مضيق هرمز، يوصف بأنه شريان النفط الرئيسي للعالم، ممر ملاحي ضيق تعبره يوميًا تلك الشاحنات العملاقة المعبأة بذلك السائل الأسود الذي يوفر دفقات هائلة من الطاقة لشرق العالم وغربه، لكن هذا الوضع الآن صار تحت التهديد.

أهم ممر ملاحي في العالم تحت التهديد

يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، وهو عبارة عن ممر ملاحي يقع عند مدخل الخليج العربي بين عمان وإيران، ويربط بين الخليج العربي وبين خليج عمان وبحر العرب. وتشرف سلطنة عمان على حركة الملاحة البحرية في المضيق باعتبار أن ممر السفن يقع ضمن مياهها الإقليمية، ويشتمل المضيق على عدد من الجزر الصغيرة أبرزها جزيرة قشم الإيرانية، والجزر الإماراتية الثلاثة التي تحتلها إيران (طنب الكبرى، وطنب الصغرى وأبو موسى).

يبلغ عرض المضيق 50 كيلومترًا وعمق المياه فيه نحو 60 مترًا، ويستمد هذا المضيق أهمية كبرى من مرور ناقلات النفط العملاقة به، حيث يعتبر أهم ممر عالمي لعبور الذهب الأسود، حيث تعبره يوميًا ما بين 20-30 ناقلة نفط عملاقة، بحمولة تتراوح بين 16.5 و17 مليون طن، وهو ما يمثل حوالي 40% من حجم تجارة النفط العالمية. ورغم محاولات بعض الدول تفادي الاعتماد التام على المضيق في تجارة النفط، عبر مد خطوط للأنابيب النفطية، تفاديًا للتقلبات السياسية التي قد تؤثر عليه، إلا أنه لا يزال يمتلك أهمية كبرى في هذا المجال.

 

أغلب كمية النفط المصدرة عبر المضيق تتجه إلى دول شرق آسيا -من خلال المحيط الهندي ومضيق ملقا في سنغافورة-، فيما تتجه الكمية الباقية إلى باب المندب، ومنها إلى أوروبا والولايات المتحدة، وتعتمد الدول الخليجية على ناقلات النفط التي تمر عبر المضيق في تصديرها لنحو 90% من نفطها، كما أن سفن الشحن التي تحمل الواردات تمر كذلك عبر الممر المائي الذي ظل عبر التاريخ مطمعًا للدول الكبرى والقوى العظمى التي استهدفت السيطرة على مفاصل التجارة العالمية.

ويوفر القانون الدولي حرية الملاحة في المضيق الذي يعتبر جزءًا من «أعالي البحار» ومن ثم فإنه يحق لكل السفن المرور به طالما لا يضر ذلك بسلامة الدول الساحلية أو يهدد أمنها، ويعد هذا المضيق هو المنفذ البحري الوحيد لبعض دول المنطقة كالعراق والكويت وقطر والبحرين.

إيران تهدد: «الكل أو لا أحد»

خلال الأيام القليلة الماضية، وقع مضيق هرمز في بؤرة التركيز الإعلامي، بعدما هددت إيران بمنع مرور النفط الخليجي في المضيق، إذ منعت من تصدير نفطها. وتهدف إدارة ترامب حاليًا إلى دفع الضغط على كل دول العالم من أجل منعها من استيراد النفط الإيراني بحلول بدايات نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، باعتبار ذلك جزءًا من سياساتها الرامية إلى إحكام الحصار على إيران، بعدما أقدمت واشنطن على  الانسحاب من الاتفاق النووي الذي كانت الولايات المتحدة طرفًا في توقيعه مع الجمهورية الإسلامية عام 2015، خلال فترة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

وخلال جولته إلى أوروبا، بدا الرئيس الإيراني حسن روحاني حازمًا إزاء التهديد الأمريكي، قائلاً إن «الولايات المتحدة تقول إنها تهدف إلى حرمان إيران من تصدير  النفط تمامًا، يبدو أنهم لا يفهمون مآلات الأمر، إذ ليس هناك معنى لأن تُحرم إيران من تصدير نفطها فيما تتمتع دول المنطقة الأخرى بتلك الميزة»، مضيفًا: «إذا كان بإمكانهم فعل هذا الأمر فليفعلوه، وسيرون عواقب ذلك».

أقبّل يدك لمثل هذه التصريحات الحكيمة التي جاءت في وقتها، وأنا في خدمتك لتطبيق أي سياسة تخدم إيران* قاسم سليماني مخاطبًا الرئيس الإيراني حسن روحاني

تصريحات روحاني لاقت أصداء مؤيدة في الداخل الإيراني، حيث رحب قائد فيلق القدس، الرجل القوي في النظام الإيراني قاسم سليماني بموقف روحاني، واصفًا موقفه بـ«الموقف السليم الذي يعبر عن المصالح العليا للبلاد»، كما بعث سليماني برسالة إلى روحاني يؤكد له فيها أن «الحرس الثوري يقف بكل قوته خلف مواقفه المناهضة لأمريكا وإسرائيل وسياستهما في المنطقة»، واصفًا مواقف الرئيس الإيراني بأنها «مواقف عظيمة تبعث على الفخر».

Embed from Getty Images

الرئيس الإيراني حسن روحاني

وفيما أكدت قيادات عليا أخرى في الحرس الثوري تهديدات روحاني، حذرت الولايات المتحدة من «التبعات الثقيلة» لمنع الولايات المتحدة من تصدير نفطها، سارعت الولايات المتحدة إلى الرد على التهديد الإيراني، عبر تأكيد  المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية بيل أوربن على أن «الولايات المتحدة وشركاءها يوفرون ويعززون الأمن والاستقرار في المنطقة»، كما أكد أوربن أن بلاده مستعدة «لضمان حرية الملاحة وحركة التجارة بما يتفق مع القانون الدولي».

تصريحات روحاني جاءت في معرض قيامه بجولة أوروبية هدفت فيما يبدو إلى محاولة استنطاق الدول الأوروبية لإبداء موقف حاسم بشأن استمرار تعهداتها الخاصة بالاتفاق النووي، حيث أفاد موقع الرئاسة الإيرانية أن «روحاني أبلغ ماكرون ضرورة أن تأخذ أوروبا بجدية قضية تقديم حزمة مقترحات واضحة وعملية وبأسقف زمنية محددة، تضمن مصالح إيران من الاتفاق إذا ما أرادت أوروبا استمرار التزام طهران بتعهداتها الواردة فيه».

كما نقل الموقع ذاته أن الرئيس الإيراني أبلغ المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل «بضرورة التعامل بجدية مع اجتماع اليوم الجمعة في فيينا للدول الموقعة على الاتفاق، عبر تقديم مقترحات عملية وواضحة تتضمن كيفية تطبيق الاتفاق وتحقيق مصالح إيران منه».

هل تنفذ إيران تهديداتها؟

تعد التهديدات الإيرانية الحالية بشأن مضيق هرمز حلقة جديدة من مسلسل بدأ ولم يتوقف منذ ثمانينيات القرن الماضي، إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، فيما عرف حينها بـ«حرب الناقلات»، حيث تبادلت كل من العراق وإيران قصف السفن المعادية التي تمر عبر المضيق، ومع توسع العمليات الهجومية واستفحال الأزمة، تدخلت الولايات المتحدة  لحماية السفن الحليفة .

ردت إيران بمهاجمة أهداف بحرية أمريكية، فما كان من واشنطن إلا أن أعلنت زيادة عدد قطعاتها البحرية في المنطقة، وأمرت سلاح جوها بحماية السفن المحايدة التي تمر عبر الميناء، وهاجمت أهدافًا إيرانية (من بينها طائرة ركاب مدنية راح ضحيتها نحو 20 شخصًَا)، وقد أدت الضغوط في النهاية إلى إجبار أطراف الحرب على وقف «حرب الناقلات» تلك.

ومنذ ذلك الحين، ولا يمل المسؤولون الإيرانيون من التهديد بإغلاق المضيق بين الحين والآخر، مع كل تصاعد للتوتر في العلاقة مع الولايات المتحدة، وفي عام 2012، وفي مواجهة العقوبات الأوروبية على خام النفط الإيراني، أصدر البرلمان في طهران قانونًا يقضي ويهدد بإغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، فيما نظر إليه على أنه «دعم سياسي لأي قرار من المرشد الأعلى الإيراني بإغلاق المضيق».

Embed from Getty Images

لكن يبدو احتمال انتقال التهديد الإيراني إلى حيز الفعل ضئيلاً، سيما مع رغبة جميع الأطراف في الحفاظ على استقرار الملاحة في ذلك   الممر المائي الحيوي، فلا أحد بالتأكيد يود تكرار النتائج الاقتصادية الوخيمة لـ«حرب الناقلات»، حيث انخفضت نسبة البترول الإيراني المصدر حينها إلى النصف تقريبًا، وانخفض عدد السفن في مياه الخليج إلى الربع، كما انخفضت نسبة البترول الخليجي المصدر، كل هذا مع الأخذ في الاعتبار أن الأحداث في ذلك الحين لم تؤد إلى إغلاق المضيق بشكل كامل، حيث بقيت كل الأطراف الإقليمية والدولية حريصة على إبقاء حركة الملاحة فيه مفتوحة.

ويذكر أن أسعار النفط شهدت ارتفاعًا كبيرًا في عام 2008 بمجرد شعور العالم أن إيران أوشكت على غلق المضيق، حيث وصل سعر البرميل الواحد في ذلك الحين إلى 147 دولارًا، ولم تنفذ إيران أبدًا تهديداتها المتكررة بإغلاق المضيق، رغم تصريحات المسؤولين العسكريين بشأن ذلك في أكثر من مناسبة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!