شهدت المفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة، التي جرت في العاصمة القطرية الدوحة عام 2019، مشاركة خمسة سجناء سابقين من الحركة في سجن «جوانتانامو» سيّئ الذكر، كانوا قد اتهموا بالانتماء إلى «منظمة إرهابية».

 لقد كانت مشاركة هؤلاء السجناء السابقين في المفاوضات وجهًا لوجه، رسالة مبطّنة بأن الغزو الأمريكي، ناهيك عن مئات مليارات الدولارات التي أُنفقت على الحرب في أفغانستان، قد عجزت عن إخضاع هذه الحركة الأفغانية المسلّحة، بل في النهاية جلس ممثلو الولايات المتحدة على طاولة واحدة مع معتقلين سابقين في جوانتانمو من أجل ترتيب آليات خروج الولايات المتحدة من أفغانستان. 

 قيادات من حركة طالبان 

هذا المشهد الأيقوني هو حلقة في سلسلة طويلة من تاريخ البلاد التي كانت دائمًا محلّ صراع الإمبراطوريات الكبرى منذ 2500 سنة، فهذه الصراعات بين القوى العالمية، وفاتورة الدماء التي دفعتها البلاد بسبب الحروب المستمرة التي لا تنفكّ تهدأ حتى تستعر مرّة أخرى، والتي كانت تنتهي دائمًا بصمود الأفغان أمام الغزو، وطردهم لأعتى الإمبراطوريات جعلت أفغانستان توصف بـ«مقبرة الإمبراطوريّات» أو «مقبرة الغزاة».

الجغرافيا.. حصن أفغانستان المنيع ضدّ الغزاة والمحتلّين

تقع أفغانستان في أقصى شرقي هضبة إيران العظمى، قريبة من جبال الهيمالايا، وكانت منذ القديم همزة وصل، أو معبرًا للغزاة بين الإمبراطوريات العظمى في وسط آسيا، والشرق الأوسط، وشبه القارة الهندية. 

جغرافيا البلاد جعلتها منذ القديم محلّ أطماع أية إمبراطورية صاعدة في الشرق، سواء الإمبراطورية الفارسية أو حملات الإسكندر الأكبر أو ما تلاهما، وجبالها الوعرة شاهد طبيعي على مرور أكبر جيوش العالم في التاريخ، من يونان، وموريان، وهون، ومغول، ثم في العصر الحديث بريطانيا، والاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة أخيرًا.

لا يرتبط تميُّز أفغانستان فقط بكونها مسرحًا للحروب مع الإمبراطوريات العظمى؛ فهذه ميزة مشتركة لدى عدّة بلدان، لكن ما يميّز أفغانستان حقًا هو امتزاج التاريخ بالجغرافيا، فجغرافيّتها شديدة الوعورة والتفرّد قد تساعد على تفسير قدرة الأفغان على الدفاع عن أرضهم، خصوصًا أن أراضيها تنقسم إلى سلسلة مرتفعات صخرية وعرة، وصحراء قاحلة متسعة؛ وكما أشار المؤرخ ستيفن تانر في كتابه «التاريخ العسكري لأفغانستان» فهي أرض يسهل اجتياحها، ولكن يصعب تمامًا السيطرة عليها». 

هذه الجغرافيا الوعرة جعلت بعض مناطق البلاد حصنًا طبيعيًا ضد أي غزو أجنبي، بل إن القبائل التي تسكن هذه المناطق لم تخضع حتى لأية حكومة مركزية طوال مئات السنين، لكنها شاركت على مدى تاريخها في صدّ العدوان الأجنبي.

ويشير المؤرخون هنا إلى أحد خصائص القبائل الأفغانية، وهي أنها لا تخضع سياسيًا لمركز واحد أو عقد سياسي واجتماعي، ولا تتوحّد إلا على هدف واحد: صد الغزاة الأجانب، أي إن العدوان الأجنبي كان عامل توحيد وتأليف بين الشعوب التي تعيش في أفغانستان، وعزّز وحدتها الوطنية، ولكن ما إن ينتهي هذا التهديد الأجنبي حتى تعود الصراعات الداخلية لتشتعل من جديد.
أربع مدن تشكّل أفغانستان الحديثة: كابول، عاصمة أفغانستان التي تقع شرق البلاد، وهي المركز السياسي الذي يسعى للسيطرة عليه كل من يحاول إمساك السلطة في البلاد، لكن هذه المدينة «المُخادعة» التي تسقط بسهولة في يد القوى الغازية، قد توحي للغزاة الأجانب بأن السيطرة على البلاد بنفس سهولة السيطرة على مدنها الكبرى، ليصطدم الأجانب بجحيم التلال والجبال التي تعمل حصنًا طبيعيًا منيعًا ضد الغزو والتحكّم. 

قندهار جنوبًا، وهي المدينة الرئيسة لعرقية البشتون التي تشكّل أغلبية الأفغان، بالإضافة إلى أنها المكوّن العرقي الرئيس لحركة طالبان؛ ومن هذه المدينة انطلقت هذه الحركة السياسية لتنتهي بالسيطرة على السلطة في أفغانستان.

ومدينة بلخ، أو أم المدن، وهي المدينة التاريخية التي يحيطها الغموض وعبق التاريخ، فهي التي ولد بها زرادشت، مؤسس الديانة الزرادشتية، كما أن الإسكندر الأعظم تزوّج من نفس هذه المدينة، كما شهدت حملات جنكيز خان، بالإضافة إلى مدينة هرات العريقة، الواقعة على الحدود مع إيران. 

لا يمكن الحديث عن «مقبرة الغُزاة» دون التطرّق إلى ممرّ خيبر، الواقع بين جلالاباد الأفغانية، وبيشاور الباكستانية (أو الهندية قبل قيام دولة باكستان منتصف القرن الماضي)؛ فهذا الممرّ الأسطوري شاهد على الأباطرة التاريخيين والقادة العسكريين الذين اجتازوه، فقد استخدمه الإسكندر الأكبر، وقد قوبل بمقاومة شديدة من القبائل الأفغانية، وكاد يفقد حياته في منعرجات المنطقة الوعرة. 

الحروب الثلاث.. مغامرات الإمبراطورية البريطانية في أفغانستان

خلال القرن التاسع عشر أصبحت أفغانستان محلّ نزاع بين البريطانيين المتمركزين في شبه القارة الهندية، وروسيا من أجل السيطرة على وسط آسيا، وفي سنة 1839 انطلقت «الحرب الأفغانية الأولى» حين أرسلت بريطانيا جيشًا من البريطانيين والهنود لوقف النفوذ الروسي، وتنصيب «شاه شجاع الملك» أميرًا مواليًا للتاج البريطاني بدلًا عن الأمير محمد دوست الذي اعتبروه معاديًا للبريطانيين، وقد دامت الحرب الأفغانية الأولى ثلاث سنوات (1839-1842)، ولم تنته إلّا بعد أن نال البريطانيون إحدى أقسى الهزائم في تاريخهم العسكري. 

بدأت الحملة العسكرية البريطانية بانتصارات خاطفة – كعادة كل الغزوات في تاريخ أفغانستان – فقد سيطرت سريعًا على مدينة قندهار بدون مقاومة تذكر بعد هروب زعيمها، شقيق الأمير المخلوع دوست محمد، ثم اتّجه الجيش المكوّن من 20 ألف جندي إلى كابول، كبرى مدن أفغانستان وعاصمتها، واستطاع البريطانيون تحقيق تقدّم واسع بفضل رشوة زعماء القبائل الأفغانية لتجنّب غاراتهم على الجيش، وفي الطريق نحو كابول، قوبل الجيش بمقاومة في مدينة غازني المحميّة بحصن متين ذي جدران عالية، ولم ينجح البريطانيون في اختراقه، إلا بعد أن سقوط 200 من جنودهم. 

 لوحة «الانسحاب البريطاني من كابول» في الحرب الأفغانية الأولى 

واصل البريطانيون التقدّم نحو كابول، ونجحوا في تنصيب شاه شجاع المُلك بدلًا عن محمد دوست الذي فرّ هاربًا من المدينة، وبعد نجاح البريطانيين في السيطرة على كابول، بدأت المشاعر تتأجج ضد الغزاة البريطانيين والأمير الذي نصّبوه حاكمًا على أفغانستان، وبسبب التعامل البريطاني الاستعلائي تُجاه السكّان المحليين، والتجاوزات الجنسية للبريطانيين؛ سرعان ما انطلقت مقاومة شعبية بقيادة محمد أكبر خان، ابن الأمير السابق للبلاد محمد دوست؛ وقد أدت الانتفاضة إلى مقتل العديد من الدبلوماسيين البريطانيين. 

ومع اشتداد المقاومة فاوض الجنرال ويليام ألفينسون الأفغانيين من أجل انسحاب قوّاته، على أن يسّلم مدفعياته وباروده للأفغان؛ وفي يناير (كانون الثاني) 1942 بدأ الانسحاب البريطاني إلى الهند، والذي سينتهي بكارثة عسكرية تعد واحدة من بين الأقسى من نوعها في التاريخ الحربي البريطاني. 

وخلال عملية الانسحاب من كابول إلى جلالاباد، وسط الأجواء المتجمّدة والثلوج التي تكسو الطريق الوعرة، هاجمت القبائل الأفغانية الجيش البريطاني، وألحقت به خسائر مدوّية، وكاد الجيش المكوّن من جنود بريطانيين وهنود أن يُباد عن آخره؛ إذ جرى اعتقال الكثيرين منه، وقتل أغلب الهنود، فيما جرى بيع مئات الجنود في سوق كابول للعبيد؛ ولم يصل إلى مدينة جلالاباد إلّا أوروبي واحد فحسب. 

ومرة أخرى يؤدي التنافس البريطاني الروسي للسيطرة على أفغانستان إلى حملة عسكرية بريطانية جديدة هذه المرة سنة 1878، وستدوم سنتين (1878-1880)، ورغم تحقيق البريطانيين لانتصارات عسكرية، ونجاحهم في تنصيب أمير جديد تابع لهم، وإجبار الأفغان على القبول بأن تكون سياستها الخارجية في يد الهند البريطانية، إلا أن دروس الماضي أجبرتهم على مغادرة البلاد مباشرة وعدم البقاء في كابول لضمان عدم استفزاز السكّان، وهكذا غادر آخر بريطاني عاصمة البلاد في أبريل (نيسان) سنة 1881. 

الحرب الأفغانية الثالثة اندلعت بعد وصول الأمير آمن الله خان إلى السلطة سنة 1919، والذي ألغى الاتفاقية الموقّعة سابقًا بعد الحرب الأفغانية الثانية؛ ليعلن الاستقلال التام لأفغانستان ويدعو إلى الجهاد لتحرير البلاد، وحتى طرد البريطانيين من الهند بدعم من بلاشفة روسيا. 

وقد دارت العديد من المعارك بين الطرفين في وزيرستان وكورمه، استخدم خلالها البريطانيون سلاح الجو، وأجبروا الأمير أمان الله خان على وقف الحرب؛ لكن نتائج هذه الحرب كانت لصالح أفغانستان؛ إذ بفضلها نالت الاستقلال التام عن بريطانيا، بعد أن كانت سياستها الخارجية تابعة للهند البريطانية. 

ورغم المعاهدات التي كانت تعقد بين البريطانيين والحكومة المركزية الأفغانية في كابول، فإن أجزاءً واسعة من أفغانستان كانت عصيّة على الخضوع لأيّ من القوى السياسية، سواء المحليّة أو الدولية؛ إذ بقيت القبائل المتمركزة في سفوح الجبال، التي تضمّ مقاتلين أشدّاء، تشكّل تهديدًا دائمًا للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. 

ولذلك فإن ما ميّز أفغانستان طوال تاريخها، وسمح لها بالدفاع عن استقلاليتها وصدّ العدوان الخارجي، هي تركيبتها الطبيعية المتكوّنة من سلاسل جبلية تعد الأكثر اتساعًا في العالم، بالإضافة إلى تركيبتها الاجتماعية المكوّنة من فسيفساء قبلية غير الخاضعة للحكومة المركزية؛ مما يجعل الاتفاق معها أو إخضاعها كابوسًا لأيّة قوة غازية؛ وهو ما يفسر استمرار الحرب مع بريطانيا رغم توقيعها اتفاقية مع حكومة أمان الله خان في صيف 1919.

من الحرب الباردة إلى مكافحة «الإرهاب».. الأفغاني دائمًا ينتصر أخيرًا

مع نهاية السبعينات وسيطرة نور محمد طارقي على السلطة في كابول، دخلت البلاد أتون الحرب الأهلية وانتشرت الفوضى الأمنية في البلاد، واختُطف السفير الأمريكي ثم قُتل خلال محاولة إنقاذه، وتدخل الاتحاد السوفيتي مستغلًّا حالة السيولة الأمنية التي انتشرت في أفغانستان؛ إذ دخل على الخط في مغامرة عسكرية سيدفع ثمنها لاحقًا في العقد التالي.

كان المخطّط السوفيتي يقتضي أن تدخل القوّات السوفيتية البلاد، وتنصّب قائدًا تابعًا لها، ثم تغادر دون إحداث ضجّة كبيرة على الساحة الدولية، وبالفعل استطاع السوفيت تأمين العاصمة كابول، وقُتل رئيس الوزراء حفيظ الله أمين في ظروف غامضة، وجرى تنصيب بابراك كرمال من طرف السوفيت زعيمًا للبلاد. 

 مقاتل أفغاني من «المجاهدين» أثناء الحرب ضد الاتحاد السوفيتي

رأت الولايات المتحدة الأمريكية في الغزو السوفيتي تهديدًا لمصالحها وسط آسيا، وأمر الرئيس جيمي كارتر «وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه)» بدعم المقاومة الأفغانية المسمّاة بـ«المجاهدين» وإدخال شحنات من الأسلحة عن طريق باكستان.

تزامن الصراع بين المجاهدين والاحتلال السوفيتي مع موجة «الصحوة الاسلامية» في العالم العربي، وهو ما جعل القضية الأفغانية تحظى بدعم واهتمام شعبي واسع لدى الحركات الإسلاميّة شجعته الولايات المتحدة بالتعاون مع الحكومات العربية، وانتقّل العديد من الشباب من البلدان العربية للمشاركة في «الجهاد» ضد «السوفيت الشيوعيين». 

كما أن المجاهدين الأفغان حازوا دعمًا غربيًا منقطع النظير من الولايات المتحدة وبريطانيا، بالإضافة إلى الجار الباكستاني. ومع الدعم اللوجستي من المخابرات الأمريكية لـ«المجاهدين»، كان من الواضح أن الحرب تأتي في إطار الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي والغربي، ومع منتصف الثمانينات كانت شدّة الحرب قد وصلت إلى مستويات قياسية؛ إذ بلغ عدد الجنود السوفيت الموجودين في أفغانستان 120 ألف جندي، وبلغ عدد القتلى الأفغان حوالي مليون.

تواصلت الخسائر البشرية في صفوف الأفغان واستمرت ضربات المروحيات السوفيتية التي كانت تلحق خسائر ضخمة لقوّات «المجاهدين»؛ إلى أن جاء الدعم الأمريكي بصواريخ «ستينجر» المضادة للطائرات ليقلب المعادلة لصالح المجاهدين، وأصبحت صورة الطائرات السوفيتية وهي تتساقط كالفراشات المحترقة مشهدًا يوميًا في سماء أفغانستان؛ مما جعل المغامرة السوفيتية العسكرية في أفغانستان تبدأ عدّها التنازلي، ومع حلول فبراير (شباط) 1989 غادرت آخر القوّات السوفيتيّة أراضي أفغانستان بعد توقيع اتفاقيات جنيف التي أنهت حربًا دامت عقدًا كاملًا. 

يحكي التاريخ العسكري لأفغانستان أن الحروب والمعارك هي قدر العاصمة كابول، التي لا تهدأ الأجواء فيها إلا تمهيدًا للمعركة القادمة والغزو القادم؛ إذ إن أصوات البارود والقنابل وصيحات الحرب هي القاعدة في شوارعها وتاريخها الحديث، وليست الاستثناء.

 جبال «تورا بورا» الأفغانية

فرغم أن الكثيرين استبشروا بأن خروج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان سيعني نهاية الحرب، إلا أنها استمرّت ثلاث سنوات كاملة إلى غاية 1992؛ حين سيطرت قوّت المجاهدون على كابول، وجرى قتل الرئيس نجيب الله المدعوم من السوفيت، لكن ذلك لم يعن انتهاء أزمات أفغانستان، بل تحوّلت البلاد إلى دولة فاشلة تعجز عن توفير الأمن والسيطرة على الفوضى.

خلال التسعينات اجتمع مجموعة من «طلبة العلم الشرعي»، من شيوخ الطريقة الدوبندية الصوفية، وأنشأوا جماعة سياسية يتزعّمها الملا عمر، والتي ستعرف باسم «حركة طالبان»، وبعد سيطرة طالبان على السلطة، واتهامها من طرف الولايات المتحدة الأمريكية بالتواطؤ مع «تنظيم القاعدة» في أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، دخلت البلاد هذه المرة حربًا دامت 20 سنة كاملة بين الحركة و40 دولة مشاركة في الغزو بقيادة الولايات المتحدة، لتغادر هذه القوّات العسكرية سنة 2021 دون أن تنجح في إسقاط «الطالبان».

من «اللعبة الكبرى» بين روسيا وبريطانيا، إلى «الحرب الباردة» بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، ظلّت أفغانستان عصيّة على السيطرة والخضوع؛ فالمكوّنات الإثنية والدينية التي تشكل المجتمع الأفغاني، والتي كانت عائقًا لقيام دولة أفغانية قوية وحكومة مركزيّة فعالة؛ هي أيضًا الدرع الواقي أمام رغبة الإمبراطوريات في السيطرة على هذه الرقعة الجغرافية واستغلال مواردها الطبيعية الغنية غير المستغلة، والتي تقدّر بـتريليون دولار حسب بعض التقديرات.

فأفغانستان تملك أكبر مجموعة من السلاسل الجبلية في العالم، من بينها جبال «تورا بورا» التي كان يختبئ فيها أسامة بن لادن، والجزء الشرقي منها تغيب عنه المساحات المفتوحة التي تسهّل الحركة، عدا الصحاري القاحلة، وهو ما يجعل طرق الغزو شديدة الصعوبة؛ كما يعطي أفضلية كبيرة للسكان المحليين لمعرفتهم بالطرقات الجبلية من أجل التصدي لأي هجوم أجنبي يأتي من ممر خيبر أو وادي بنشير. 

لعلّ من غير الدقيق القول إن غزو أفغانستان صعب، بل العكس هو الصحيح، فتاريخيًا لطالما كان دخول القوّات الأجنبية إلى البلاد وحتى إسقاط العاصمة كابول والسيطرة عليها أمرًا متكررًا، سواء بالنسبة للبريطانيين، أو السوفيت، أو الأمريكيين، أو حتى بالعودة إلى الحقب القديمة، مثل ما حدث مع الغزو الفارسي وحروب الإسكندر الأكبر. فغالبًا ما تشهد الفترة الأولى لاحتلال أفغانستان حالة من الهدوء والسلام المؤقت التي تعطي انطباعًا بأن الحياة عادت إلى مجراها الطبيعي؛ لكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، فسقوط المدن الأفغانية الكبرى لا يعني السيطرة على البلاد؛ إذ إن الثقل السياسي والاجتماعي لأفغانستان يكمن في التلال والجبال والقرى المتناثرة في أعاليها، ومنها تنطلق الانتفاضات والمقاومات المسلحة بقيادة أبناء القبائل، التي استطاعت على مرّ التاريخ أن تجعل أفغانستان «مقبرة للغزاة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد