منذ أن بدأت إيران ثورتها الإسلامية عام 1979، وهي في حرب مستمرة مع العديد من الدول العربية التي وجدت وما زالت تجد في ثورتها وتجربتها خطرًا عليها؛ فصمدت إيران في حرب الخليج الأولى بعد ثماني سنوات من الحرب مع العراق المدعومة عربيًا، ثم اتجهت نحو الملف النووي الشائك فخاضت صراعات مع الدول الكبرى، التي فرضت عليها عقوبات اقتصادية، انتصرت طهران فيها في نظر البعض عن طريق تنازل الخصم الأمريكي وتوقيعه الاتفاق النووي في 2015، لكن الغريب دائمًا أن الدولة التي لم تسقط برغم كثرة أعدائها؛ على النقيض تمامًا كانت تفقد أصدقاءها بسرعة لافتة، وكان آخرهم الكويت بالأمس.

فبعد علاقات اتسمت بالهدوء المرن، وسط توجه عربي بقيادة السعودية لقطع العلاقات تمامًا مع طهران، كانت الكويت محافظة على علاقاتها بطهران، في نفس الوقت الذي تقود فيه دور الوسيط الذي يجمع الخصوم بعد الأزمة الخليجية الأخيرة؛ قبل أن تتدهور العلاقات تمامًا بعد أزمة قد تدفع من تبقى بالحفاظ على دور الحياد إلى اللحاق بالسعودية في قطع العلاقات نهائيًا مع إيران.

1- التجسس.. «الأخ الأكبر يراقبك»

إيران وضعت عمان في حرج عندما استخدمت أراضيه سرًا لعملية استخباراتية في اليمن

في خطوة بدت مفاجئة؛ أعلنت الكويت أمس، استدعاء سفيرها من طهران، وإغلاق المكاتب الفنية التابعة للسفارة الإيرانية، وخفضت عدد الدبلوماسيين العاملين فيها، كما أمهلت السفير الإيراني مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد، على خلفية هروب المتهمين في القضية المعروفة إعلاميًا باسم «خلية العبدلي» المرتبطة بإيران.

تعود أحداث القضية إلى أواخر عام 2015، حيث ألقت الشرطة القبض على 25 كويتيًا وإيراني واحد، في القضية التي عُرفت باسم «خلية حزب الله»، واتهمتهم النيابة بالتخابر لصالح إيران وحزب الله اللبناني، وقيامهم بتخزين وحيازة السلاح في مزرعة بمنطقة العبدلي -شمال الكويت- بكميات كبيرة؛ إضافةً لأجهزة تنصت بدون ترخيص، وشملت المضبوطات 19 طنًا من الذخيرة، و144 كيلو جرامًا من مادة «تي إن تي»، وكانت المحكمة قد أصدرت أحكامًا متفاوتة بين الإعدام والمؤبد والسجن 15 عامًا، لكن القضية لم تكن قد وصلت بعد لحكمها النهائي.

وكان من المفترض أن تصدر محكمة التمييز حكمها النهائي هذا الأسبوع؛ لكن المتهمين استغلوا ثغرة الإجراء القضائي، والتي تقضي بالإفراج المؤقت عنهم، ليتمكنوا من الهرب، المثير أن بعض وسائل الإعلام الكويتية تحدثت عن هروبهم إلى إيران؛ وبالرغم من أن الشرطة تنفي هذه القصة، إلا أن القضية أحدثت أزمة بين الحكومة والبرلمان الذي طالبها بالاستقالة فورًا، لذلك تحركت السلطة لأخذ إجراءات عاجلة لامتصاص الغضب الشعبي؛ فقامت بسحب سفيرها من إيران، في إشارة فسرها البعض بأن السلطة التي تنفي رواية وسائل الإعلام، تعلم الدور الإيراني في تهريب المتهمين، لكنها لا تجرؤ على الاعتراف.

ولأن التجسس والعمل الاستخبارتي بات جزءًا كبيرًا من المعارك السياسية؛فهو يسبب ضررًا في العلاقات بين الدول إذا اكتشف أمره من جهة، أو ترتب عليه أضرار للدول الصديقة من جهة أخرى؛ وتعد إيران ربما هى المثال الأشهر للدول التي أضرت بحلفائها؛ فعمان الحليف الأكبر لطهران في مجلس التعاون الخليجي، دخلت في قضية كانت من الممكن أن تؤدي إلى حدوث أزمة كبيرة بينها وبين الدول المشاركة في عاصفة الحزم؛ فبحسب التصريحات التي نقلتها «رويترز» عن مسؤولين، فإن طهران استخدمت حدود عمان الغربية في تهريب السلاح للمقاتلين الحوثيين في اليمن، وتسبب الخبر في حرج شديد للحكومة التي واجهت أزمة دبلوماسية لم تهدأ إلا بعد انضمام مسقط لقوات التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب، وبالرغم من أن العلاقات ما زالت مستمرة بين مسقط وطهران وجيدة، إلا أن هذا الأمر بقى علامة في العلاقات الإيرانية العمانية.

وبينما كانت الدول تعتذر لحلفائها عن قيامها بالتجسس مثلما اعتذر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لنظيره الفرنسي عن ممارسات الماضي -يقصد التجسس- مؤكدًا على إنهائها، في خطوة جديدة لاستئناف العلاقات، أو حتى تتفاهم الدول وديًا إذا ما اتهمت إحداها بالتجسس على دولة صديقة حتى وإن كان الأمر محض افتراء عليها، أما إيران فعلى العكس تقوم عادةً بالتصريحات العنيفة التي تزيد من خصوماتها مع الدول الصديقة التي تكتشف بداخلها شبكات تجسس إيرانية؛ وما حدث أمس يؤكد ذلك؛ فبعدما قامت الكويت بسحب سفيرها، قامت طهران باستدعاء القائم بالأعمال الكويتي وسلمته مذكرة احتجاج رسمية، مما يعني أن السبيل إلى تجاوز الأزمة ربما تعثر للغاية، وهكذا فقدت إيران صديقة أخرى في مجلس التعاون الخليجي الذي يناصبها العداء في أغلبه.

2- الاقتصاد.. الحلفاء لا يدفعون بسخاء

إيران أضاعت فرصة إنشاء قاعدة عسكرية في السودان

في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تفرض عقابًا على إيران بسبب برنامجها النووي، كانت طهران قد استطاعت الالتفاف حول الخطوط الخلفية للدول العربية التي تناصبها العداء، ونجحت في دخول أفريقيا، واستجابت معها الدول الأفريقية لدوافع كثيرة، لكن في النهاية في عديد المرات كان قطع العلاقات من جانب الدول الحليفة هو نقطة النهاية؛ فالحلفاء الإيرانيون لم يدفعوا بسخاء لاستمرار صداقاتهم.

البداية من السودان؛ فكلتا الدولتان عانتا من الحصار الاقتصادي الأمريكي، وتتقاسمان العداء مع إسرائيل، إلا أن القاسم الأكبر كان رفع الشعارات الإسلامية في الحكم التي باركها البشير قائلًا: «ثورة إيران نبراس يضيء الطريق أمام المسلمين والعالم»، لتبدأ الصداقة التي رفضتها الدول العربية بالزيارات المتبادلة، والتعاون العسكري، والتعهد بتمويل المشاريع التنموية في الخرطوم، والتأييد السياسي الذي لم يتطور إلى الدعم الاقتصادي.

فبينما قدم البشير لإيران فرصة ذهبية بالسماح للمراكز الثقافية الإيرانية في الانتشار داخل الأوساط السودانية دون تمييز، والذي أدى في النهاية إلى ظهور التشيع في السودان لأول مرة، حيث بلغ عدد الذين دانوا بالمذهب الجديد 12 ألفًا، لكن إيران لم تعرف كيف تحتفظ بصداقة ذلك البلد الذي لطالما طالبها بأن يتجاوز دعمها العسكري له إلى تمويل المشروعات، وكانت الديون بين البلدين عاملًا كبيرًا في إنهاء الصداقة، حيث تعنتت طهران للحصول على 500 مليون دولار كان السودان قد استدانهم منها، ورفضت تأخير دفع الأقساط، إضافةً إلى إغفال المشاريع التنموية التي وعدت بها السودان، وكان هذا أحد أنواع «البخل على الأصدقاء» الذي ربما فرضته الظروف نتيجة فرض العقوبات الاقتصادية على البلدين.

لذلك حين أرادت السعودية إنهاء الوجود الإيراني لم يكن عليها سوى إغراء السلطة في الخرطوم للتوسط لرفع العقوبات الأمريكية، إضافة للدفع بالأموال والشركات الاستثمارية، وهو ما حدث بالفعل، وأصبحت السودان الحليف الاستراتيجي الأهم للمملكة، بعدما قامت الرياض بتنفيذ المطالب التي أخفق في تلبيتها الإيرانيون، وكانت الخسارة الكبيرة بعدما أعلن البشير طرد السفير الإيراني، هو ضياع الفرصة الإيرانية بإنشاء قاعدة عسكرية لها على البحر الأحمر تكون شوكة لها في ظهر الخليج كما تمنت دومًا.

لم تكن السودان وحدها هي الصديقة التي واجهت معها إيران هذا المصير، بسبب سياستها الاقتصادية مع حلفائها، فمعظم دول أفريقيا أيضًا التي دخلتها طهران من أجل الانتشار الثقافي و التواجد السياسي، ومحاولة خلق فرصة للتواجد العسكري، خرجت منها لنفس السبب، فجيبوتي وموريتانيا دولتان إسلاميتان قامتا بقطع العلاقات نهائيًا مع طهران تضامنًا مع حادثة اقتحام السفارة السعودية بطهران، وكانت أحد الأسباب الرئيسية هو أن طهران اهتمت بالدور التبشيري الشيعي فيهما على حساب الاقتصادي، فخسرت أصدقاءها لأنها لم تكن تدفع بسخاء.

اقرأ أيضًا: الصراع السعودي الإيراني على أفريقيا: هل ستقطع الدولتان يد السودان مجددًا؟

3- نشر المذهب الشيعي في الدول السنية الصديقة

أحد أكبر الأسباب التي ربما تجعل إيران لا تتمتع بصداقة دائمة مع أحد إلا نادرًا، هو مشروعها الدائم الذي يقوم على الطائفية الشيعية والولاء للمرشد وتصدير أفكارها تلك، بما يتنافى مع المبادئ الوطنية للدول القومية، لذلك فأغلب الذين يحاربون طهران، يستخدمون دائمًا هذا الأمر في الدعايا لحربهم الفكرية عليها.

ففي أفريقيا تستهدف طهران 30 دولة؛ لنشر المذهب الشيعي واستطاعت إيران الوصول إلى أغلب المناطق الأفريقية التي كانت مرتبطة بالمؤسسات الخيرية الخليجية، وفتحت لنفسها مساحات في بعض المساجد والمجمعات التي تم تأسيسها عن طريق المؤسسات الخيرية الإسلامية، وحولتها إلى مراكز لنشر التشيّع والترويج له، حتى بلغ عدد الشيعة في أفريقيا نحو سبعة ملايين نسمة، وكان للدول العربية النصيب الأكبر في ذلك.

التشيع في السودان جاء نتيحة سياسات البشير المتسامحة أثناء الوجود الإيراني في بلاده؛ وبلغ عدد الشيعة في السودان نحو 12 ألفًا، ولأن الرقم كان صادمًا للحكومة، فقد قرر النظام إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية، في خطوة رحبت بها دول الخليج التي حذرت الخرطوم سابقًا من تداعيات التقارب الفكري مع إيران، وبعد التقارب السعودي السوداني الحالي، تسعى السعودية لطمس أي مظهر من مظاهر التشيع.

وبحسب دراسة لمركز بيو للأبحاث؛ فإن التشيع كانت نسبته تقريبًا صفر في أفريقيا عام 1980، لكن بعد الثورة الإسلامية الإيرانية وصلت نسبة الشيعة في تشاد إلى 21%، و20% في تنزانيا، و 8% في غانا، بينما وصل التشيع في نيجيريا إلى حد حدوث حرب أهلية عقب وصول محمدو بوهاري أواخر عام 2015 إلى السلطة، ونتيجة لمظارهرات المعارضة الشيعية ضد الحكومة وقعت مجزرة زاريا التي سقط فيها مئات من الشيعة الذين بررت السلطة قتلهم بأنهم حاولوا اغتيال رئيس الأركان.

الصومال لنفس الأسباب قطعت علاقاتها بإيران لمدة عقدين من الزمان بسبب قيام الأخيرة بنشر المذهب الشيعي عن طريق المراكز الخيرية التي تمثلت في جمعية الهلال الأحمر الإيراني، ومؤسسة الإمام الخميني الخيرية، الأمر الذي جعل السلطة الصومالية تصرح بأن إيران تخل بالأمن العام، وأعطت مهلة 48 ساعة للسفير الإيراني لمغادرة البلاد، ثم عادت العلاقات في 2012، لكن السلطة قامت بالتقييد على كافة الأنشطة، ليتم قطع العلاقات مرة أخرى عام 2016، تضامنًا مع السعودية على خلفية اقتحام سفاراتها بطهران.

وحرصت إيران على التقارب من جيبوتي لأهميتها الاستراتيجية، حيث تسيطر على مضيق باب المندب، البقعة البحرية الأكثر زحامًا في العالم، ولنفس الأسباب وعلى رأسها قيام إيران بنشر المذهب الشيعي، قامت جيبوتي بأخذ الإجراءات الاحترازية وقطعت العلاقات؛ لترد طهران بصورة وزير الخارجية السابق  علي أكبر ولايتي، التي نشرها على حسابه الشخصي بموقع «إنستغرام» يظهر فيها واقفاً إلى جانب خريطة العالم، مشيرًا إلى دولة جيبوتي بإصبعه، بطريقة فسرها كثيرون بأنها استهزاء.

وفي الواقع تدل الأحداث مع الأصدقاء السابقين قبل الأعداء الواضحين، على أن لعب إيران بالورقة المذهبية، ونشر التشيع في بلاد أصدقائها السنيين، كان واحدًا من الأسباب الواضحة، لتوتر علاقتها بالعديد من أصدقائها السابقين بالأخص في أفريقيا.

4- الخشونة التي تصل إلى الاغتيالات أحيانًا

كما ذكرنا سابقًا؛ فإيران تتعامل بعنف حال حدوث مشاكل مع أصدقائها، فبعد الأزمة الدبلوماسية التي وقعت بينها وبين الكويت أمس، ردت إيران بمذكرة احتجاج رسمية، على الأغلب سيتلقاها الطرف الآخر بأن الرد القاسي سيكون كفيلًا باقتراب القطيعة، ليس ذلك هو الأسوأ، فما تفعله إيران بخصومها الذي يُغضبوها ربما لا يكون مُحفزًا لأي دولة على التعاون معها.

تعتبر قضية محاولة اغتيال وزير الخارجية الحالي عادل الجبير، هى أشهر قصة تلاحق إيران دوليًا، ففي أواخر عام 2011، كشفت الاستخبارات الأمريكية عن مخطط استهداف السفير السعودي آنذاك أثناء تناوله العشاء، بالإضافة إلى تخطيط المتهمين بتفجير السفارة السعودية، على خلفية قيام الجبير بالضغط على الإدارة الأمريكية بالتصعيد ضد السفير السوري بشار الأسد في مجلس الأمن، وأشارت الوثائق إلى أن عملية الاغتيال تمت بتخطيط عميد في الحرس الثوري الإيراني «غلام شكوري» الذي قام بتجنيد مواطن أمريكي من أصل إيراني «منصور أربابسيار» لتنفيذ العملية التي سُميت فيما بعد بـ«التحالف الأحمر»، وبحسب الكشف الأمريكي الذي تنفيه طهران فإن  العميل الإيراني اتفق مع زعيم عصابة متعاون سري مع الاستخبارات الأمريكية، وأثارت العملية ردود فعل دولية مناهضة لإيران.

تجدر الإشارة إلى أن السعودية أيضًا قامت بقطع علاقاتها مع طهران أوائل عام 2016، على خلفية الاعتداءات التي تعرضت لها كل من السفارة والقنصلية في إيران، بعدما قامت الرياض بإعدام رجل الدين الشيعي «نمر النمر»، وبدلًا من أن تقدم طهران اعتذارًا عن أعمال العنف التي حدثت للمسئولين السعوديين على أراضيها، قامت بشن حربٍ إعلامية وصفها المراقبون بالخاسرة انتهت بقطع خمس دول علاقاتهم بها.

الأمر نفسه تكرر مع بريطانيا ولكن لأسباب أخرى؛ فبعدما فرضت بريطانيا عقوبات اقتصادية على طهران على خلفية برنامجها النووي، قام محتجون إيرانيون باقتحام مجمع السفارة البريطانية في طهران بعد يومين من  القرار، وكسروا  النوافذ وأضرموا النار في السيارات، كما أحرقوا الأعلام البريطانية؛ ونتيجة لذلك الفعل جذبت طهران نحوها مزيدًا من الغضب الدولي.

أذربيجان أيضًا الدولة التي تقع على حدود إيران الشمالية، بينهما أزمة حدودية تم حلها بوساطة روسية، لكن طهران لم تحرص على منع إثارة جاراتها الشمالية، باعتبارها امتدادًا لأمنها الاستراتيجي؛ بل إنها دومًا ما تثير المشاكل مع جارتها بانتهاك سيادتها الدولية، مثل ما ذكر من معلومات عن محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في أذربيجان ميخيائيل لوتوما، وكانت تلك المحاولة بعد ما صرحت به إيران من أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد يقوم من أراضي أذربيجان بجمع المعلومات عنها.

وبدلًا من أن تحتوى تلك الدولة أو تبنى معها اتفاقًا يخدم مصلحة كل طرف؛ تقوم إيران دومًا بوضع الخطوات الأخيرة لإنهاء العلاقات أو إجبار الطرف الآخر على مواصلة التعامل مع خصوم طهران، حيث قامت المروحات الإيرانية في 2013 باختراق أجواء أذربيجان بالقرب من مدينة استارا الحدودية، وردت الأخيرة على هذا الفعل بأنهم «سيواصلون التعاون مع أعداء إيران من أجل مصلحتهم».

المصادر

تحميل المزيد