«معدة تأكل الزلط»، في هايتي فإن عبارة مثل هذه ليست مجازًا، حيث تُختبر قدرة الناس هناك على أكل الزلط بالفعل، إذ تُصنع الفطائر من الطين. يقول السكان هناك إنها تملأ المعدة، وإن خلت من أي قيمة غذائية، بينما يقول بعضهم إنها تحتوي على الفيتامينات والمعادن المفيدة للجسم، وهي تُصنع من التراب الذي يُجلب من مناطق جبلية ويُباع للنساء اللاتي يتكسبن من صنع الفطائر من الطين والملح والماء وبعض الزبدة، ويفرشنها ربما في أحد الملاعب لتجفّ، ثم تُباع للناس.

فطائر الطين- مصدر الصورة

على بحر الكاريبي

تشغل دولة هايتي الثلث الغربي من جزيرة في بحر الكاريبي، وقد اكتشفها الرحالة كريستوفر كولومبوس، وظلت منذ اكتشافها مستعمرة إسبانية إلى أن صارت عام 1697 مستعمرة فرنسية، اعتمدت عليها فرنسا في أكثر من ربع مواردها الاقتصادية إلى أن استقلت عنها عام 1804.

مصدر الصورة 

كانت هايتي تُعرف بـ«لؤلؤة الكاريبي»؛ نظرًا إلى ما خبأته للإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية من كنوز؛ فقد بلغ إنتاجها نسبة 40% من السكر و60% من القهوة التي تستهلكها أوروبا. فضلًا عن أنها كانت مصدر التمويل الرئيسي للتوسع الاستعماري في أفريقيا. والذي راح ضحيته حوالي 700 ألف من العبيد الأفارقة.

كانت هايتي مركزًا عالميًّا للتجارة في منطقة الكاريبي، حتى أن كثيرًا من النبلاء والتجار الفرنسيين انتقلوا إليها للاستثمار في مزارع البن وقصب السكر.

فكيف تحولت هايتي من المستعمرة الأغنى في العالم الجديد خلال القرن الثامن عشر إلى أفقر دول العالم؟

النبات السارق

قبل سنوات تلقّى الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما من الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز نسخة من كتاب «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية»، الذي يعرض فيه إدواردو غاليانو تاريخ دول أمريكا اللاتينية، وكيف أنها «سُلبت حتى من حقها في أن تكون دولًا أمريكية؛ فأصبحت اليوم أمريكا تعني للعالم الولايات المتحدة دون غيرها».

والكتاب يتضمن -بين الكثير الذي يكشف عنه- إجابة عن هذا السؤال؛ إذ يقول إدواردو غاليانو في كتابه: إن أفضل سكر في العالم كان ينبت من التربة الخصبة في سهول ساحل هايتي (أو سانت دومينغو كما كانت تسمى حينها)، وأخذت هايتي تتحول إلى «إسطبل للعبيد » بسبب السكر الذي يحتاج لأيدي عاملة كبيرة، وفي عام 1786، وصل إلى المستعمرة 27 ألف من العبيد الأفارقة، وتلاهم 40 ألفًا في العام التالي.

كانت زراعة قصب السكر -«النبات السارق» كما يسميه إدواردو غاليانو- تُهلِك التربة وتقضي على الغابات، فالإنتاج الواسع للسكر دون غيره كان يقلل من خصوبة التربة وينهك الأراضي.

نضال طويل من أجل الحرية

كان حوالي 90- 95% من الشعب في هايتي من أصول أفريقية، وصلوا إليها فارين من استعباد الأوروبيين في الدول المجاورة واحتموا بها، وواصلوا الثورة على المستعمر، فبدأوا في عام 1790 حرب تحرير بزعامة توسان لوفرتور، واندلعت الثورة عام 1791، وحُرقت خلالها 200 مزرعة لقصب السكر في شهر واحد، ولم تتوقف الحرائق والمعارك لدحر الجيش الفرنسي نحو المحيط.

كانت أهمية هذه الثورة في أنها قامت ضد أكبر القوى حينها؛ وهي فرنسا، بقيادة نابليون، ولم تكن الفرص متكافئة، واجه نابليون إصرار سكان هايتي (سانت دومينغو) على الاستقلال، وأرسل تعزيزات كثيرة لقواته هناك، لكن العبيد تمكنوا من دحرهم، وواصلوا المقاومة رغم اعتقال قائدهم توسان لوفرتور ونقله إلى السجن في فرنسا.

ثورة العبيد في هايتي– مصدر الصورة 

كان آخر ما قاله توسان: «بعد إطاحتي قُطع جذع شجرة الحرية السوداء فقط، لكنها سترتفع مرة أخرة من جذورها العميقة والممتدة».
وبالفعل نبتت شجرة الحرية، وواصل العبيد طريقهم بقيادة جان جاك ديسالين، وأوقفوا تقدم الجنود الفرنسيين داخل البلاد فتمكّنت منهم الأوبئة، وأيقنوا أن لا مكان لهم على تلك الأرض، وهكذا استطاع جيش العبيد الذي لم يتلقّ أي تدريب أن يهزم جيش نابليون.

وتحقق نجاح هذه الثورة التي كانت أول ثورة تحوّل مجتمعًا كاملًا من العبيد إلى دولة مستقلة خالية من التمييز العنصري، وراحت أصداء نجاح ثورة العبيد تتجاوز هايتي، وانتشرت في الولايات المتحدة وتزايدت على أثرها انتفاضات العبيد هناك.

لقد أصبحت هايتي ثاني بلد في الأمريكتين يحقق استقلاله بعد الولايات المتحدة، وفي عام 1804، أعلن جان جاك ديسالين استقلالها وأُطلق عليها اسم هايتي، وتعني «الأرض الجبلية».

ثمن الحرية

هكذا سُجّلت أول ثورة عبيد ناجحة، لكن الحصول على الاستقلال كان باهظ الثمن، إذ لم تغادر السفن المحملة بالفرنسيين إلا وقد تركت خلفها المزارع خرابًا، وأنهارًا من الدم في هذه الحرب الطويلة.

نتج من الثورة حوالي 100 ألف ضحية، بينما وقع من نجا منهم أسيرًا للفقر المدقع، لم تنته معاناة هايتي عند هذا الحدّ؛ فقد حظرت الولايات المتحدة التجارة معها استجابة للضغط الفرنسي عام 1807، وفقط في عام 1825 أعلنت فرنسا استقلال مستعمراتها السابقة، لكن ذلك كان في مقابل تعويض ضخم أصبح حملًا ثقيلًا على أهل هايتي الذين نجوا من حمامات الدم التي تسببت فيها البعثات العسكرية المتتالية التي أرسلت ضدهم.

وهكذا دفعت هايتي ثمن الاستقلال، وكما يقول إدواردو غاليانو: «لقد وُلد البلد في الحطام، ولم يشف من هذا الحطام أبدًا». يعيش في هايتي اليوم ما يقرب من 11 مليون نسمة، يبلغ متوسط أعمارهم 64 عامًا. معظم سكانها من الأفارقة الذين جلبهم الاستعمار بأعداد هائلة في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وتعيش في البلاد أقلية من العرب من دول اليمن ولبنان وسوريا وفلسطين وصلوا إلى هناك في القرن التاسع عشر.

في عام 2010، خلّف الزلزال 300 ألف حالة وفاة في هايتي التي يرتبط اسمها في نشرات الأخبار بالكوارث الطبيعية غالبًا؛ ففي العام نفسه تفشى مرض الكوليرا بين سكانها الذي خلّف آلاف القتلى، بحيث يبدو سكانها وكأنهم في هوة سحيقة من الفقر لا تتوقف عن الغوص بهم.

بسبب عدم الاستقرار السياسي لا يزال 37 ألف شخص يعيشون في مخيمات النازحين منذ زلزال عام 2010، وهم الأكثر عرضة لوباء الكوليرا الذي تسبب في وفاة أكثر من 9 آلاف شخص، وإصابة أكثر من 800 ألف آخرين.

اليوم وفقّا لمعدلات الفقر يحصل 70.99% من السكان هناك على دولارين أو أقل يوميًّا، ويواجه كثيرون انعدام الأمن الغذائي، وبلغت الديون الخارجية أكثر من ملياري دولار في عام 2016. وبلغ متوسط الأعمار 62 عامًا. بينما بلغ في العام نفسه لدى جارتها الجمهورية الدومينيكية 72 عامًا.

كما تعتبر الأمية إحدى المشكلات الرئيسية في هايتي؛ فقط 45% من السكان يعرفون القراءة والكتابة. ووفقًا لـ«صندوق الأمم المتحدة الإنمائي»، فإن ما يقرب من نصف السكان الذين تتجاوز أعمارهم 15 عامًا لا يعرفون القراءة والكتابة. فضلًا عن انخفاض جودة التعليم، إذ تدير الكيانات الخاصة 85% من المدارس، وتفرض رسومًا باهظة لا تتحملها الأسر ذات الدخل المنخفض. وبالتالي لا يزال أكثر من 500 ألف طفل لم يلتحقوا بالمدرسة.

دول بلا جيوش تتقدم العالم في الأمن والسعادة

لماذا غرقت في الفقر؟

ظل شعب هايتي يدفع ثمن الماضي الطويل من الكفاح ضد الاستعمار، فقد عاشت هايتي لاحقًا ثلاثة عقود من الاستعمار الأمريكي في القرن العشرين، وبين عامي 1915 و1934 دخلت القوات الأمريكية أراضيها بحجة المساعدة في إرساء الديمقراطية في هايتي، لكنها ارتكبت هناك أعمالًا قمعية، ورسخت الفصل العنصري.

واستقلت هايتي عام 1934، لتعيش في اضطرابات اجتماعية وانقلابات سياسية متتالية. حتى أنها لشدة ما شهدته من اضطرابات سياسية وعدم استقرار على مر تاريخها، غيّرت علمها تسع مرات، أغلبها تلوّن فيها علم البلاد بألوان أعلام دول مستعمرة، مثل فرنسا وإسبانيا.

مدينة جيريمي في هايتي– مصدر الصورة

كان التعويض الذي طلبته فرنسا نظير الاسقلال هو 150 مليون فرنك ذهبي (وهو ما يعادل ما يزيد على 21600 مليون دولار في الوقت الحاضر)، كان تعويضًا عن «الأضرار الناجمة عن فقدان السادة الفرنسيين للممتلكات والأراضي والعبيد»، تمكّنت البلاد فقط في عام 1947 من إلغاء هذه الديون، بعد أكثر من قرن. فكيف لدولة ناشئة أن تتطور بعد هذا الفناء؟

بينما يرى البعض أن للفساد دورًا كبيرًا فيما حدث في هايتي من فقر، فقد تعاقبت الديكتاتوريات بين عامي 1843 و1915، إذ حكمها 22 رئيسًا انتهى حكمهم بالقتل أو الانقلاب عليهم. وتسللت المحسوبية واختلاس الأموال.

ولكن العامل الحاسم للفقر في هايتي هو إزالة الغابات. فقد دُمر أكثر من 98% من الغابات تدميرًا تدريجيًّا لإنتاج الفحم، مما ساهم في تآكل التربة والتصحر وفقدان الأرض لقدرتها الإنتاجية، فضلًا عن أن كون سكانها «عبيدًا سودًا» جعل الدول الأخرى تتدخل في شؤونها وتشكك في قدرة سكانها على الحكم الذاتي، ومن ثم فقد فرضت على هايتي العزلة لهذا السبب.

مصدر صورة الهيدر 

المصادر

تحميل المزيد