منذ أيام خرج الآلاف في مسيرات حاشدة لدعمِ القضية الفلسطينية في وسط دبلن، العاصمة الأيرلندية، احتجاجًا على تصاعد العدوان الإسرائيلي على حي الشيخ جراح، وعلى غزة في الأيام الماضية.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يتضامن فيها الأيرلنديون مع الفلسطينيين، إذ يعود هذا التضامن إلى منتصف القرن العشرين، فبعد انضمام أيرلندا إلى «الاتحاد الأوروبي» عام 1973، كانت العضو الأول المُنادي بقيام دولة فلسطين، في عام 1980، فما السبب وراء دعم أيرلندا الكبير للقضية الفلسطينية، رغم أنها كانت يومًا ما مناصرة للحركة الصهيونية وتطلعاتها؟ هذا ما نتناوله بالبحث في السطور التالية.

مسيرة إلى «السفارة الإسرائيلية».. المظاهرات الأخيرة في العاصمة دبلن

مع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، تجمَّع مئات الأيرندليين استعدادًا لمسيرة حاشدة اتجهت نحو السفارة الإسرائيلية تنديدًا بالعدوان على غزة. وسرعان ما تحول المئات إلى آلاف في شوارع العاصمة الأيرلندية، ملوحين بالأعلام الفلسطينية، ومنادين بمقاطعة إسرائيل، بهتافاتٍ مثل «من النهر إلى البحر، فلسطين ستتحرر – From the river to the sea, Palestine will be free».

عن ذلك تقول فاتن التميمي، رئيسة حملة «التضامن الإيرلندي الفلسطيني»: «نريد أن نظهر دعمنا للفلسطينين الذين طردوا من منازلهم في القدس الشرقية، وتعرضوا للقصف بالقنابل أثناء الصلاة في المسجد الأقصى، والآن يتعرضون للقصف العشوائي في غزة».

وردًا على التصعيدات الأخيرة، ندد سيمون كوفيني، وزير الخارجية الأيرلندي، بالعدوان الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن ربع الوفيات في قطاع غزة حتى يوم السبت الفائت كان من الأطفال، إذ راح ضحيتها حوالي 32 طفلًا، وقال: «ما حدث أمرٌ غير مقبول، خاصةً وأن إسرائيل عليها التزام قانوني تجاه حماية الأطفال في النزاع، وهو ما لم تفعله»، ويأتي هذا التصريح أكثر حدة تجاه إسرائيل من تصريحات دول أخرى مثل الولايات المتحدة، التي تردّد المتحدث باسم وزارة خارجيتها عند سؤاله إذا ما كانت أمريكا تُندد بقتل الأطفال الفلسطينيين.

وردّ السفير الإسرائيلي لدى أيرلندا، أوفير كاريف، على المسيرات الأخيرة في دبلن، متهمًا بعض السياسيين الأيرلنديين بنشرِ «خطاب الكراهية» ضد الدولة اليهودية، مروّجًا لصورة أن إسرائيل تريد إنهاء «الصراع» مع الفلسطينيين، ولكن تحرّك فصائل المقاومة في غزّة عطّلها، ويطالب سياسيون أرلنديون الآن بطرد السفير ردًا على التصعيد الإسرائيلي في فلسطين.

من دعم الحركة الصهيونية إلى دعم القضية الفلسطينية.. ما الذي حصل؟

تحتل «القضية الفلسطينية» اليوم مكانًا خاصًا في وعي الشعب الأيرلندي، بما يتجاوز الحسابات الاقتصادية والسياسية، وهو الأمر الذي يعده بعض الباحثين تحولًا كبيرًا في الموقف الأيرلندي عن ثلاثينات القرن الماضي، حين كانت أيرلندا تتعاطف مع «الحركة الصهيونية»، وتُشبّه معاناة اليهود في أوروبا بمعاناة الأيرلنديين مع البريطانيين، ورأى الأيرلنديون حينها أن اليهود يُعانون مثلهم من التهجير القسري من أراضي سكنوها لوقت طويل.

هذا التعاطف الأيرلندي في تلك الفترة، جاء نتيجةً لوجود عدوّ مشترك بين الأيرلنديين وبين الحركة الصهيونية: بريطانيا، التي كانت تقاتلها الحركة الصهيونية آنذاك – علنًا وسرًا – في فلسطين الانتدابية، واستهدفت العصابات الصهيونية المبكّرة ضباط الاستعمار البريطاني المناوئين للهجرة اليهودية أو المترددين عن دعمها، ولاحقًا استهدفوهم لتعجيل الخروج البريطاني من فلسطين.

هذه القناعة بالتشابه بين مشروع الحركة الصهيونية والمقاومة الأيرلندية، تتضح فيما كتبه مراسل مجلة «بيل» الأيرلندية عام 1945: «لا يمكن نسيان أن الشعب الأيرلندي تعرض لكل ما يتعرض له الشعب اليهودي في فلسطين من معاناة على يد العصابات المسلحة المدربة والإرهابيين البريطانيين التي فرضتها قوات الانتداب على البلاد». ولكن وجهة النظر هذه سرعان ما ستتغير عندما كشفَ المشروع الصهيوني عن وجهه في عام 1948 بتشريد مئات آلاف الفلسطينيين وتقسيم فلسطين.

Embed from Getty Images

لوحة جدارية من إيرلندا، عام 2002

احتلّت بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى فلسطين، وسقطت القدس في يدها عام 1917، بعد معارك ضارية مع العثمانيين خاصةً في غزة، وجاء «وعد بلفور» الشهير، ليعد بإقامة وطن قوميّ لليهود في فلسطين ليكون ركيزةً للمشروع الصهيوني ومصدر شرعية أكبر للهجرة اليهودية الاستيطانية.

ومع مرور السنوات، نظّم المهاجرون اليهود أنفسهم في عصابات مسلحة لمواجهة الفلسطينيين وحماية المستوطنات الجديدة، ثم استخدموها لمهاجمة قوات الانتداب البريطاني لتسريع خروج بريطانيا للوصول للحظة إعلان قيام إسرائيل بتشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين في «النكبة» عام 1948، وهذه المقاومة الصهيونية ضدّ بريطانيا، التي رَعَت بالأساس الهجرات اليهودية، عزّزت التضامن الأيرلندي مع الحركة الصهيونية.

ولكن الموقف الأيرلندي ما لبث أن تغير تجاه إسرائيل، فبعد تقسيم فلسطين بقرار أممي، بدأت القناعة الأيرلندية تتغيّر، وبدا أن تشابه القضية الأيرلندية مع القضية الفلسطينية أكثر، فقد عانى الشعب الأيرلندي أيضًا من تقسيم شمال الجزيرة الأيرلندية إلى ستة أقاليم على يد التاج البريطاني.

لهذا تدعم أيرلندا الشعب الفلسطيني

باتريك كوكبيرن، مراسل عسكري وصحافي أيرلندي، يحكي عن رحلته إلى إسرائيل عام 1976، وذلك بعد قضائه ثلاث سنوات في أيرلندا الشمالية للحصول على درجته الجامعية الثانية، قائلًا: «أدهشني التشابه بين البلدين».

ويقول كوكبيرن: إن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية خلال الأيام الماضية يشبه ما فعلته بريطانيا قبل نصف قرن من الزمان في أيرلندا؛ إذ كشف تحقيقٌ عن مقتل مجموعة من الأبرياء على يد جنود في الجيش البريطاني عام 1971، كان أغلب الحضايا مدنيين، في حدث عُرف باسم «مذبحة باليمورفي»، وآنذاك اتهمت القوات البريطانية القتلى بأنهم مسلّحون، وألقوا عليهم المولوتوف وقنابل حارقة، إلا أن التحقيقات لاحقًا أثبتت أن أغلبهم كانوا من المدنيين، وأن تصرفات الجيش البريطاني كانت «غير مبررة».

يتحدث عد المراسل الصحافي عن التشابه بين ما يحدث داخل قطاع غزة اليوم وبين ما حصل سابقًا في أيرلندا، إذ ما تزال القوة العسكرية المتفوقة توظّف لحل القضية، وهو ما لم ينجح سابقًا في حالة أيرلندا.

نفس الأسلوب تستخدمه آلة الحرب الإسرائيلية، ويتوعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قادة «حماس» و«حركة الجهاد الإسلامي» بأنهم سيدفعون ثمن ما يحصل، وتخرج الطائرات لتضرب مباني مدنية، وتقتل مدنيين من بينهم أطفال ونساء عُزل.

يقول كوكبيرن عن ذلك: «بالفعل سيدفعون الثمن، لكن ليسوا وحدهم؛ لأن من يدفع الثمن الأكبر المدنيون في غزة، تمامًا كما حدث في الصراع الفائت عام 2014 في الحرب التي استمرت 63 يومًا وراح ضحيتها حوالي 2000 فلسطيني».

Embed from Getty Images

جانب من جدار الفصل العنصري في فلسطين والأراضي المحتلة

ومع قضية حي الشيخ جراح ومحاولات المستوطنين تهجير الفلسطينيين المقيمين في الحي قسريًا، يتذكر الأيرلنديون معاناتهم مع التهجير قبل أكثر من 100 عام على يد البريطانيين، ويذكرهم بالمقاومة المسلحة ضدها بهدف توحيد الأراضي الأيرلندية.

وعانى الأيرلنديون أيضًا من الاعتقال في سجون الاحتلال البريطاني، دونَ تهمٍ ثابتة وواقعية، بل من التعذيب أيضًا أثناء فترة الحرب مع بريطانيا، مثلما يحصل في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وقاوم الأسرى الأيرلنديون بالإضراب عن الطعام، وهو نفس الأسلوب الذي يتبعه الأسرى الفلسطينيون حتى اليوم.

هذه التشابهات تحفّز الدعم الأيرلندي للقضية الفلسطينية، وغّذت الدفع باتجاه تخفيض العلاقات التجارية والسياسية مع إسرائيل، طالما لم تتوقف عن انتهاك القانون الدولي وقتل المدنيين.

الجدير بالذكر أن أيرلندا أول دولة أوروبية رفعت لواء القضية الفلسطينية داخل أوروبا، بل كانت آخر من سمح لإسرائيل بإقامة سفارة على أراضيها عام 1993، كما أن العلاقات الأيرلندية الإسرائيلية ظلّت تسوء منذ عام 1978 وحتى عام 2000، بعد مقتل الكثير من الجنود الأيرلنديين المشاركين في بعثة الأمم المتحدة في لبنان على يد القوات الإسرائيلية وحلفائها من ميليشيات لبنانية، وقُتل في لبنان أكثر من 45 فردًا من القوات الأيرلندية، وتتهم أيرلندا إسرائيل بقتل 15 واحدًا منهم على الأقل.

لم يتوقف التضامن الأيرلندي عند هذا الحد، ففي 2018، على سبيل المثال، طرحت السيناتورة الأيرلندية فرانسيس بلاك مشروعَ «قانون الأراضي المحتلة»، والذي ينص على حظر استيراد أية سلع من المستوطنات الإسرائيلية، وقد استُبعد القانون لاحقًا، وتتجدد حملات مستمرة تدعو لمقاطعة إسرائيل سياسيًا، أو اقتصاديًا، وثقافيًا، وتعكسُ هذه الحملات وجود وعي أكبر بالقضية الفلسطينية على المستوى غير الرسمي في أوروبا.

ومنذ بدء التضامن الأيرلندي مع الفلسطينيين، نشأت مجموعة من حملات التضامن للدفاع عن حرية الفلسطينيين، أشهرها كانت «حملة التضامن الأيرلندي الفلسطيني»، والتي أسسها عام 2001 مجموعة أيرلنديين، ونشطاء حقوق الإنسان، وأكاديميون وصحافيون، وذلك بالتعاون مع الفلسطينيين الذين يعيشون في أيرلندا، لتقديم الدعم لضحايا الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
جريمة قانونية ودولية.. تعرف إلى نظام «الأبارتايد» الذي تطبّقه إسرائيل

المصادر

تحميل المزيد