ببدلة رسمية وبشعر مصفف، على غير عادته، أطل «أبو محمد الجولاني» قائد «هيئة تحرير الشام» بحلة جديدة، عبر صور جمعته بالصحافي الأمريكي مارتن سميث، فنزع الجولاني لعمامته بداية ومن ثم لباسه العسكري الذي لازمه لسنوات. الملف السوري لا يزال في ثبات نسبي بانتظار ما قد تحمله الإدارة الأمريكية الجديدة، بحسب السوريين المراقبين لهذا الملف.

فشل الجولاني حتى الآن في تأسيس مشروع اندماج حقيقي وموحد لفصائل المعارضة السورية المسلحة كلها، مما قد يجعل أي هجوم محتمل على إدلب ممهدًا لمشكلة كبيرة بالنسبة له وتنظيمه، وعليه يبدو أن الجولاني يسعى إلى بعث رسائل تطمئن الغرب عن تحول كبير في خطابه وأولوياته، آملاً رفعه من «قائمة الإرهاب» والدخول في المشهد السياسي السوري، فهل يصل إلى ما يريد؟

سنين في الخفاء تكللت بالانسلاخ عن عرابيه

خلال خمس سنوات من الثورة السورية عكف الجولاني على عدم ظهوره بشكل علني، واشتهر بأنه لا يحسر عن وجهه في اجتماعاته مع قادة الكتائب التابعة له وأمام مقاتليه وحتى في مقابلاته الصحفية، وبحسب ما يروي «أبو عبد الله» قائد إحدى المجموعات الجهادية القريبة من «جبهة النصرة»، لموقع «الجزيرة نت»، أن ذلك يأتي من جانب السرية المفرطة والاحتياطات الأمنية العالية التي أكدها كل من التقى به.

قال الجولاني لمصادر مقربة منه في يونيو (حزيران) 2020، أن اسمه هو أحمد ابن الخبير الاقتصادي حسين علي الشرع، الذي ينحدر من منطقة فيق في الجولان السوري المحتل، وعائلته نازحة إلى مدينة دمشق، ولا صلة قربى بينه وبين عائلة نائب رئيس النظام السوري سابقًا فاروق الشرع التي تسكن محافظة درعا، هذا ما نقله موقع «العربي الجديد» عن مصادر لم يسمها خلال لقائها مع الجولاني في إحدى جولاته بريف إدلب.

خلال السنوات السابقة ظلت هوية الجولاني مخفيه خلال تنقلاته من العراق إلى سوريا، وألصقت به عدة أسماء لم يعرف أصحها، أبرزها كان (محمد الجولاني، أبو محمد الجولاني، أبو أشرف، أحمد حسين الشرع، الشيخ الفاتح، أوس الموصلي، أسامة العبسي الواحدي).

في يناير (كانون الثاني) 2012 ومع قرب دخول الثورة السورية عامها الثاني قدم «الجولاني» إلى سوريا بتكليف من قادة «تنظيم الدولة الإسلامية» في العراق، ليعلن مسمى «جبهة النصرة» لإيجاد موطئ قدم جديد لها في سوريا، ولكن سرعان ما أعلن انفصاله عنها مما أدى إلى صدام بين «الجبهة» و«الدولة» قضى بانسحاب الأخيرة من مناطق سيطرة «النصرة»، ومبايعة الجولاني لتنظيم القاعدة في أبريل (نيسان) 2014.

يفسر الجولاني انفصاله عن تنظيم «الدولة» خلال حديثه لـ«مجموعة الأزمات ومركز الحوار الإنساني في جنيف»، بأنه «لم يكن لدينا أيّ خيارات جيدة، اضطررت إلى اتخاذ قرار سريع؛ لذا جمعت دائرتي الداخلية وأخبرتهم أنني أفكر في مبايعة تنظيم القاعدة وقمت بشرط تعهدي أننا لن نستخدم سوريا منصةَ إطلاق للعمليات الخارجية ولن نسمح للآخرين باستخدامنا لهذا الغرض».

وحول هذا الانفصال يرى أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة أنقرة، والباحث المتخصص في الحركات الإسلامية، الدكتور عبد الرحمن الحاج، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أن الجولاني استطاع إماطة استهداف أمريكا له شخصيًّا، إذ قال عبد الرحمن: «إن الجولاني ليس مشكلة رئيسية لأمريكا، لأنه لا يهدد الأمن القومي الأمريكي ولا الأمن العالمي، فالنصرة منذ إنشائها لم تقدم خطابًا سياسيًّا يواجه الغرب أو يستعديه ولم تقم بعمليات عسكرية خارج الحدود السورية، كما أنها أعلنت في وقت مبكر أنها تعمل فقط داخل الحدود السورية، مشكلة النصرة مع الولايات المتحدة أنها كانت فرعًا من القاعدة واحتوائها على مقاتلين أجانب، وكون أيديولوجيتها تتضمن أجندة سلفية جهادية».

المسير في مشروع دولة «تحرير الشام»

في يوليو (تموز) 2016 وفي أول ظهور علني له، غيّر زعيم «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني اسمَ الجماعة إلى «جبهة فتح الشام» مُعلنًا أنها لا تنتمي لأي مؤسسة خارجية، وفك ارتباط جماعته عن تنظيم «القاعدة»، بعد نحو ثلاث سنوات من القتال تحت رايته.

سيطرت «فتح الشام» في يوليو (تموز) 2017، على مدينة إدلب بعد طرد حركة «أحرار الشام»، الشريك الأقوى لها، وكان الفصيلان توصلا لاتفاق يقضي بانسحاب كل الفصائل من معبر باب الهوى على الحدود السورية الشمالية مع تركيا، وتسليمه لإدارة مدنية، وبررت «فتح الشام» عمليتها العسكرية بسعيها لإدارة عسكرية وإدارية موحدة في الشمال السوري.

وفي ديسمبر (كانون الثاني) 2017 أعلن الجولاني عن تشكيل «هيئة تحرير الشام» من اندماج «جبهة فتح الشام» وجبهة «أنصار الدين» وجيش «السنة» و«لواء الحق» وحركة «نور الدين الزنكي»، وسلّمت الإدارة المدنية للخدمات التابعة للهيئة مؤسساتها الخدمية لـ«حكومة الإنقاذ» التي أُعلن عن تشكيلها في الشهر ذاته، ووجهت إنذارًا إلى «الحكومة السورية المؤقتة» التابعة للمعارضة السورية يقضي بإمهالها 72 ساعة لإغلاق مكاتبها في محافظة إدلب شمالي سوريا والخروج من المنطقة.

وفي عام 2018، استطاعت الهيئة بسط سيطرتها على أغلب مناطق إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي بعد اشتباكات مع «جبهة تحرير سوريا» التي كانت مسيطرة على المنطقة وانضمت لاحقًا للفصائل المدعومة من تركيا، تحت راية «الجيش الوطني» السوري.

هذا التغيير في الاسم وفي السياسة فسرهُ لـ «ساسة بوست»، خبير الجماعات الإسلامية في سوريا أحمد أبازيد، «بأن الجولاني يعتبر أن تصنيفه على لوائح الإرهاب مسألة قابلة للتغيير، ولا تمنعه من البقاء كسلطة أمر واقع محلية يمكن أن تصل لتفاهمات مع الدول، بناء على نماذج طالبان وحزب الله وحماس».

ويقول أبازيد إن «الجولاني يرى أنه بعد تثبيت نفسه كسلطة حكم في إدلب، وإثبات تحوله نحو الاعتدال وتخليه عن الخطاب السلفي الجهادي، وقيامه بمحاربة تنظيم الدولة وتنظيم القاعدة من خلال فرعه السوري (حراس الدين)، فهو يقدم نفسه باعتباره ضامنًا لبقاء المقاتلين الأجانب والجهاديين في إدلب تحت السيطرة، وكتنظيم مفيد في إطار الحرب على الإرهاب، إضافة إلى أنه سلطة محلية معتدلة يجب التنسيق معها في إدلب».

خلع عباءة «الإسلام المتشدد» عبر الحاضنة الشعبية ووسائل الإعلام

بالرغم من محاولة الجولاني تقليب جماعته في عدة أسماء لا يزال شخصيًّا وتنظيمه مدرج ضمن الشخصيات المدرجة في قوائم «الإرهابية»، وأكد ذلك الحساب الرسمي لبرنامج «مكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، بعد ظهور «الجولاني» مع الصحفي والمخرج الأمريكي مارتن سميث، محددًا لحيته ومرتديًا بدلة رسمية في مظهر بدا جديدًا عليه في الساحة السورية.

خلال عام 2020، ظهر القائد العام لـ«هيئة تحرير الشام»، «أبو محمد الجولاني»، في عدة مناطق تقع تحت سيطرة فصيله إحداها كان في مخيمات بإدلب، وهو يستمع إلى طلبات قاطنيها، بعد 11 يومًا على إعلان الولايات المتحدة أن «تحرير الشام» تمثل «مصدر قلق خاص»، وبعد أقل من شهر على تحديد مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.

وليس هذا الظهور الأول لـ«الجولاني»، إذ زار الجرحى والمصابين في أحد المستشفيات، بعد أن فرق عناصره المتظاهرين الذين خرجوا ضد محاولة «تحرير الشام» إعادة فتح المعابر مع النظام السوري بالرصاص الحي، تلاه لقاء مع شيوخ العشائر في الشمال السوري، وفي ديسمبر (كانون الثاني) 2020، قام بزيارة مسؤولي المخيمات المتضررة بعد العاصفة المطرية، ولكن «الظهور المميز» كان أثناء تقديمه الطعام للمدنيين في أحد مطاعم مدينة إدلب، بحسب أحد الموالين له لـ«ساسة بوست».

دولي

منذ شهر
مناطق النفوذ التركي في سوريا.. هل تستطيع تركيا حفظ الأمن فيها؟

ويعتقد الباحث الأردني والمتخصص في شؤون الجماعات الجهادية، حسن أبو هنية، أن الجولاني لديه قناعة بأن المجتمع الدولي كأمريكا، والاتحاد الأوروبي، وكذلك حتى تركيا التي لا تزال مصنفة لـ«هيئة تحرير الشام» بوصفها منظمة إرهابية، وأن كل التحولات التي أجراها حتى الآن، لم تصلح من إزالة فصيله عن لائحة «الإرهاب»، وبالتالي هو يعي أن جميع محاولاته غير كافية.

وعلاوة على ذلك، يضيف أبو هنية خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «أنه خلال تسع سنوات من التغيير من تنظيم قاعدة ثم انسلخ عنها بعمل حكومة ذاتية له عبر حكومة «الإنقاذ» في دولة مصغرة بإدلب، والظهور مع الصحفي الأمريكي، وحتى بالسنة الأخيرة ظهوره أكثر من مرة بين الناس، يريد أن يركز بكل ذلك على أنه يمثل حركة محلية تذهب باتجاه معارضة مسلحة على غرار الجيش السوري الحر».

وبالتالي يشير أبو هنية إلى «أن الجولاني يسعى في المستقبل أو لغاية الآن؛ لأن يؤخذ على محمل الجد في مفاوضات الأزمة السورية، وأيضًا يعني إذا أذعن لشروط دولية، قد يصبح له مكان في الحل، لأنه في النهاية سوري و«هيئة تحرير الشام» تمسك عمليًّا بمنطقة إدلب التي يعيش فيها ما يقارب 4 مليون سوري».

بعد تسع سنوات.. هل فشل الجولاني؟

يقول أحمد أبازيد لـ«ساسة بوست»: «إن العملية السياسية الحالية لا تمثل طموحًا لدى الجولاني، ويكفيه تثبيت سيطرته في إدلب والتعامل معها كأمر واقع والوصول إلى رفع تصنيفه من لوائح الإرهاب»، وفي الوقت ذاته يرى الدكتور عبد الرحمن الحاج، «أن الجولاني يراهن على هذه المقابلات الصحفية لتغيير وجهة النظر الدولية عنه وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية، ويعتقد أن موضوع إزالة اسمه وتنظيمه من قائمة الإرهاب أمر ممكن، إذ لا داع أمريكي قوي لإبقاء تصنيفه في لائحة الإرهاب الأمريكية».

ويضيف عبد الرحمن الحاج أن الجولاني في الوقت الحالي يستغل مرحلة الانتقال في الإدارة الأمريكية من ترامب إلى بايدن ليعيد طرح نفسه، فالإدارة الجديدة بدأت ببناء استراتيجية سياسية تخص سوريا، فأصبح فريقها شبه جاهز، ويمكن الأخذ بعين الاعتبار أن تعيين روبرت مالي للملف الإيراني ربما شجعه على الإطلالة الجديدة.

ففي ظل إدارة روبرت مالي لـ«مجموعة الأزمات الدولية» أجريت أول مقابلة مع الجولاني لصالح المجموعة، ونشرت في موقعها الرسمي، وهي مقابلة قدمت الجولاني باعتباره شخصًا مختلفًا كليًّا عن زعيم مجموعة إرهابية كما كان يصور دائمًا من قبل، والتي كللتها نجاحه في تصدير صورته باعتباره قائدًا محليًّا يحظى باحترام المجتمع وتقديره من خلال ظهوره العام الفائت بشكل متكرر.

ويعتقد الباحث في الشأن السياسي السوري، الدكتور زكريا ملاحفجي، إن محاولة تسويق الجولاني لنفسه للدخول في المعادلة السياسية السورية من خلال الالتزام بالاتفاقيات الدولية المبرمة بين تركيا وروسيا حول منطقة إدلب، وعدم الدخول في الإشكاليات الدولية، هي نتاج سلسلة تغييرات اتبعها مع تنظيمه بعد اقتناعهم المتأخر بعدم جدوى أدبيات خاطئة تبنتها جماعته الراديكالية التي تتميز بوعي سياسي ضعيف ومتأخر، ولا سيما أيضًا أن البيئة الشامية التي احتضنت الجولاني هي بيئة محافظة لكن لا تساعد على التطرف.

«وطالما أن مثل هذه التنظيمات لا تبحث عن رضى المجتمع المحلي فهي لا تحتاج موافقة لفرض سلطته عليها كما حصل مع «تحرير الشام» في إدلب، وإنما إلى استرضاء القوى الخارجية لمنحها فرصة للعب دور ما»، فبرأي حسن أبو هنية «أن «الجولاني» شخصية براجماتية إذ كان من البداية شخص متنقل وقادر على التحول، وبالتالي التغير في الوقائع، ويحاول تقديم نفسه للاتحاد الأوروبي والأمريكان، لكن مع ذلك لا يزال الموضوع عنه شخصيًا بعيدًا عن تنظيمه، وبالتالي «يعني يمكن أن يفتح حوار، ولن يقف عن تقديم نفسه كلاعب، ولكن بعيدًا عن الاندماج بالجيش الوطني السوري المعارض في الوقت الحالي».

عربي

منذ 7 شهور
تهديد جديد لـ«هيئة تحرير الشام».. هل تفقد سيطرتها على إدلب؟

ويمكن قبول «الجولاني» بوصفه لاعبًا في الأزمة السورية دوليًّا، في نظر «حسن أبو هنية»، وذلك من خلال تجارب سابقة مع حركات أخرى كانت مصنفة «إرهابية» مثل الجيش الأيرلندي الحر، وحزب «المؤتمر الوطني الأفريقي» بزعامة نيلسون مانديلا، «فهناك كثير حركات إسلامية أو غير إسلامية دخلت في مثل هذا التحول، نسميها علاقات المدنية العسكرية»، وفق رأيه.

وفي المقابل، يرى مدير منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» والتي تُعنى بتوثيق الانتهاكات في سوريا، بسام أحمد، أن فشل المعارضة السورية في استثمار الاعتراف بها والدعم الذي قدم لها من قبل المجتمع الدولي، وهي «فرصة لن تتكرر» وفق وصفه، ساهم في تصدير الجولاني من قبل الساسة الدوليين ليصبح جزءًا من «اللعبة الدولية» في سوريا.

وتابع بسام خلال حواره مع «ساسة بوست»، أن عدم وجود مشروع ديمقراطي سوري، دفع إلى عدم وجود رغبة دولية في الوقت الحالي وخاصة من قبل تركيا وروسيا وأمريكا لاستئصال هيئة تحرير الشام، وهي ربما إشارة إلى أنها أصبحت وجهًا مقبولًا في الأزمة السورية «فالقصة» سياسية بامتياز، بحسبه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد