بعيدًا عن محاولة الكاتب إقناع أوروبا بأن سياستها العدائية تجاه إسرائيل فاشلة، يوفِّر المقال إطلالةٌ مفيدة على واقع غياب الثقة المتبادل بين القارة الأوروبية ودولة الاحتلال.

أن يتحدث سياسيٌّ ألمانيّ من قلب الكنيست الإسرائيليَّ فذاك وحده كفيل بجذب أنظار وسائل الإعلام، لكن الضجة التي أثيرت حول سفر رئيس البرلمان الأوروبي، مارتن شولتز، في فبراير إلى إسرائيل لإلقاء خطاب أمام الكنيست، كانت لسببٍ آخر؛ يتعلق بما نقله عن شابٍ فلسطيني قابله في الضفة الغربية، وسأله: لماذا يحصل الإسرائيليون على 70 لترًا من المياه يوميًّا، بينما يحصل الفلسطينيون على 17 لترًا فقط؟

لم يُسهِب السيد “شولتز”، لكن تلميحه كان واضحًا: إسرائيل تحرم الفلسطينيين عمدًا من احتياجاتهم الأساسية.

أثارت هذه التصريحات انتقادات واسعة في الصحافة الإسرائيلية، لكنها لم تجذب كثيرًا من الانتباه في أوروبا؛ ربما ببساطة لأنه كان يعبر عما أصبح كثير من الأوروبيين يعتبرونه حكمةً تقليدية: أن إسرائيل قادرة على كل شيء تقريبًا في تعاملها مع الفلسطينيين.

إنها مشاعر غياب الثقة المتبادلة؛ فوفق مشروع الاتجاهات العالمي في مركز بيو للأبحاث، كان 41% من الإسرائيليين فقط هم من يحملون نظرة إيجابية حيال الاتحاد الأوروبي في 2013، بانخفاضٍ نسبته 15% مقارنة بالعام 2009 الذي شهد 56% (حتى الولايات المتحدة، التي هي تحت حكم الرئيس أوباما أكثر انتقادًا لإسرائيل مما كانت في عهد سلفه، فينظر إليها 83% من الإسرائيليين باستحسان).

صحيحٌ أن هذه العلاقات الخشنة بين أوروبا وإسرائيل ليست جديدة، إلا أن الكراهية التي خيَّمت على السنوات القليلة الماضية كانت مختلفًة: أكثر ذمًّا وانتشارًا، وإذا ما استمر هذا المشهد، سوف تتبخر الآمال في أن يلعب الاتحاد الأوروبي دورًا في التوصل لاتفاق سلامٍ نهائيّ.

هذا العداء تجاه إسرائيل يتجاوز التحركات الشعبية، فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي مؤخرًا مبادئ توجيهية تحظر على وكالاته إرسال أموال إلى الشركات والمنظمات الإسرائيلية في الضفة الغربية؛ وهي الخطوة التي تبدو ومثيلاتها كأنها تحاصر إسرائيل في الزاوية، ربما تكون إسرائيل جلبت ذلك على نفسها بإصرارها على توسيع المستوطنات، لكن المسئولين الأوروبيين معتادين على تضخيم العقبات التي يضعها الإسرائيليون في طريق السلام، بينما يقيسون الأمور بمعايير مختلفة حينما تكون العقبات المطروحة فلسطينية.

ولفهم معضلة أوروبا الشرق أوسطية، ينبغي على المرء أن يعود إلى الماضي حينما بدأت القارة صياغة سياسة خارجية مشتركة؛ حيث ظهر أول إعلان مشترك في الشئون الخارجية عام 1973 كردٍ على الحظر النفطي الذي فرضته دول الخليج على الغرب في أعقاب حرب أكتوبر، وبهدف استرضاء الدول العربية ورفع ضغط الحظر عن الاقتصادات الأوروبية، ومنذ ذلك الحين، أصبح الشرق الأوسط هو محور ضغط الدبلوماسيين الأوروبيين المتواصل، ولسنواتٍ لم يكن لديهم سياسة خارجية مشتركة تجاه أي منطقة في العالم ما عدا الشرق الأوسط.

لكن بدلاً من إيجاد حلول واقعية، استقروا على حلول مشتركة وهمية؛ ونتيجة لذلك كان الحديث الأوروبي عن الصراع مجرد كليشيهات ممزقة، وسرعان ما كانت “نافذة الفرص” تُغلَق، ودومًا كانت “دوامة العنف” تخرج عن السيطرة، وعادة ما كان يُنظَر للفلسطينيين باعتبارهم ضحايا ردًّا على الإجراءات الإسرائيلية، وليس كمسئولين عن تحديد مصيرهم.

وتَعتبِر أوروبا الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو أساس كل المشاكل التي تواجه المنطقة، وهي وجهة النظر التي لم تغيرها تقارير التنمية البشرية العربية الصادرة عن الأمم المتحدة منذ عام 2002، والتي أظهرت أن الأنظمة الاستبدادية العربية والتخلف الثقافي هي جذور مشاكل المنطقة، وحتى بعدما كشفت ثورات الربيع العربي أن الفساد، ونقص الكرامة والديمقراطية والفرص، هي السبب في غضب الشارع العربي، أصرت أوروبا على مركزية الصراع العربي الإسرائيلي.

ومن الملفت للنظر أن تطرح أوروبا دائمًا على الإسرائيليين تقديم تنازلات، وهي تمتلك سجلاً سيئًا في حل مشكلات المنطقة، فبعد انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، وافق الاتحاد الأوروبي على مراقبة معبر رفح للمساعدة في منع تهريب الأسلحة، لكنه سرعان ما تخلى عن المهمة بعدها بعامين، وبعد حرب لبنان عام 2006، سيطرت الدول الأوروبية على أجزاء واسعة من مهمة الأمم المتحدة لمنع تهريب الأسلحة إلى حزب الله، وتحت أنوفهم، مرَّت عشرات الآلاف من الصواريخ الجديدة الأكثر تطورًا، ولم يؤدي انسحاب إسرائيل من لبنان إلى نزع سلاح حزب الله، كما توقع العديد من الخبراء الأوروبيين، بل إلى وضع وكيل إيراني مدجج بالسلاح على الحدود مع إسرائيل، وهو ما شهدناه بتشابه كبير في غزة.

وكل عمل عسكري إسرائيلي ضد غزة أو لبنان يواجه باحتجاجات في أوروبا؛ وهو ما لا يشجع القادة الإسرائيليين على الثقة بأن أوروبا ستتقبل حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها إذا ما تحولت الدولة الفلسطينية المستقبلية في الضفة الغربية إلى مرتعٍ مماثل للتطرف والسياسة الرجعية.

من المريح دومًا للأوروبيين أن يطالبوا الإسرائيليين باتخاذ قرارات صعبة من أجل السلام، لكن يتعين على أوروبا الآن أن تطرح على نفسها بعض الأسئلة الصعبة أيضًا: ما هي ضمانات الحماية التي يمكن لأوروبا تقديمها مقابل دولة فلسطينية، إذا فشلت تجربة السلام واستولى المتطرفون على الضفة الغربية؟ هل ستكون أوروبا مستعدة للموافقة على طلب إسرائيل الانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي؟

أنا لستُ متأكدًا من أن ثمة إجابات على هذه الأسئلة الواعدة، لكن إذا لم يكن لدى أوروبا سوى الانتقاد والرفض كي تقدمه لإسرائيل، فإنها ستصبح جزءًا من المشكلة وليس الحل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد