذ تستمتع بالأنشطة المجتمعية، ولا تُفضل البقاء وحدها. فتزداد طاقتها في التفاعل مع الآخرين على عكس الشخصية الانطوائية.

تقول العديد من الأبحاث أنَّ الأشخاص الذين يستمتعون بالبقاء مُنعزلين، قد يكونون أكثر نجاحًا من غيرهم، للعديد من الأسباب. نذكرها لكم في عدة نقاط:

1. يُفكرون في الأشياء بِعناية

 

خلال عام 2013، أجرى مجموعة من العُلماء في جامعة كورنيل الأمريكية دراسة على مجموعتين من البشر: الأولى تَضُم أشخاصًا انطوائيين، والأخرى تَضم أشخاصًا انبساطيين لا يُفضلون الوحِدة.  وعند منح كلتا المجموعتين مُكافآت مقابل أعمالهم، كانت نسبة مادة الدوبامين لدى الانطوائيين أقل من نظرائهم الانبساطيين.

فالدوبامين عبارة عن مادة كيميائية من ضمن النواقل العصبية، تؤثر على العديد من الأحاسيس والسلوكيات، كما تلعب دورًا أساسيًا في الإحساس بالمتعة والشعور بالسعادة. لذلك فإن نقص نسبة الدوبامين لدى أفراد المجموعة الأولى، يدل على عدم سعادتهم بالمكافآت المُقدمة إليهم، على عكس نظرائهم بالمجموعة الثانية. وذلك يرجع إلى أن الانطوائيين يُفضلون التفكير في الأشياء بدقة وعناية.  ففي أعمالهم يكونون أكثر تركيزًا على العواقب لا المكافأة، مما يجعلهم أكثر دقة وتركيزًا، فينعكس ذلك على نتاج أعمالهم، وقد يجعلهم أكثر إنجازًا.

2. يتخذون قرارات أقل اندفاعًا

 

إن الأشخاص الذين يفضلون قضاء الوقت بمفردهم يميلون إلى التفكير بعناية في خياراتهم، وذلك عندما يتعلَّق الأمر باتخاذ قرارات هامة؛ مما يؤدي إلى زيادة احتمالية القرارات السليمة، وانخفاض معدل القرارات المُندفعة.

توضح الطبيبة في جامعة ولاية أوهايو مريم جاهدي، وفقًا لأبحاثها، أن من يُفضلون الوحدة يوجهون سلوكهم وفقًا للعواقب أكثر من المكافآت، وهو ما يؤكد الدراسة التي أجريت في جامعة كورنيل خلال عام 2013. فكون هؤلاء الأشخاص أقل تسرعًا، يجعلهم أكثر تميزًا، إذ يستطيعون التعامل مع أغلب أنواع التحديات، والتفكير بهدوء؛ فيتخذون قرارات أقل اندفاعًا، ما يؤهلهم لفرصة أكبر في اتخاذ قرارات صائبة.

3. يَفعلون الأشياء بطريقتهم

 

إن الأشخاص الذين يُفضلون العُزلة عادةً يفعلون الأشياء كما يُريدون، فهم لا يتقيدون بآراء غيرهم؛ فيتخذون قراراتهم بأنفسهم، دون أيَّة اعتبارات أخرى؛ مما يجعلهم أكثر تركيزًا على القرارات الأفضل لهم، ولا يتخلل إليهم القلق بشأن ما يرى الآخرون.

ووفقًا لـجوناثان تشيك، الطبيب النفسي بكلية وليسلي الأمريكية: أهم الأسباب التي تجعل الانطوائيين لا يهتمون بالحصول على موافقة الآخرين هي تفضيلهم الاستقلالية وعدم التقيُّد بالآخرين؛ مما يجعلهم أكثر حرية في اختياراتهم، فيؤدون الأشياء بطريقتهم، دون التعرض للضغط أو الانتقاد، وبالتالي يكونون أكثر تركيزًا على إتقان العمل وفقًا للمعايير الخاصة بهم، مما يجعلهم أكثر تقدمًا ونجاحًا.

4. لديهم ذاكرة أفضل

 

تُشير إحدى الدراسات الجارية في جامعة هارفارد، إلى أن الأشخاص الانطوائيين، والذين يُفضلون قضاء أكثر الأوقات بمفردهم، يملكون ذاكرة طويلة أكثر دقة عن غيرهم؛ مما يجعلهم أكثر قدرة على التركيز والإنتاج، وبالتالي يجعلهم أكثر استعدادًا لتحقيق النجاح. وتُشير دراسة أخرى إلى أن قدرًا معينًا من العزلة يُكسب الأشخاص وجهة النظر الصحيحة، ويجعلهم أكثر قدرة على المشاركة الوجدانية، والتعاطف مع الآخرين، ويعمل على تحسين الحالة المزاجية.

5. يستفيدون من قدراتهم الإبداعية

 

«من ناحية أخرى، وبالرغم من مواعيد عملي الاعتيادية، إلا أنني أذهب للسير لمسافات طويلة على الشاطئ، بحيث أتمكن من الاستماع إلى ما يدور بداخل رأسي. وإذا كان عملي لا يسير على ما يرام، أقوم بالاستلقاء، والتحديق في السقف، وأنا أسمع وأتصور ما يدور بمخيلتي». – (ألبرت أينشتاين)

في العزلة يزدهر الإبداع؛ فمع الهدوء يُمكنك التركيز، وسماع أفكارك، والوصول إلى أعماق نفسك. وتتيح العزلة للفرد الاستماع إلى صوت عقله والتركيز على ما يريد. يعيق التشتت دائمًا قدرتنا على التركيز والتفكير؛ لذا فالعزلة تتيح البيئة الخصبة للتفكير والاستفادة من قدراتنا.

6. يمتلكون الحكمة في إدارة الأموال

 

يُعتبر من أهم الأسباب التي تجعل الانطوائيين أكثر نجاحًا عن غيرهم، هو قدرتهم على إدارة الموارد المالية بحكمة. وذلك بسبب قدرتهم على التركيز، واتخاذ القرارات السليمة، بالإضافة إلى إدراكهم للعواقب أكثر من المكافآت، مما يجعل الحكمة في إدارة المال أمرًا هينًا. لذلك فمن يفضلون قضاء أوقاتهم بمفردهم هم الأشخاص الأفضل لاتخاذ القرارات المالية دون اندفاع.

7. لديهم علاقات أفضل

 

إن قضاء بعض الوقت بمفردك يوفر لك تأملًا عميقًا بداخل ذاتك، وفهمًا أفضل لنفسك، مما يُمكنك من تحديد العلاقات الضرورية التي تحتاجها، وتجعلك في حالٍ أفضل. فالأشخاص الانطوائيون قد يكونون أكثر نجاحًا في علاقاتهم عن غيرهم، وذلك لأنهم لا ينخرطون في علاقات كثيرة، ويختارون أصدقاءهم بعناية شديدة؛ مما يجعلهم يمتلكون علاقات أكثر تقديرًا وصدقًا، تدفعهم في النهاية إلى النجاح.

8. يُقدرون الأشياء البسيطة في الحياة

 

العُزلة وحدها هي القادرة على جعلك ترى الأشياء من منظور واضح؛ فالتأمل والتركيز العميق يجعلك ترى القيمة الحقيقة للحياة. كما يجعلك ترى الأشياء أكثر وضوحًا. فالأشخاص الذين يُفضلون الوحدة يغدون أكثر نجاحًا نظرًا لقدرتهم على تقدير أهمية الأشياء من حولهم، فيُقدرون أهمية حياتهم، مما يدفعهم إلى تحقيق أهدافهم، كما يُقدرون الوقت، وأهميته؛ مما يدفعهم إلى استغلاله لصالحهم في تحقيق النجاح.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد