تمهيد

حتى نكون منصفين مع القارئ العربي، لا يمكن حصر كلمة الحركة الإسلامية في الحزب الذي يقود الحكومة حاليًا لأن المغرب يتوفر على أكثر من تيار يمكن وصفه بالإسلامي، يمكن تلخيصها في ثلاثة رئيسية:

تيار العدالة والتنمية: وهو التيار الذي انبثقت منه عدة منظمات كحركة التوحيد والإصلاح الدعوية، وحزب العدالة والتنمية السياسي، ونقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، إضافة إلى عشرات الجمعيات الفئوية للنساء والطلبة والأطر والكشفية وغيرها.

ويمثل عمومًا تيارًا إسلاميًّا سنيًّا معتدلًا يتبنى فكرة الإصلاح التدريجي من داخل المؤسسات، ومتأثرًا تنظيميًّا بفكر الإخوان المسلمين لا سيما رشيد رضا وحسن البنا وغيرهما من أوائل منظري تنظيم “العمل الإسلامي”. غير أن هذا التيار تميز باستقلاله وتميزه فكريًّا وسياسيًّا عن باقي التنظيمات الإسلامية في الشرق العربي.

جماعة العدل والإحسان: صوفية المسلك، أسسها الراحل عبد السلام ياسين في سبعينيات القرن الماضي بعد انشقاقه عن الزواية القادرية البودشيشية، وهي معارضة للنظام الملكي، مما تسبب في حظرها واعتقال مؤسسها وفرض الإقامة الجبرية عليه لسنوات، قبل رفعها من طرف الملك محمد السادس مع تولي العرش.

ورغم تخفيف القيود نسبيًّا عن نشاطاتها ونشاطات جمعياتها الموازية، إلا أنها ما زالت تعاني من مضايقات منها عدم توفرها على وضعية قانونية، وحجز منازل قيادييها بمن فيهم الأمين العام الحالي للجماعة، واعتقال بعض النشطاء بتهم وهمية، إضافة إلى منع بعض أنشطتها حسب درجة التوتر السياسي بينها وبين النظام.

عبد السلام ياسين، مؤسس جماعة العدل والإحسان الراحل

ويذكر أن الجماعة، التي توصف إعلاميًّا بكونها أكبر تنظيم سياسي ودعوي في المغرب، كانت أحد أقوى مكونات حركة الـ20 من فبراير قبل أن تخرج منها عقب انتخاب حكومة عبد الإله بن كيران في شتاء سنة 2011، مما ساهم في خفوت نجم الحركة الاحتجاجية المغربية بشكل كبير.

كما أن الجماعة تقاطع كل أشكال المشاركة في الانتخابات نظرًا لكونها مفتقدة للشرعية والنزاهة من وجهة نظرها.

الحالة السلفية: بدأ التيار السلفي في المغرب بتشجيع كبير من نظام الملك الراحل الحسن الثاني، وذلك قصد مواجهة التيار اليساري المعارض القوي والمتغلغل شعبيًّا طيلة الأربعين سنة التي تلت استقلال المغرب سنة 1956، لكن الطلاق البائن حدث عقب اعتداءات الدار البيضاء سنة 2003، حيث شن النظام بلا هوادة حملة اعتقالات واسعة في صفوف معظم قيادات ومنتسبي التيار السلفي جرت على المغرب انتقادات حقوقية دولية قوية واختفى على أثرها الصوت السلفي من المشهد الإسلامي السياسي المغربي.

غير أنه عقب الربيع العربي، وإعلان مجموعة من القادة السلفيين مراجعات فكرية عميقة من داخل السجون، حدث شرخ في المواجهة المفتوحة بين السلفيين والنظام استرجع على أثرها عدد من القيادات والمنسبين حرياتهم، غير أنه سرعان ما تم إغلاق قوس الانفراج هذا عقب تورط عدد من السلفيين المحررين في تكوين شبكات المقاتلين المتطوعين للجماعات السورية المسلحة، مما سبب للنظام المغربي حرجًا دوليًّا خوفًا مما قد يخطط له السلفيون العائدون من جبهات القتال في الشرق العربي.

ورغم ذلك، فإن عددًا من القيادات السلفية المحررة أخذت منحى آخر، سواء بالعمل الاجتماعي والإعلامي، أو بالانخراط سياسيًّا في أحزاب صغيرة معروفة بقربها من النظام الحاكم، كحزب النهضة والفضيلة، في حين قرر عدد آخر التفرغ للعمل الدعوي واعتزال الأمور السياسية.

زعماء سلفيون مغربيون خرجوا من السجن عقب عفو ملكي سنة 2012، وصفت منظمات حقوقية اعتقالهم وسجنهم بالتعسفي.

في هذا التحليل الإخباري تقدم “ساسة بوست” نظرة عامة للقارئ العربي عن تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي الذي نجح في تحقيق انتصارات كبيرة في آخر عمليتين انتخابيتين عرفهما المغرب: التشريعية (2011)، والتي منح على أثرها الحزب الإسلامي رئاسة الحكومة طبقًا للدستور المغربي في شخص أمينه العام عبد الإله بن كيران، رئيس الائتلاف الحاكم. والمحلية (جرت قبل أيام قليلة) والتي تمكن من خلالها حزب العدالة والتنمية تتبيث مكانته السياسة وتأمين سيطرته على جل المدن الكبرى في المغرب لأول مرة في تاريخه.

كما نستعرض أسباب نجاح الإسلاميين في البقاء وتعزيز مركزهم بالحكم خلافًا للتجربتين المشابهتين: التونسية، حيث عانت حركة النهضة الأمرين مما اضطرها للقبول بالتخلي عن الحكم طواعية، وحركة الإخوان المسلمين التي وقعت في مواجهة شرسة مع النظام المصري الحالي، الذي نجح في قلب الرئيس المصري السابق محمد مرسي وإنهاء تفرد حزب الحرية والعدالة بتسيير المؤسسات الدستورية.

في ماذا نجح حزب العدالة والتنمية المغربي؟

يمكن تلخيص نجاحات تجربة العدالة والتنمية في نقطتين أساسيتين

الأولى، التطبيع الكامل مع النظام المغربي، والذي دأب على النظر بعين الريبة لخطابات ومشاريع الحزب الإسلامي، وهو ما جر على ابن كيران مضايقات سياسية جمة ولمدة طويلة تتمثل في الأساس في تدخل الإدارة المغربية في الانتخابات بكل أشكاله لوقف توسع الحزب ولو على حساب إرادة المواطنين، ثم تهميش الحزب وأطره في المؤسسات الدستورية والإعلام. وهو ما نجح عبد الإله بن كيران في تجاوزه لدرجة صار معها النظام يتعامل من الحزب كتنظيم سياسي عادي شأنه شأن باقي أحزاب الطيف المغربي. وتحييد الإدارة اتجاهه، وهو ما ظهر جليًّا في آخر انتخابات حيث توقفت الإدارة نسبيًّا عن دعم الأحزاب المناوئة للإسلاميين والقريبة من النظام كحزب الأصالة والمعاصرة مثلًا، ومعاقبة وزارة الداخلية علنيًّا لأكثر من 270 عون سلطة تورط علنيًّا في شبهات انتخابية (موجهة ضد مرشحي حزب العدالة والتنمية عمومًا) خلال الانتخابات المحلية الأخيرة.

والأكثر من هذا، لم يجد النظام أدنى مشكلة في تولي زعيم الإسلاميين ابن كيران المسؤولية السياسية عن تنظيم الانتخابات بحكم أنه رئيس للحكومة.

غير أنه يجب الإشارة أن هذا التطبيع كان له ثمنه الباهظ، وهو ما سنوضحه خلال جرد أسباب النجاح.

الثانية، مكن تخلص الحزب الإسلامي من الضبابية في تعامله من النظام من حصوله على هامش حركة لم يتأت له طيلة تاريخ التيار الإسلامي المغربي عمومًا، لا سيما عبر فتح القنوات العمومية والاحتكاك اليومي مع الناس من موقع المسؤولية، إضافة إلى الاهتمام الإعلامي والشعبي المنقطع النظير لأنشطة وتصريحات رئيس الحكومة وزعيم الإسلاميين الإصلاحيين، وهو ما مكنه من تحقيق مكاسب جمة على الجانبين على الجانب التنظيمي والدعائي، فانعكس ذلك إيجابًا على كتلته الناخبة والتي تطورت بسرعة فائقة من الناخبين المتدينين إلى الجزء الأكبر من الطبقات الاجتماعية المسيسة، لا سيما الطبقة الوسطى المغربية والتي تتابع بشدة تطور الساحة السياسية الوطنية، فكانت نتيجة حتمية أن سيطر الحزب الإسلامي على أغلب المدن الكبرى في المغرب من خلال الانتخابات المحلية الأخيرة، حيث نسبة التعليم عالية والتصويت سياسي بالأساس، تاركًا للقوى السياسية المناوئة له المدن الصغرى والبوادي حيث يغلب الطابع القبلي والمال السياسي في توجيه الناخبين.

أسباب النجاح السبعة

1- مع الملك.. التنازل مقابل الثقة

“إن كنتم تريدون رئيس حكومة يدخل في صراع آخر مع الملك فابحثوا لكم عن شخص آخر”.

هكذا ومن دون لبس صرح عبد الإله بن كيران لإحدى القنوات الفرنسية متوجهًا بحديثه إلى المغاربة بعد تعالي أصوات الانتقادات لطريقة ابن كيران في التعامل مع الملك، لا سيما خلال الفترة الأولى من توليه قيادة الائتلاف الحاكم في المغرب، حتى أن الكثير من المتابعين، بما فيه مركز كارنيجي، يصفون حزب العدالة والتنمية بإسلاميي صاحب الجلالة.

غير إن التعامل المرن لحزب العدالة والتنمية ليس صفة فردية لرئيسه أو مستجدة بتولي المسؤولية الحكومية، ذلك إن الحزب الإسلامي يعد من كبار داعمي الملكية في المغرب، رغم الضربات التي تلقاها من ملك المغرب ومحيطه، ذلك أن الملك الحسن الثاني رفض مرارًا تأسيس حزب إسلامي وعارضه بقوة، في حين أن الملك محمد السادس كاد يحل الحزب الإسلامي الإصلاحي سنة 2003 تحت ذريعة ما سمي حينها المسؤولية المعنوية عن هجمات الدار البيضاء، وخطاب الكراهية المغدي للإرهاب، دون أن ننسى قيام صديق الملك المقرب وأحد أبرز مستشاريه الحاليين فؤاد عالي الهمة بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008، الغريم الرئيسي لحزب ابن كيران حاليًا، وذلك لما قيل حينه عن أنه رغبة ملكية في كبح جماح الحزب الإسلامي.

كما أن حزب العدالة والتنمية رفع شعار “الشراكة في البناء الديمقراطي” في آخر مؤتمراته العامة سنة 2012، كدليل على رغبته في العمل إلى جانب الملك وليس ضده، وهو ما بدا جليًّا في مقترحات الحزب الداعمة للملك ولمكانته المركزية في النظام السياسي المغربي سنة 2011، أثناء صياغة الدستور المغربي الجديد، بعكس مقترحات تيارات حركة 20 فبراير التي نادت بإخراج الملك من السلطة التنفيذية والإبقاء به رمزيًّا على النمط البريطاني.

عمليًّا، يبقى التجلي الواضح لتوجهات ابن كيران المهادنة للملكية في تنازله عن عدة صلاحيات خولها له الدستور للملك، كليًّا أو جزئيًّا، كصلاحية التعيين في المناصب العليا، والتي تخلى ابن كيران طواعية عن التعيين في أكبر 40 مؤسسة دستورية فيها للملك أثناء صياغة القانون التنظيمي المتعلق بهذه الصلاحية سنة 2012، لا سيما في مجالات المخابرات، والأمن، والخارجية، والشركات الوطنية الكبرى، والإعلام، والتعليم، والشأن الديني…

رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران (يمين) والملك محمد السادس (يسار)

وفي المقابل، يبدو أن ابن كيران نجح جزئيًّا في رهانه، إذ إن كل المؤشرات تشير حاليًا إلى وجود تطبيع كامل في العلاقات بين الحزب والمؤسسة الملكية التي لا طالما ارتابت من توجهات العدالة والتنمية الإسلامي، إضافة إلى بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة رغم الهزات التي تعرضت لها حكومة ابن كيران، وأيضًا رغم المناخ الدولي المناسب لمحاربة الإسلاميين كما حدث في تونس واليمن ومصر خصوصًا.

ويبقى من علامات ذلك، حصول ابن كيران على حق الإشراف السياسي على تنظيم الانتخابات، مما ساهم في تحييد الإدارة ولو نسبيًّا، وهي التي لا طالما انحازت للأحزاب المقربة من النظام كحزب الأصالة والمعاصرة. وأيضًا، انتداب ابن كيران لتمثيل الملك في الخارج (عوض الأمراء الذين كانوا يمثلون الملك عادة)، كان أبرزها القمة العربية المنعقدة في مارس الماضي بمصر.

2- تفادي الصدامات في الملفات الحساسة

“عفا الله عما سلف”.

يعد شعار محاربة الفساد أحد أبرز العناويين الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، وذلك في كل الانتخابات التي شارك فيها، ذلك لإن الفساد السياسي يشكل إحدى أبرز المشاكل التي تلبد جو العملية السياسية المغربية، لا سيما عبر الاغتناء غير المشروع، واستغلال النفوذ، وتضخيم الصفقات العمومية، وتهريب الأموال إلى الخارج، وهي الأمور التي ذكرتها منظمة الشفافية الدولية في تقريرها الأخير والذي منحت من خلال الرتبة 80 للمملكة المغربية (من أصل 130 دولة في التنصنيف). غير أن تعامل ابن كيران مع مسألة الفساد خصوصًا، والذي تتورط فيه أسماء سياسية كبيرة حسب المتابعين، اتسم بنوع مع المرونة يتعارض وشعارات الحزب وأدبياته.

“عفا الله عما سلف”، جملة نطق بها رئيس الحكومة في أول خروج إعلامي له بعد تعيينه مع الجزيرة، أثارت صخبًا كبيرًا وجملة من الانتقادات على الزعيم الإسلامي سنة 2012، كان أبرزها انتقاد عبد العزيز أفتاتي، رئيس لجنة النزاهة في حزب العدالة والتنمية، تجاه ابن كيران.

على هذا المنوال، اكتفى رئيس الحكومة بالتركيز على محاربة الفساد في ما يلي حكمه دون النظر إلى ما تم اقترافه رغم خطورة ما أدى هذا الفساد إليه، كإفراغ صندوق التقاعد، وظهور جيش من الموظفين ليست الدولة بحاجة حقيقية إليه ويثقل ميزانية الدولة، إضافة إلى تحويل الأموال المتجهة إلى دعم السلعات الأساسية إلى جيوب مقاولين وشركات ذات ارتباطات سياسية معروفة مع النظام.

وكمثال على نهج ابن كيران، فضل رئيس الحكومة إلغاء دعم الكثير من السلع الأساسية (كالوقود والسكر والقمح) مما أدى إلى رفع أسعار هذه المواد، عوض وضع آليات صارمة للتفتيش والمحاسبة في صفقات الدعم مع الشركات المستفيدة والدخول في مواجهة مفتوحة مع من يقف وراءها من أطراف سياسية، وأيضًا، فضل زعيم العدالة والتنمية إعداد خطة جديدة للتقاعد يتوقع من خلاله رفع سن التقاعد تدريجيًّا من 60 إلى 65 سنة عوض محاسبة المسؤولين عن إفراغ صناديق التقاعد.

ورغم ما لاقى هذا النهج من معارضة شعبية، إلا أن مناصري تجربة ابن كيران يصرون على نجاعته مستدلين بعدة أرقام منها، عودة ما يقرب من 22 مليار درهم (2 مليار دولار) من الأموال المغربية المهربة للخارج بتشجيع من ابن كيران، وتوفير ما يقرب من 50 مليار درهم (4.8 مليار دولار) وتخفيض عجز الميزانية، وارتفاع الاستثمارات الدولية في المغرب إضافة إلى الإشادات الدائمة لصندوق النقد الدولي بطريقة تعامل ابن كيران مع المسائل المرتبطة بخفض العجز وتوفير نفقات الدولة.

لكن رغم ذلك، تبقى الكلفة الاجتماعية لهذا النهج مرتفعة وتساهم بشكل أو بآخر بتراجع شعبية زعيم الإسلاميين الكبيرة.

3- التركيز على الملفات الاجتماعية

قطب الرحى في سياسة وخطاب حزب العدالة والتنمية هو دعم الفئات الهشة من المجتمع كالفقراء والطلبة والمكفولين، لذلك سارع ابن كيران للقيام بإصلاحات اجتماعية حاول من خلالها تنفيذ جزء من الوعود التي قطعها على نفسه، كالقيام بإخراج دعم مباشر لأول مرة في تاريخ المغرب للمطلقات والأرامل المعوزات، والزيادة في منح الطلبة (لأول مرة منذ سنة 1972)، والرفع من الحد الأدنى للمعاشات، والرفع من الحد الأدنى للأجور في القطاعين العام والخاص، والتخفيض من أثمنة الأدوية، وإنهاء التوظيف المباشر (والذي كانت تستغله الأحزاب لتوظيف أنصارها والمقربين منها في الدوائر الحكومية)، ووضع نظام صارم للصفقات العمومية، ووضع نظام صارم للتوظيف والتعيين في المناصب الحكومية.

هذه الإصلاحات ساهمت بشكل كبير في التخفيف من وطأة الآثار الاجتماعية والاقتصادية في القضايا التي اختار فيها ابن كيران المهادنة عوض المواجهة كما تم الإشارة لذلك سابقًا.

لكن رغم ذلك، يعترف الزعيم الإسلامي وحزبه بكون هذه الإصلاحات غير كافية للوفاء بكل الوعود التي قطعها الحزب للشعب المغربي، ذلك لأن الكثير من الإصلاحات قد وجهت بمعارضة سياسية ذات خلفية اقتصادية من أصحاب المصالح المتضررين من تحويل أموال تلك الإصلاحات من نفقات الدعم أو الاستثمار العمومي إلى جيوب الفقراء مباشرة، إضافة إلى جزء كبير من أحزاب المعارضة التي تتهم ابن كيران وفريقه بالقيام بهذه الإصلاحات بهاجس انتخابي محض دون النظر في آثارها على ميزانية الدولة على المدى البعيد.

4- الاستفادة من أخطاء الحركة الإسلامية في مصر وتونس

ويعتمد حزب العدالة والتنمية على محورين أساسيين في هذه الإستراتجية:

أولًا؛ عبر فصل الخطاب الدعوي عن الخطاب السياسي، ذلك لأن الخطاب الديني شبه مختفٍ تمامًا من الخطاب الديني للحزب ولقادته، حتى أن قرار منع إشهارات القمار والرهان في الإعلان العمومي تمت الدعوة له بقوانين حماية الجمهور الناشئ في فرنسا وبريطانيا دون المرور من تعارض تلك الألعاب مع التعليمات الدينية الإسلامية، والثاني تفادي احتكار السلطة والاستثئار بالقرار، وهو أحد أكبر أخطاء حركة الإخوان المسلمين المصرية كما هو معروف، حيث إن ابن كيران وحزبه شديدو الانفتاح على المجتمع وعلى حلفائهم السياسيين، كما أن توزيع المناصب الحكومية وتوزيع الترشيحات بالدوائر الانتخابية وانتخابات الجهات تم بسخاء كبير مع حلفاء العدالة والتنمية السياسيين خاصة حزب التقدم والاشتراكية، والذي نزل قياديون كبار من الحزب الإسلامي لدعمه في إحدى الانتخابات الجزئية الناتجة عن فقد الحزب اليساري لمقعد انتخابي نتيجة لقرار من المحكمة الدستورية، والتي ساعد فيها دعم الإسلاميين لحلفائهم على استعادته. دون أن ننسى تأكيد ابن كيران الدائم على مركزية ومكانة الملك، وعلى كونه رئيس الدولة والمحرك الحقيقي للإصلاح، طبقًا لزعيم الإسلاميين.

5- الديمقراطية الداخلية ونظافة اليد

يعد حزب العدالة والتنمية إحدى أكثر التنظيمات السياسية المغربية ديمقراطية على الصعيد الداخلي، ذلك أنه من الأحزاب القلائل الذي يتوفر على مسطرة ترشيحات وتزكيات معروفة ومعتمدة على تصويت الأعضاء فقط، عكس الكثير من الأحزاب التي عرف عنها في التاريخ السياسي المغربي الولاءات العائلية والقبلية في تزكيتها لأعضائها في المناصب الحكومية، إضافة إلى وجود أحزاب أخرى معروف عنها الإتجار بالتزكيات الانتخابية وشراء المرشحين من الأعيان المحليين ووجهاء القبائل. حتى أن الخلافات بين أعضائه من المعروف عنها احتكامها لمؤسسات حزبية منتخبة، لم يسلم منها حتى الأمين العام للحزب، والذي استدعي خلال هذه السنة إلى لجنة النزاهة في الحزب عقب ظهور ملف إعلامي يتهم من خلاله زعيم الحزب باستغلال مطبعته الخاصة في صفقات عمومية، خرج منه ابن كيران بريئًا. وهو شيء قل نظيره في جل الأحزاب المغربية ما عدا بعض الأحزاب اليسارية الصغيرة.

ديمقراطية الحزب الداخلية والمساواة بين أعضائه نجحت في إثارة موجة من الإعجاب وساهمت في تعزيز صفوفه وتوحيد أعضائه، ورغم أن هذه الأمور تعد من أبجديات العمل الحزبي، إلى أن افتقار العديد من الأحزاب المغربية لهذه الخواص وضعت العدالة والتنمية في محل إعجاب الكثير من المتابعين والمعارضين أيضًا.

كذلك، لا يعرف عن الحزب وعن أعضائه قضايا فساد سياسي ومالي خلافًا لجل الأحزاب المغربية الكبيرة، خصوصًا حزبا الاستقلال والأصالة والمعاصرة التي يتابع الكثير من أعضائها في قضايا فساد أمام المحاكم المغربية. أيضًا، لم يلاحظ حتى الآن عن وزراء العدالة والتنمية سلوكًا سلطويًّا أو استغلال نفوذ، وهي من الخاصيات المعروفة للوزراء والمسؤولين السياسيين في المغرب.

6- افتقاد المعارضة البرلمانية للمصداقية

تفتقد جل أحزاب المعارضة البرلمانية للمصداقية في نظر الكثير من المتابعين والمحللين، وذلك للأسباب التالية:

1) حزب الأصالة والمعاصرة: حزب المعارضة الرئيسي والذي أسسه صديق الملك المقرب فؤاد عالي الهمة سنة 2008، يوصف على نطاق واسع بحزب النظام أو حزب الإدارة، حيث إنه قد استفاد من دعم إداري كبير مكنه من اكتساح الانتخابات البلدية بعد شهور قليلة على تأسيسه، وذلك بالضغط على العديد من الأعيان المحليين والفاعلين الاقتصايين والجمعويين على دعمه، وأيضًا ضغط الإدارة على الناخبين والمرشحين لدعم تجربة حزب صديق الملك، إلا أن معطيات الربيع العربي قلبت معطيات الحزب الذي كان يعده النظام لتولي السلطة (على شكل الحزب الوطني في مصر أو التجمع الدستوري بتونس).

“وعلى الرغم من أن حركة 20 فبراير في جزء كبير من شعاراتها استهدفت في المقام الأول حزب الأصالة والمعاصرة، وبعض قيادييه، فنحن مقتنعون بالروح النبيلة للحركة، لأنها شكلت عنوانًا بارًزا 

لضمير المجتمع المغربي رغم أنها استعملت ضدنا”.

حكيم بنشماس، الناطق الرسمي باسم حزب الأصالة والمعاصرة

ذلك لأن حركة العشرين من فبراير تبنت بشكل علني مطلب حل حزب الأصالة والمعاصرة أو الحزب السلطوي (كما سمته في بيانها التأسيسي)، حيث حمل محتجو الربيع العربي المغاربة صور قيادات الحزب الوليد ورددوا شعارات تطالب بحله وطرده من الحياة السياسية، لكونه أحد أوجه التحكم والفساد في المجتمع المغربي، ليكون بذلك هذا الحزب أول حزب في تاريخ المغرب يتم المطالبة بحله في مظاهرات شعبية واسعة، قد اعترف مؤخرًا الناطق الرسمي للحزب، حكيم بنشماس، في تفكير قيادة الحزب جديًّا في حله نتيجة ما تعرض له إبان حركة العشرين من فبراير.

رحيل فؤاد عالي الهمة من المشهد السياسي وحل حزب الأصالة والمعاصرة كان أحد أهم مطالب حركة 20 فبراير المغربية.

ومنذ ذلك الوقت، لم ينجح حزب الأصالة والمعاصرة في تصحيح شهادة ميلاده رغم جهود قادة الحزب، وذلك بالتركيز على استقطاب الشباب الحالم بولوج السياسة وعبر استخدام سياسية الامتيازات مع أعضائه، إلى أن ذلك لم يشفع للحزب في نظر الكثير من المغاربة؛ مما ظهر جليًّا في ما تعرض له الحزب في الانتخابات المحلية الأخيرة، إذ إنه رغم حلوله أولًا من ناحية عدد المستشارين الجماعيين، إلا أنه قد تم طرده من جل المدن الكبرى التي كان يسيرها كطنجة والدار البيضاء ومراكش، في حين لم يحقق نتائج بارزة سوى في القرى والبوادي، حيث ما زال للإدارة نفوذ في استقطاب الأعيان والضغط على الناخبين.

2) حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي: وهما وريثا الحركة الوطنية المغربية التي ساهمت في دحر الاستعمار، بشقيها المحافظ واليساري، وقد شكل هذان الحزبان المعارضة الرئيسية لنظام الملك الحسن الثاني، حتى سنة 1996 حين تم عقد صفقة من النظام يتولى الزعيم اليساري عبد الرحمن اليوسفي رئاسة الوزراء في المغرب مقابل دعم الحزبين للإصلاحات التي بدأها الملك الحسن الثاني قبيل وفاته.

وقد ظل هذان الحزبان في الحكومة منذ ذلك التاريخ إلى سنة 2011 لتآكل شعبيتهما نتيجة لأدائهما الحكومي ولتورط العديد من وزراء وقيادات الحزبين في قضايا فساد سياسي ومالي.

غير أنه بانتخاب أمينين جديدين عامين حميد شباط (حزب الاستقلال)، وإدريس لشكر (الاتحاد الاشتراكي)، تحالف الحزبان مع حزب الأصالة والمعاصرة (وقد كانا قبل ذلك من معارضي نشأة الحزب ومن المطالبين بحله)، وساهمت شعبوية زعيمهما الطافحة وتحالفهما مع الأعيان في العديد من المناطق، في دفع الكثير من أعضائهما للتمرد أو محاولة الانشقاق، مما ساهم في إضعاف أعرق حزبين في المغرب بشكل كبير للغاية أفقدهما الكثير من مصداقيتهما حسب جل المحللين والمتابعين في المغرب، كما ظهر جليًّا في نتائج انتخابات سنتي 2012 و2015.

إدريس لشكر زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي (يمين،) وحميد شباط زعيم حزب الاستقلال (يسار).

3) حزب الاتحاد الدستوري: حزب إداري انتخابي محض أسسه نظام الملك الحسن الثاني في ثمانينيات القرن الماضي، لا يعرف عنه أي توجه أو مشروع سياسي سوى حضوره الدائم في الانتخابات وترشيحه للأعيان المقربين من السلطة.

7- كاريزمية زعيم الإسلاميين

تبقى شخصية عبد الإله بن كيران محورية في نجاحات حزب العدالة والتنمية، ذلك أنه يعد السياسي الأكثر شعبية في المغرب في الواقع وعلى الإنترنت، وهو ما يبدو واضحًا في تجمعاته الخطابية وتنقلاته إضافة إلى حواراته التلفزيونية التي تحظى بمتابعة كبيرة داخل المغرب، إضافة إلى التفاعل الكبير للمغاربة على محتواه الإلكتروني، ذلك إن صفحة عبد الإله بن كيران الشخصية هي صفحة السياسي المغربي الأكثر متابعة على فايسبوك بأكثر من 200000 متابع. بعيدًا عن معارضيه الرئيسيين كإلياس العماري (زعيم الأصالة والمعاصرة) بـ80000 متابع، وحميد شباط (10000 متابع).

وبسبب هذه المركزية لدور ابن كيران في نجاح الحزب، خصص العدالة والتنمية طائرة خاصة لتنقلات أمينه العام خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، خاطب فيها الزعيم الإسلامي الجماهير في 11 مدينة مغربية اكتسح الحزب الإسلامي 9 منها في الانتخابات الجماعية الأخيرة.

ولا يوجد حاليًا قيادي في حزب العدالة والتنمية تضاهي شعبيته شعبية الزعيم “الإسلامي”، وهو ما يخلق مشكلًا حقيقيًّا للحزب، ذلك لأن ابن كيران لن يتمكن من الاستمرار في القيادة من بعد سنة 2016 حسب لوائح الحزب الداخلية، مما سيضع تيار العدالة والتنمية أمام إشكال حقيقي: تغيير اللوائح والتفريط في الديمقراطية الداخلية أو التفريط في قيادة ابن كيران؟

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد