تحولت الزيارة السرية التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للأردن إلى لقاء علني بعدما كشف عنه بيان الديوان الملكي الأردني، ورغم أنّ تفاصيل الزيارة اقتصرت على تأكيد الأردن موقفه الثابت من القضية الفلسطينية، لكن على الجانب الآخر كان الاجتماع يضم في الوفد الإسرائيلي منه رئيس الموساد ورئيس الأركان وممثل مجلس الأمن القومي، وعن الجانب الأردني حضر إلى جانب الملك رئيس الاستخبارات العامة ووزير الخارجية؛ ما عنى بالنسبة لبعض المتابعين أنّ اللقاء كان ربما أقرب منه لمناقشة صفقة أكثر منه لقاءً تقليديًا؛ خاصة وأن طبيعة الاجتماعات بين الطرفين طالما اتسمت بالسرية، وجدير بالذكر أنّ هذا اللقاء أول زيارة مُعلنة منذ عام 2014.

اللافت أنّ الزيارة جاءت قبل يومٍ واحدٍ من زيارة «جاريد كوشنر»، مستشار وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إطار الجولة التي بدأت بعمّان وتشمل عدة دول عربية لبحث ما بات يُعرف بصفقة القرن، والتي أعلن الأردن منها موقفه مُنها مسبقا شأنه شأن السُلطة الفلسطينية، لكنّ إسرائيل لازالت تفرق بين الطرفين؛ لأنها تُراهن على أحدهما.

هذا التقرير يوضح لك لماذا لا تزال الورقة الأردنية هامة لدى إسرائيل، ولماذا يصر نتنياهو على كسب ود الملك الأردني.

موافقة السعودية لا تكفي لإتمام «صفقة القرن»

بالعودة إلى التاريخ، فقد كان الهاشميون وحدهم هم مفتاح الكنز الإسرائيلي الذي مهّد لاعتراف العرب بإسرائيل عقب هزيمتهم؛ فالجدّ الثالث للملك عبد الله الثاني هو شريف مكة الحسين بن علي الذي عرض على البريطانيين أن يشترك معهم في الحرب ضد الأتراك مقابل الاعتراف باستقلاله عن الدولة العثمانية، فيما عُرف بمراسلات «حسين – مكماهون»، أما ابنه فيصل بن الحسين، الذي توصل إلى اتفاق مع رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، فيما عُرف باسم «فيصل- وايزمان»، والذي جاء فيه: «يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين».

وبعد استقلال الأردن عام 1946، تولى الملك الأردني عبد الله الأول العرش، لكنه ما لبث أن قُتل بعد عامين في القدس بأيدٍ فلسطينية، وكان الدافع هو الاعتقاد أنه كان بصدد توقيع اتفاق سلام منفردة مع إسرائيل بحسب الروايات، أما والده الملك حسين فقد كاد يواجه نفس المصير عام 1970 عندما اندلعت أحداث سبتمبر (أيلول) الأسود بينه وبين منظمة التحرير الفلسطينية، لكنه انتصر في النهاية. حتى جاء عام 1994؛ ليوقع معاهدة السلام مع إسرائيل. كان أهم بنودها السرية: منع إقامة دولة فلسطينية في إسرائيل، وفي الوقت الذي تفوز فيه إسرائيل بدعم أمريكي عربي لتنفيذ «صفقة القرن»، يقوم الملك الحالي بتغيير الخطاب السياسي مطالبًا بقيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

وقد يبدو أنّ اعتراض الأردن غير هام بالنظر إلى الدعم العربي المتمثل في السعودية ومصر والإمارات، وسبق للسعودية أنّ حاولت أن تأخذ الدور التاريخي للأردن عبر عدة خُطوات، تمثلت أولها في تجاهل عمّان في أية مباحثات تخص القضية الفلسطينية، بدءً باتفاق المصالحة الذي عُقد بين حركتي «فتح» و«حماس» في القاهرة، وانتهاءً بصفقة القرن التي لم يكن للأردن دور فيها، وإمعانًا في التجاهل تعهدت السعودية في اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لا يمكن أن يكون هناك أي مشروع لإحلال السلام بدون جهد الرياض وواشنطن، أي أنه لا حل للقضية الفلسطينية دون دعم المملكة، وعقب إعلان الرئيس الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل كان رد الفعل الأردني عنيفًا؛ لأنه يعتبرها من قضايا الأمن القومي؛ نظرًا لتلامس قضايا القدس واللاجئين والحدود بها.

وتتجلى أهمية الأردن رغم تهميشه في عدة بنود، أهمها أنّ المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية متوقفة منذ عام 2014، إضافة إلى أن أزمة الحدود واللاجئين والتي تتقاطع مع بنود صفقة القرن تتطلب موافقة أردنية في الأساس، وهو ما يقلل من الدور السعودي، ويفسر طبيعة الضغوط التي كشفها الملك الأردني خلال الأزمة الأخيرة التي أسقطت الحكومة من أجل تغيير مواقفه الإقليمية، وبحسب ما نشرة موقع «ميدل إيست آي» البريطاني نقلًا عن وزراء سابقين في الحكومة المُقالة، فإنّ الملك تعرض لضغوط ليتراجع عن موقفه مقابل حزمة من المساعدات الاقتصادية التي حصل عليها من دول الخليج.

تتطابق التسريبات بشأن محاولة إقناع الأردن بالتخلي عن موقفه الإقليمي مع ما نشرته صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية عقب زيارة مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي لعمّان، بشأن أن كلًا من الولايات المتحدة وإسرائيل يحتاجان دعم الأردن في صفقة القرن؛ وفي حال وافق الملك الأردني فإنّ ما يمكن أن يقدمه سيفوق بالتأكيد ما قدمه كل من السعودية ومصر.

هل الملك عبد الله مستعد للتنازلات؟

القضية الفلسطينية ليست مسؤوليتنا وحدنا.. ومصالحنا فوق كل الاعتبارات
*الملك عبد الله الثاني

لا يبدو أنّ محاولة فهم ما يدور في عقل الملك عبد الله الثاني شيئًا صعبًا؛ فهو في المقام الأول يبحث عن اعتراف إسرائيلي وعربي بوصايته الهاشمية على المقدسات بوصفه حارسًا للحرم الشريف، كما جاء في معاهدة السلام التي وقعها مع إسرائيل عام 1994، وهو نفسه التأكيد الذي حصل عليه من نتياهو أول أمس، وهو ما  يعني من جانب آخر استمرار وصاية الهاشميين على عرش الأردن جنبًا إلى جنب مع المقدسات الإسلامية، وهو الامتياز الذي كانت السعودية ترغب في نزعه عن الأردن قبل أن يُكشر الملك عبد الله عن أنيابه.

على جانب آخر: التسريبات نفسها تشير إلى أنّ الأردن له تحفظات على صفقة القرن، ولا يرفضها كُليًا، وبعيدًا عن الوثائق المسربة، فالملك نفسه حين يطالب بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، فهو من جانب آخر يتنازل بطريقة غير مباشرة عن الضفة الغربية، وبحسب ما جاء في معاهدة أوسلو عام 1993 فإنه تم وضع أغلب أراضي الضفة الغربية التي صُنفت على أنها ضمن نطاق المنطقة (ج) تحت السيطرة الإسرائيلية المؤقتة.

على جانب آخر؛ نصت اتفاقية السلام بين الأردن وإسرائيل عام 1994 على السماح لإسرائيل بالسيطرة على أرض «الباقورة والغمر» التي تبلغ مساحتهما 1390 دونما – 331 فدان – عن طريق تأجيرها تلقائيًا، إلا أنّ الحكومة الأردنية اتخذت قرارًا مؤخرًا يقضي بعدم تجديد الإيجار، وأنّ الأراضي ستعود أردنية بقرار سيادي.

هذه الخطوة من شأنها أن تعطل صفقة القرن كليًا، فأجزاء كبرى من المنطقة (ج) إضافة إلى وادي الأردن، هي جزء من الدولة الإسرائيلية المنتظرة التي لا يُمكن التفاوض عليها بعد تهجير سكانها إلى الأردن، والحكومة الأردنية في حال لم تطالب بإعادة الأراضي قبل شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام  القادم، فإن العقد سيتجدد تلقائيًا لمدة 25 عامًا بموجب القانون الدولي، وحتى الآن فالحكومة الأردنية لم تتقدم بطلب رسمي.

على جانب آخر فالملك الأردني ليس غاضبًا من أنه لم يتم إشراكه في الصفقة وحسب، فالتسريبات التي كُشفت لاحقًا تضمنت إسقاط حق اللاجئين في العودة؛ ما يعني أن يتحمل الأردن وحده عبء اللاجئين دون تعويضات، وبحسب الإحصاءات غير الرسمية فإن 65% من سكان الأردن فلسطينيون، وهو ما يعني أن تتغير التركيبة السُكانية؛ فيصبح اللاجئون هم الأغلبية الدستورية الذين يُمكنهم الإطاحة بالنظام السياسي في أي وقت، وهذه الافتراضات تبدو واقعية بالعودة إلى المؤتمر الإسرائيلي الذي حضره معارضون للنظام الأردني من أصل فلسطيني في سبتمبر العام الماضي، وبحثوا فيه إقامة دولة فلسطينية في الأردن.

بخلاف تلك الأزمات التي تتمثل في (الوصاية الهاشمية، واللاجئون، والتعويضات، والأرض) فإن النظام الأردني على استعداد للتفاوض حول صفقة القرن، وإذا كان كل من الملك ومحمود عباس يرفض الصفقة، فإن الفرق بينهما أن عباس يرفض دور الولايات المتحدة باعتبارها وسيط غير نزيه في عملية السلام لانحيازها الكامل إلى إسرائيل، عكس الملك الأردني الذي يرى في وجودها شرطًا أساسيًا، وبينما تتسم وجهة النظر الفلطسينية بالثبات، تتجلى مرونة الموقف الأدرني، لذا يراهن عليه النظام الإسرائيلي، خاصة أنّ الأردن أعاد علاقاته مع حماس بعد قطيعة؛ ما يجعله أقرب للوصول إلى نقاط مشتركة لصالح إسرائيل.

الأردن قد يكون أفضل جار لإسرائيل.. المصالح تجمعهما دومًا

لم تنقطع الاتصالات السرية بين العرب وإسرائيل، حتى بعد قيام حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1967، ورغم نبرة العداء التي كانت السمة الغالبة للشعوب العربية وأنظمتها، إلا أنّ الأردن حلّق منفردًا حتى قبل قيام دولته، فالملك الراحل حسين كانت تربطه – بحسب ما نشرته صحيفة إسرائيلية – علاقات بالموساد الإسرائيلي الذي أنقذ حياته من الاغتيال عدة مرات. هذا الإرث من العلاقات مازال يحتفظ به الملك عبد الله الذي يجهر صراحة: «أنا أفضّل رؤية النصف الممتلئ من الكأس في العلاقات مع إسرائيل».

Embed from Getty Images

وفي عام 2014، حين اشتد بطش «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)»، شرعت تل أبيب بالتعاون مع حكومة عمّان في بناء جدار بطول 30 كيلو مترًا، ورغم أنها بنت جدارين بينها وبين مصر وهضبة الجولان، إلا أنّها عوّلت على الأردن لتكون بوابتها الشرقية؛ لصد زحف تنظيم الدولة على الخط الأكبر والأكثر تعقيدًا، المثير أنّ الأردن نجح فيما فشلت فيه مصر؛ فقد سيطر على حدوده، كما توغل في الحدود السورية ليقصف التنظيم بدلًا عن إسرائيل، وبحسب ما ذكرته الإذاعة الإسرائيلية، فإن الدور الأردني وقتها اقتصر على مساعدة إسرائيل في مراقبة تحركات الجماعات الجهادية التي تعمل جنوب سوريا، والتأكد من عدم قيامهما بتنفيذ عمليات ضد العمق الإسرائيلي، وهي نقطة قوة يعتمد عليها الأردن في علاقاته مع إسرائيل.

التقارب لم يكن بدوافع سياسية وحسب، فالأردن يعاني من نقص في المياه والطاقة، لسبب يرجعه البعض في جزء منه إلى اتفاقية السلام التي سمحت لإسرائيل بالتحكم في المياه التي تصل إلى الأردن، لذا قامت عمّان بتوقيع اتفاقية لاستيراد 40% من حاجتها من الطاقة لتوليد الكهرباء من إسرائيل، كما جرى التفكير في إنشاء منطقة صناعية على نهر الأردن تساعد اقتصاد عمّان الهش المعتمد كليًا على المساعدات، وأثناء الزيارة الأخيرة لنتنياهو تطرق الملك الأردني إلى الوصول لاتفاق لدراسة الجانب الإسرائيلي رفع القيود على الصادرات التجارية الأردنية مع الضفة الغربية من أجل تنشيط حركة التبادل التجاري والاستثماري.

المشروع الأهم الذي تقدمت به الأردن ويخدم إسرائيلي بشكل كبير هو مشروع قناة البحرين الذي يستهدف إنقاذ البحر الميت من الجفاف عن طريق  تغذيته بمياه البحر الأحمر، وفي حال تم تنفيذ المشروع فإن إسرائيل ستكون الفائز الأكبر عن طريق حصولها على مصدر رخيص لتبريد مفاعل ديمونة الموجود في صحراء النقب بسهولة، وقامت إسرائيل بتعطيل تنفيذ المشروع عقب الأزمة التي قُتل فيها مواطنان أردنيان على يد حارس إسرائيلي في يوليو (تموز) العام الماضي، قبل أن يعود السفير الجديد لعمّان في أبريل (نيسان) الماضي دون أن يُقدم القاتل إلى المحاكمة.

وبالرغم من أنّ الأزمات السياسيىة لا تزال تعصف بالعلاقات، إلا أنّ الأردن ما زال متمسكًا بصداقته وبتطبيعه الكامل؛ ما جعل سلامه مع تل أبيب منذ 24 عامًا هو سلام دافئ ربما أكثر من أية دولة عربية أخرى، وهذا ما جعل السفير الإسرائيلي الأسبق في عمّان يقول: «إنه لن يكون بإمكان إسرائيل أن تحلم بدولة جارة أفضل من الأردن».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!