نعرف جميعنا كوكب المشتري، الكوكب الأكبر في مجموعتنا الشمسية، والكوكب الخامس في البعد عن الشمس، والذي ترتبط به بعض الظواهر النادرة والمميزة في السماء عند اقترانه ببعض الكواكب الأخرى. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن هذا الكوكب يمثل حالة فريدة من نوعها في نظامنا الشمسي ولغزًا كبيرًا.

لماذا؟ الإجابة بسيطة لكنها تتمثل في سؤال أيضًا: لماذا كوكب المشتري كوكب وليس نجمًا رغم أنه أكبر من عدد من النجوم التي نعرفها؟ والسؤال الأهم: لماذا لا يتحول المشتري إلى نجم رغم أنه يتكون مثل النجوم من هيدروجين وهيليوم؟

«العملاق الغازي».. أوجه الشبه بين المشتري والشمس

لنتحدث في البداية عن كوكب المشتري. يطلق على كوكب المشتري اسم «العملاق الغازي»، عملاق لأنه الكوكب الأكبر في المجموعة، وغازي لأنه يتكون من غازات وليس صخورًا مثل الكواكب الأربعة الأولى في المجموعة الشمسية، عطارد والزهرة والأرض والمريخ.

تبلغ كتلة كوكب المشتري 2.5 ضعف كتلة جميع الكواكب الأخرى مجتمعة. لكن رغم أنه كوكب عملاق، فإن كثافته منخفضة جدًّا وتبلغ 1.33 جرام لكل سنتيمتر مكعب. حتى تتخيل مدى انخفاض كثافة المشتري، يكفي أن تعرف أن كثافة الأرض تبلغ 5.51 جرام لكل سنتيمتر مكعب، أي إنها تزيد قليلًا عن أربعة أضعاف كثافة كوكب المشتري.

هنا كان لافتًا للعلماء أوجه التشابه بين كوكب المشتري والشمس. إذ تبلغ كثافة الشمس 1.41 جرام لكل سنتيمتر مكعب، وهي قريبة للغاية من كثافة المشتري. ليس هذا فحسب، بل إن الشمس والمشتري متشابهان للغاية من الناحية التركيبية. تتكون الشمس من 71% هيدروجين و27% هيليوم، والنسبة الباقية عبارة عن كميات ضئيلة من عناصر أخرى. كوكب المشتري – في المقابل – يتكون من حوالي 73% هيدروجين و24% هيليوم.

لهذا السبب أطلق العلماء على المشتري أحيانًا اسم «النجم الفاشل». يبدو لنا أن اللقب يحتوي الكثير من «التنمر» على هذا الكوكب العملاق، لكن يبدو أن العلماء عندهم وجهة نظر. إذ، لماذا لم يتحول هذا العملاق القريب في التركيب من الشمس إلى نجم، هل المشكلة في حجمه؟

لغز المشتري!

الإجابة عن السؤال الفائت هي: لا، ليست المشكلة في حجمه. وهنا سنأخذ مثالًا توضيحيًّا بسيطًا. أصغر نجم رئيسي معروف في مجرة درب التبانة كان هو السبب وراء تساؤلات العلماء حول المشتري. يطلق على هذا النجم القزم اسم (EBLM J0555-57Ab)، وهو نجم قزم أحمر يبعد 600 سنة ضوئية عن كوكب الأرض. يبلغ متوسط نصف قطره حوالي 59 ألف كيلومتر، وهو أكبر من كوكب زحل لكنه أصغر من المشتري.

الأمر الذي يجعله أصغر نجم معروف يدعم عملية اندماج الهيدروجين داخله، وهي العملية التي تحافظ على احتراق النجوم حتى ينفد منها الوقود بعد ملايين السنوات. في نظامنا الشمسي، هناك جسمان فقط أكبر من هذا النجم، الأول بالطبع هو الشمس، والآخر هو كوكب المشتري، الذي يبلغ نصف قطره في المتوسط 69.9 آلاف كيلومتر.

المشكلة ليست فقط في أن المشتري لم يتحول إلى نجم قزم، لكن لأنه ما يزال من غير المحتمل أن يصبح كوكب المشتري نجمًا في أي وقت قريب أو بعيد. لماذا؟ الإجابة المختصرة البسيطة، أن المشتري لا يمتلك كتلة كافية لدمج الهيدروجين في الهيليوم. إذ تبلغ كتلة النجم القزم (EBLM J0555-57Ab) حوالي 85 ضعف كتلة كوكب المشتري، أي ما يعادل الحد الأدنى الملائم من الكتلة لأي نجم؛ لأنه إذا كانت الكتلة أقل من هذه، فلن يكون قادرًا على بدء عملية دمج الهيدروجين أيضًا.

الأمر واضح هنا، ولكن السؤال: هل يمكن أن يتحول كوكب المشتري إلى نجم في يوم من الأيام؟ هذا ما ستوضحه السطور التالية، حيث يستلزم أن نفهم كيفية تكون النجوم والكواكب.

النجوم والكواكب.. آلية ولادة مختلفة

تولد النجوم والكواكب من خلال آليتين مختلفتين للغاية. إذ تولد النجوم عندما تنهار زمرة كثيفة من مادة داخل سحابة جزيئية بين النجوم بفعل جاذبيتها، لتدخل هذه الزمرة أو الحفنة من المادة الكونية في حالة من حالات الدوران في عملية تسمى «انهيار السحابة». أثناء دورانها، تدور معها المزيد من المواد في السحابة المحيطة بهذه الزمرة لتتحول إلى «قرص تراكمي نجمي».

ومع استمرار الدوران، يزداد جذب مواد أكثر للقرص وبالتالي تنمو كتلته. ومع زيادة الكتلة تزداد الجاذبية أكثر، ويزداد معها انضغاط قلب النجم الصغير بشكل أكثر إحكامًا. زيادة الانضغاط في قلب النجم تجعله يزداد سخونة. في النهاية يصبح مضغوطًا وساخنًا للغاية، ليشتعل اللب أو مركز النجم مطلقًا حرارة كافية لبدء عملية الاندماج النووي الحراري بين ذرات الهيدروجين وبعضها، أو ذرات الهيدروجين مع الهيليوم.

هذا بالنسبة للنجوم، فماذا عن الكواكب. هنا سنعود إلى عملية تكون «القرص التراكمي النجمي»، إذ إنه بمجرد أن ينتهي النجم من عملية جذب وتراكم المواد فيه، يتبقى الكثير من المواد في أطراف القرص المتنامي. هذه المواد المتبقية هي ما يُكون الكواكب. ربما هذا ما يوضح لنا لماذا توجد كواكب حول غالبية النجوم في هذا الكون.

يعتقد علماء الفلك أنه بالنسبة لعمالقة الغاز مثل كوكب المشتري، فإن عملية ولادتها تبدأ بعملية تسمى «تراكم الحصى»، والتي تبدأ بقطع صغيرة من الصخور الجليدية والغبار في القرص النجمي.

أثناء دورانها حول النجم الصغير؛ تبدأ أجزاء المواد هذه من الصخور الجليدية والغبار في الاصطدام وتلتصق بعضها ببعض بواسطة الكهرباء الساكنة (الاستاتيكية). في النهاية، تصل هذه الكتل المتنامية إلى حجم كبير بما يكفي (حوالي 10 أضعاف كتلة الأرض) يمكنها معه جذب المزيد والمزيد من الغاز من القرص المحيط.

عند تلك النقطة، نما كوكب المشتري تدريجيًّا إلى كتلته الحالية (حوالي 318 ضعف كتلة الأرض)، و0.001 ضعف كتلة الشمس. هنا، التهم المشتري كل المواد المتاحة له، ليتوقف بالتالي عن النمو بعيدًا عن الكتلة المطلوبة لبدء عملية انصهار الهيدروجين.

لذلك، كان من الواضح أن كوكب المشتري لم يكن قريبًا من النمو بشكل كبير بما يكفي ليصبح نجمًا. كوكب المشتري له تركيبة مشابهة للشمس ليس لأنه «نجم فاشل»، ولكن لأنه ولد من سحابة الغاز الجزيئي نفسها التي ولدت الشمس. لذلك لا داعي للتنمر!

النجوم الفاشلة.. أو الأقزام البنية

هنا علينا توضيح مفهوم «النجوم الفاشلة»، وما هي الفئة من الأجرام السماوية التي يمكن عدها نجومًا فاشلة بالفعل. النجوم الفاشلة الحقيقية هي ما يعرف باسم «الأقزام البنية»، وهي تلك الأجرام التي توجد في الفجوة بين عمالقة الغاز والنجوم العادية. بكلمات أخرى، هناك أجرام سماوية استطاعت الاشتعال لكنها لم تتحول إلى نجوم. كيف هذا؟ حتى تكون الأجرام أو النجوم قادرة على دعم عملية اندماج الهيدروجين، فإن الحد الأدنى لها هو الوصول إلى حوالي 13 ضعف كتلة المشتري. لكن المشكلة أن هذه الكتلة ليست كافية لعملية اندماج الهيدروجين العادي، بل كافية لدمج «الديوتيريوم».

الديوتيريوم يعرف أيضًا باسم «الهيدروجين الثقيل»، وهو نظير للهيدروجين مكون من بروتون ونيوترون في النواة بدلًا من بروتون واحد فقط كما في الهيدروجين العادي. ونتيجة لذلك، تكون درجة الحرارة ومقدار الضغط اللازمين لاندماج الديوتيريوم، أقل من درجة الحرارة والضغط اللازمين لاندماج الهيدروجين العادي.

لذلك، فإن اندماج الديوتيريوم هو خطوة وسيطة على طريق اندماج الهيدروجين في النجوم، التي تستمر في النمو وزيادة كتلتها. لكن بعض الأجرام لا تصل أبدًا إلى هذه الكتل الأكبر، وبالتالي لا يمكنها الوصول إلى مرحلة حرق الهيدروجين العادي مثل النجوم العادية؛ تُعرف هذه الأجرام باسم «الأقزام البنية».

لم يكن معروفًا ما إذا كانت الأقزام البنية نجومًا ناقصة، أم أنها كواكب طموحة. لكن العديد من الدراسات أظهرت أنها تتشكل تمامًا مثل النجوم، من انهيار السحب وليس من عملية تراكم الغازات في المركز. كوكب المشتري يقع مباشرة عند الحد الأدنى للكتلة اللازمة لعملية انهيار السحب؛ حيث قدرت الكتلة الأصغر لجسم يخوض عملية «انهيار السحب» بحوالي كتلة كوكب المشتري. لذلك إذا كان المشتري قد تشكل من انهيار السحب، فيمكن اعتباره نجمًا فاشلًا.

لكن البيانات القادمة من مسبار «جونو» التابع لوكالة ناسا تشير إلى أنه، في يوم من الأيام على الأقل، كان للمشتري نواة صلبة، وهذا أكثر اتساقًا مع طريقة التراكم. لذا، كوكب المشتري ليس نجمًا فاشلًا. لكن التفكير في سبب عدم تحوله لنجم يمكن أن يساعدنا في فهم كيفية عمل الكون بشكل أفضل.

علوم

منذ 5 شهور
الحقيقة الصادمة.. كواكب المجموعة الشمسية لا تدور حول الشمس!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد