بولندا واسرائيل

 كل عام، يخرج آلاف الطلبة الإسرائيليين في جولات تعم شوارع بولندا من أجل «التعلم عن المحرقة»، في هذه الجولات التي تبلغ ذروتها مع إحياء ذكرى المحرقة النازية؛ يلوح الطلبة بالأعلام الإسرائيلية، وعيونهم تنضح بالكراهية للبولنديين، ينظرون إليهم كما لو أنهم «يرون الشيطان والجثث» كما قال الرئيس البولندي ليخا كازينسكي.

مقابل ذلك، يذهب هؤلاء وغيرهم إلى العاصمة الألمانية برلين، ويجلسون في المقاهي المجاورة لمقر «جيستابو» الذي أسسه الحزب النازي وهم يشعرون بالارتياح مبتهجين بالثقافة والفن الألمانيين، هذا المشهد المتناقض ناجم عن الإصرار الإسرائيلي بتحميل بولندا التي تعد من أشد ضحايا ألمانيا النازية مسؤولية المحرقة النازية، حين قتل الزعيم الألماني أدولف هتلر 3 مليون يهودي في معسكرات أقامها وأدارها في بولندا، وذلك مقابل الغفران لألمانيا التي اعترفت بمسؤوليتها عن المحرقة.

بولندا تتقرب إلى تل أبيب التي «لا تغفر»

كانت بولندا كجملة دول الكتلة الشرقية الأوروبية، تتبع السياسة الخارجية السوفيتية ذات العلاقة المتدهورة مع إسرائيل منذ عام 1951، ومع تزايد تقارب الاتحاد السوفيتي مع الدول العربية اتبعت بولندا ذات السياسة في تطوير علاقاتها مع الدول العربية.

طلبة إسرائيليون يرفعون أعلامهم عند بوابة معسكر نازي سابق في بولندا

لذلك كسرت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل إثر حرب العام 1967، ولم تستأنفها كعلاقات دبلوماسية كاملة إلا في فبراير (شباط) 1990، إذ كانت بولندا أول دولة في الكتلة السوفيتية تبدأ عملية تحسين العلاقات مع إسرائيل. لكن قبل هذا التاريخ وتحديدًا في  عام 1987؛ أقامت بولندا علاقات منخفضة المستوى مع إسرائيل، فافتتح الطرفان مكاتب تمثيل المصالح، في تل أبيب وفي وارسو، ومع ذلك حرصت بولندا على ألا تزعج علاقتها مع إسرائيل آنذاك الدول العربية، و بالفعل واصلت تأييد حقوق الفلسطينيين، خاصة حقهم في تقرير المصير.

وتوجت بولندا عودة العلاقات مع إسرائيل، بزيارة الرئيس البولندي ليخ كازينسكي إلى تل أبيب في مايو (أيار) عام 1991، وظهوره في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي ليعلن نهجًا جديدًا للعلاقات البولندية اليهودية. وانساقت وارسو تلبي الرغبات الإسرائيلية بمساعدة تل أبيب في التأثير على سياسة الاتحاد الأوروبي، وحققت أمنية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإنشاء تحالفات سياسية في أوروبا الوسطى، إذ كانت بولندا واحدة من تلك الدول التي قدمت صوتها داخل الاتحاد الأوروبي لصالح إسرائيل ضد دول أوروبية أخرى تتخذ مواقف مؤيدة للفلسطينيين، بما في ذلك دعمها قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.

من اضطهدهم حقًا؟ مقارنة بين تاريخ اليهود في العالمين الإسلامي والمسيحي

لكن هذا «العطاء البولندي» لم يلجم الإسرائيليين عن حديثهم المتواصل بأن بولندا حكومةً وشعبًا قد شاركت في المحرقة النازية التي ارتكبت خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945) على يد الزعيم الألماني أدولف هتلر، وكانت معظم أحداثها في بولندا، حيث قتل فيها 6 مليون يهودي نصفهم قتل في بولندا. وتروج أنه ما يزال ينتشر في بولندا خطاب الكراهية المعادي للسامية، وأن العديد من السياسيين البولنديين والشخصيات البارزة يواصلون بث مشاعر معادية للسامية، كأن يقول القائم بأعمال وزير الخارجية، يسرائيل كاتس، إن: «البولنديين رضعوا اللاسامية من حليب أمهاتهم».

بيد أن الحكومة البولندية التي تعترف بارتكاب بعض البولنديين أعمال ساعدت الألمان في المحرقة بغية الحصول على مكافآت أو خوفًا من النازيين، حرصت أيضًا على التصدي لما يحاول الإسرائيليين ترسيخه، فتؤكد على أن الكثير من البولنديين أنقذوا اليهود خلال الحرب العالمية الثانية وخاطروا بحياتهم من أجل مساعدتهم، ولذلك قال الرئيس البولندي ليخا كازينسكي حين زار إسرائيل: «كنا دولة مغزوة، قتل 6 مليون بولندي في الحرب العالمية الثانية، نصفهم من اليهود، و طرد البولنديون من منازلهم، وتم إرسال مئات الآلاف إلى ألمانيا للقيام بأعمال السخرة، والعديد منهم لم يعودوا».

Embed from Getty Images

لافتة كتب عليها «هتلر مات» خلال مسيرة سنوية لإسرائيليين في بولندا

وواصل كازينسكي القول مخاطبًا وزيرة التعليم الإسرائيلية آنذاك يولي تامير: «أنا أفهم الألم الرهيب والحافز القوي لعدم نسيان ما حدث، لكنكم غفرتم للألمان، غفرتم لأنهم اشتروا غفرانكم بالمال، ونحن كنا فقراء وتحت السيطرة الطاغية السوفييتية، لذلك لم نتمكن من تقديم شيء لكم، فاتخذتم قرارًا بتحويل حريقكم إلينا».

هل بصقت بولندا في وجه إسرائيل مرتين؟

على جانب آخر يواصل الإسرائيليون تحميل الدولة البولندية بطريقة ما المسؤولية عن المحرقة النازية، وانكبابًا نحو ذلك عكف الإسرائيليون نحو وصم المعسكرات التي بنتها وأدارتها ألمانيا النازية في بولندا حين غزتها عام 1939 بكون البولنديين هم الذين بنوا هذه المعسكرات وأداروها.

وفي إطار التصدي البولندي لهذه السياسة الإسرائيلية، رفضت بولندا منذ فترة طويلة استخدام عبارات مثل «معسكرات الموت البولندية»، فقررت إصدار تشريع يعاقب بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات من يستخدم هذا المصطلح. وقد صوت في السادس من فبراير 2018 على هذا القانون أعضاء مجلس الشيوخ، فأيده 57 نائبًا مقابل 23 نائب رفضوه وامتنع اثنان عن التصويت، وينص القانون الجديد على: «إن كل من يتهم علنًا الأمة البولندية، أو الدولة البولندية، بأنها مسؤولة أو متواطئة في الجرائم النازية التي ارتكبها الرايخ الألماني الثالث، يتعرض لغرامة مالية أو عقوبة سجن تصل إلى ثلاث سنوات، ولكن لا يوجه للشخص أي اتهام إذا كان فعله جزء من الأنشطة الفنية أو العلمية».

كما يمنع القانون استعمال أي عبارة تربط بولندا بالجرائم النازية، مثل استخدام مصطلح «المحارق البولندية» أو «أفران الغاز في بولندا».

وكانت إسرائيل قد تلقت خبر الرغبة البولندية بإصدار هذا القانون عشية احتفالها باليوم العالمي لذكرى المحرقة في 27 يناير (كانون الثاني) 2018، فانطلقت نحو الترويج الغاضب بأن هذا القانون سيمنع ناجين يهود من رواية تجاربهم، ويلاحقهم إثر إدلائهم بشهاداتهم في حال ارتبطت بتورط البولنديين في جرائم حرب، واحتدت التصريحات الإسرائيلية ضد بولندا أكثر بعد هذا القانون، فقال وزير الإسكان الإسرائيلي يوآف غالانت إنه: «لا يمكن تقبل إنكار المحرقة ولا يمكن تجاهل قرار مجلس الشيوخ البولندي.. اللاسامية البولندية كانت تزيّت عجلات النازية»، فيما قالت عضو الكنيست السابقة تسيبي ليفني إن: «بولندا بصقت مرتين في وجه إسرائيل، مرة كدولة الشعب اليهودي التي تهتم بعدم وقوع محرقة أخرى، ومرة ثانية بصقت في وجه رئيس الحكومة الذي توصل لاتفاق مع نظيره البولندي، وبعد ذلك تم تجاهل الاتفاق».

وبالتزامن مع ذلك لم تغفر إسرائيل لرئيس وزراء بولندا متاوش موربييتسكي حين لمح لوجود جناة يهود عملوا لصالح النازيين في الحرب العالمية الثانية إثر تفاقم الانتقادات الإسرائيلية على القانون، فقال: «لن يعاقب ولن يجرم من يقول إنه كان هناك جناة بولنديون (شاركوا في المحرقة) كما كان هناك جناة يهود وآخرون أوكرانيون أو ألمان».

وأطلقت جهات إسرائيلية أمريكية حملة بعنوان «المحرقة البولندية» لتحث الولايات المتحدة على تعليق علاقاتها مع الأمة الأوروبية بشأن القانون حتى أصبح زعماء بولندا غير مرحب بهم في البيت الأبيض، وفعليًا تحرك الدبلوماسيون الأمريكيون وقالوا إن قانون المحرقة «غير مقبول» وحذروا وارسو من عواقب سلبية في حال تم تمريره قانون.

الهولوكست المنسي.. حين حولت فرنسا الجزائر إلى حقل للتجارب النووية الإسرائيلية!

«حق الرد البولندي» يتعارض مع التحالف مع واشنطن

تهتم الحكومة البولندية بشكل كبير بإرضاء واشنطن، التي تدعمها؛ كأن تمنح وزارة الدفاع البولندية فيها قبل أيام صفقة وصلت قيمتها إلى 414 مليون دولار، تم فيها شراء 20 طائرة هليكوبتر عالية المدفعية من طراز هيمارس من الولايات المتحدة.
Embed from Getty Images

صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جاريد كوشنر، والمستشار الأول لترامب يتوقفان عند إكليل من الزهور مع الرئيس البولندي أندريه دودا في معسكر اعتقال محتشد «أوشفيتز» ببولندا.

وتتعاون وارسوا مع واشنطن بشكل وثيق في قضايا مكافحة الإرهاب ومنع الانتشار النووي والدفاع الصاروخي وحقوق الإنسان والابتكار الاقتصادي والتعاون الإقليمي في وسط وشرق أوروبا، وهو التعاون أو «المنح» الذي خول واشنطن للضغط على بولندا للتراجع عن قانون المحرقة.

فتحت وطأة الضغط الإسرائيلي المبارك من الولايات المتحدة الأمريكية، قررت بولندا في 25 من فبراير  2018 تعديل القانون بإلغاء الفقرة التي تنص على عقوبة السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات على الذين يحمّلون «الأمة أو الدولة البولندية المسؤولية أو المسؤولية المشتركة عن الجرائم التي ارتكبها الرايخ الثالث»، وكذلك للضغط على بولندا لإقرار قانون رسمي لإعادة الممتلكات التي سُرقت من اليهود خلال المحرقة، بعد أن كانت بولندا قد قررت في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 مشروع قانون يمنع منح اليهود الناجين من المحرقة النازية تعويضات مالية عن ممتلكاتهم المصادرة خلال الحرب العالمية الثانية إن لم يكونوا مواطنين بولنديين، وعملت الولايات بالشراكة مع إسرائيل للتصدي للمشروع تحت ذريعة أن هذه الشروط قد لا تنطبق على غالبية الناجين من المحرقة ممن تركوا بولندا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.

Embed from Getty Images

نتنياهو مع رئيس وزراء بلغاريا بويكو بوريسوف في حفل افتتاح النصب التذكاري ليهود بلغاريا

لكن هذا الإلغاء لم يلجم التباكي الإسرائيلي على المحرقة عن الحكومة البولندية، ففيما كانت بولندا تعمل بدقة لإنجاح مؤتمر وارسو للسلام في الشرق الأوسط الذي عقد بين يومي 13 و14 فبراير الجاري في وارسو، لبناء تحالف مناهض لطهران، اقتحم حرصها على إحداث موازنة حساسة، تهدف لعدم إزعاج حلفائهم الأوروبيين في الوقت الذي تريح فيه الأمريكيين بتنظيم هذا المؤتمر برعايتهم «كابوس» نال من الدبلوماسية البولندية، وذلك حين كرر نتنياهو الذي وصل وارسو للمشاركة في المؤتمر أقوالًا إسرائيلية -لكن هذه المرة في عقر دار البولنديين- بأن البولنديين تعاونوا مع الألمان عندما وقعت أحداث المحارق النازية، فنتنياهو الذي كان مبتهجًا بجلوسه على طاولة واحدة مع الوفود العربية، لم يفوت الفرصة للتنغيص على بولندا بذكر ماضٍ دموي يدعم مزاعم إسرائيل بأن بولندا لها دور في المحرقة الإسرائيلية.

وقد دفعت جملة التصريحات الإسرائيلية التي كان آخرها ما قاله نتنياهو ببولندا إلى اتخاذ قرار خلال الساعات الماضية بإلغاء مشاركتها في مؤتمر لدول مجموعة «فيشغراد» -وهي أربع دول وسط أوروبا- كان من المقرر أن يبدأ يوم 18 من فبراير الجاري في إسرائيل.

مترجم: إسرائيل والتبشيريون.. سفارة أمريكا علامة على تحالف يزدهر

المصادر

تحميل المزيد