3,053

أثارت التصريحات الأمريكية الأخيرة من جانب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ومستشاره للأمن القومي، جون بولتون، العديد من الجدل حول إمكانية عقد القمة المرتقبة بين الزعيمين: الأمريكي دونالد ترامب، والكوري الشمالي كيم يونج أون.

التصريحات التي ذكرها «بولتون» أثارت غضب كوريا الشمالية، والتي هددت بالانسحاب من القمة؛ حيث قال نائب وزير خارجية كوريا الشمالية، كيم كاي جوان، في بيانٍ صدر يوم الأربعاء: «لا نخفي شعورنا بالنفور تجاهه»، في ظل إعلان البيت الأبيض أمله أن تنعقد القمة في موعدها؛ حيث أعلن المتحدث باسمه بأن الرئيس الأمريكي ما زال مستعدًا للاجتماع المقرر في 12 يونيو (حزيران) المقبل.

«مهندس حرب العراق».. من هو مستشار الأمن القومي الأمريكي الجديد؟

كانت الأمور تسير على ما يرام

كانت القمة الأمريكية الكورية الشمالية في طريقها للانعقاد بعد ثلاثة أسابيع من الآن، وتحديدًا في 12 يونيو المقبل؛ حيث كان الجميع يشعر بالتفاؤل تجاهها، خاصةً بعد نجاح القمة التي عُقدت بين كوريا الشمالية والجنوبية، والتي حققت نجاحًا كبيرًا، وهو أمر مهم للغاية، ليس فقط بالنسبة للدولتين نفسيهما، أو لشبه الجزيرة الكورية فقط، وإنما أيضًا لاعتبارها مقدمة للقمة الأكبر في العالم المرتقبة والمتوقَّع حدوثها بين زعيم كوريا الشمالية، كيم يونج أون، والرئيس الأمريكي، دونالد ترامب؛ حيث يأتي ذلك انطلاقًا من اعتبار أن علاقة كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية من طرف، وكوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية من الطرف الآخر، علاقات مهمة ومؤثرة للغاية؛ خاصةً نظرًا لارتباطها بالنظام الدولي.

وفي الوقت الذي أظهرت فيه كوريا الشمالية بادرة حسن نية من أجل قيام القمة، ومن أجل تسهيل إجراء القمة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية، أعلن زعيم كوريا الشمالية، كيم يونج أون، في أواخر الشهر الماضي، النهاية الرسمية للتجارب النووية التي أجرتها كوريا الشمالية، وذلك من أجل طموحه للحوار المثمر مع ترامب، ولكن خطر فشل الحوار بين بيونجيانج وواشنطن موجود دائمًا؛ حيث يرى وزير الخارجية الأمريكي الجديد، مايك بومبيو، بعد لقائه بالزعيم الكوري الشمالي، كيم يونج أون، أن أحد الأسباب التي قد تؤدي إلى فشل القمة المرتقبة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية هي عدم توافق الطرفين في توقعاتهما للقمة ونتائجها، خاصةً عندما يتعلَّق الأمر بنزع السلاح النووي، وتخفيف العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية.

«فلما استحكمت حلقاتها فرجت».. كيف وجد العداء بين الكوريتين فجأة طريقه للحل؟

جون بولتون يشعل الأزمة بين واشنطن وبيونجيانج

بداية الأزمة الحادثة مؤخرًا بين واشنطن وبيونج يانج كانت في 24 مارس (آذار) الماضي، وذلك عندما قال جون بولتون، مستشار الأمن القومي الجديد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي لم يكن قد تم تعيينه رسميًا بعد: «إن على ترامب الإصرار خلال أي اجتماع مع زعيم كوريا الشمالية على التركيز بشكل مباشر على كيفية التخلص من برنامج الأسلحة النووية لبيونجيانج في أسرع وقت ممكن».

وأكد «بولتون» حينها أن المناقشات في القمة المقترحة مع كيم يونج أون يجب أن تكون على غرار تلك المناقشات التي أدت إلى شحن مكونات البرنامج النووي الليبي إلى الولايات المتحدة في 2004؛ مشيرًا إلى ضرورة عقد القمة في أقرب وقت ممكن للتأكد من مدى جدية كوريا الشمالية في الحوار، قائلًا: إن «كوريا الشمالية استخدمت المفاوضات في الماضي للتغطية على تطويرها لأسلحة نووية، وأنا كنت متشككًا في نواياها».

لم يلتفت حينها أحدًا لتصريحات المستشار الجديد للأمن القومي الأمريكي، والذي لم يكن قد تولَّى منصبه بعد، وأيضًا بسبب التوتر الذي كان موجودًا حينها، والشكوك حول عقد القمة.

ولكن مع حدوث العديد من التطورات في الفترة الأخيرة، ومع اقتراب حدوث القمة فعلًا، بتحديد مكانٍ وزمانٍ وقائمة بالقضايا التي سيتم مناقشتها، قام «بولتون» بتجديد تصريحاته وإعلانها مرة أخرى؛ حيث قال في 29 أبريل (نيسان) الماضي، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»: «إن الولايات المتحدة تضع نصب أعينها النموذج الليبي لنزع الأسلحة النووية وتسعى لتطبيقه في كوريا الشمالية».

ما هو النموذج الليبي الذي سبَّب الأزمة؟

النموذج الليبي الذي تسبب في الأزمة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية هو ذلك النموذج التي طبَّقته الولايات المتحدة الأمريكية مع ليبيا في عام 2003؛ حيث وافق الزعيم الليبي حينها، معمر القذافي، على تخلي ليبيا عن برنامجها لأسلحة الدمار الشامل، وذلك في إعلان فاجأ العالم. وفي غضون أشهر قليلة، وكرد فعل على الخطوة التي اتخذتها ليبيا، رُفعت غالبية العقوبات الأمريكية المفروضة على ليبيا، كما تم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطرابلس.

«لقاء السحاب».. ما تفاصيل الاجتماع المنتظر بين ترامب وزعيم كوريا الشمالية؟

الطموحات النووية لدى كلٍّ من إيران وكوريا الشمالية لم تبدأ في الفترة الأخيرة فقط، وإنما منذ سنواتٍ طويلة. وكان القذافي قد علَّق «القذافي» من قبل عن إمكانية تطبيق «النموذج الليبي» مع كليهما، ومن جانب آخر كان القذافي قد عبر عن استيائه من الولايات المتحدة الأمريكية وإدارة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، وبحسب «هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» شكا القذافي من أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق، أوباما، لم تقم بدعوته إلى قمة الأمن النووي التي عقدت في واشنطن في شهر أبريل 2010.

(القذافي وأوباما عام 2009)

وقال القذافي حينها: «إن عدم مكافأة ليبيا عبر الدعوة لذلك المؤتمر يجعل من الصعب إقناع إيران وكوريا الشمالية بالتخلي عن طموحاتهما النووية، مؤكدًا أن الفشل في دعوة ليبيا لهذا اللقاء كانت خطأ وتخبطًا سياسيًا؛ وذلك لأنها كانت آخر دولة تخلت طوعًا عن برنامج أسلحة الدمار الشامل لديها، وذلك في إشارة منه إلى عدم تقدير ليبيا دوليًا بعد خطوة تخليها عن طموحاتها النووية».

كما ذكرت «بي بي سي» أن الدول الغربية قد طلبت من القذافي التوسط لدى طهران وبيونج يانج للتخلي عن طموحاتهما النووية، غير أنه رفض قائلًا: إن «النموذج الليبي لم يعد جذابًا لهم. نحن حتى لم نُدع إلى مؤتمر الأمن النووي، لذلك فإننا لا نمتلك حجة قوية يمكننا استخدامها مع إيران وكوريا الشمالية»، وأكد «القذافي» حينها أن النموذج الليبي ليس مفيدًا للسلم العالمي، وليس مفيدًا لعملية نزع الأسلحة، كما أنه لا يشجع الآخرين على اتباعه.

كوريا الشمالية تغضب.. وتهدد بإلغاء القمة

التصريحات التي ذكرها مستشار الأمن القومي الأمريكي عدة مرَّات أثارت غضب كوريا الشمالية؛ مما دفعها إلى إصدار بيانَا يوم الأربعاء الماضي للتعبير عن ذلك، ونُشر البيان عبر وكالة الأنباء الرسمية في البلاد؛ غير أن صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية ترجمته إلى الإنجليزية؛ حيث قالت كوريا الشمالية إنها قد تنسحب من القمة مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إذا أصرت الولايات المتحدة على تخلي بيونج يانج عن أسلحتها النووية.

كما اتهم نائب وزير الخارجية الكوري الشمالي، كيم كي جوان، الولايات المتحدة بإصدار بيانات متهورة، مشيرًا بأصابع الاتهام مباشرةً إلى مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، والذي قال عنه نائب وزير الخارجية الكوري الشمالي في بيانه: «نحن لا نخفي شعورنا بالاشمئزاز تجاهه».

وأضاف «جوان»: «حاصرتنا الولايات المتحدة، وطالبتنا من جانب واحد بنزع سلاحنا النووي، ولن تكون لدينا أي رغبة في التفاوض»، مشيرًا إلى أنه سيتعين على كوريا الشمالية إعادة النظر في المشاركة في القمة المرتقبة مع الرئيس الأمريكي الشهر المقبل، والمقرر انعقادها في سنغافورة.

كوريا الشمالية وسوريا.. قصة التعاون في صناعة الكيماوي لبشار الأسد

كما عبَّر نائب وزير الخارجية الكوري الشمالي عن إحباطه بسبب تصريحات بولتون، مشيرًا إلى أن كوريا الشمالية كان لديها الكثير من الآمال، لكن من المؤسف أن تقوم الولايات المتحدة باستفزاز بلاده قبيل القمة بالتفوه بهذه البيانات السخيفة، بحد تعبيره.

الجدير بالذكر أن كيم كي جوان يحظى بمكانة كبيرة لدى القيادة في كوريا الشمالية، كما أنه شارك في مفاوضات سابقة مع الولايات المتحدة، مما يشير إلى أن البيان الصادر عنه هو البيان المُعبِّر عن وجهة نظر زعيم كوريا الشمالية، كيم يونج أون، في غالب الأمر.

ترامب يحاول إصلاح الأمر.. ولكنه يفسده أكثر

حاول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إصلاح ما أفسده مستشاره للأمن القومي، جون بولتون، بعد تصريحات الأخير حول تطبيق النموذج الليبي لنزع أسلحة الدمار الشامل من كوريا الشمالية؛ حيث قال ترامب: «إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تسعى لاتباع ما يُعرف باسم نموذج ليبيا لنزع السلاح النووي مع كوريا الشمالية، معربًا عن أن اجتماعه المقرر مع كيم يونج أون ما زال ممكنًا».

التصريحات التي ذكرها ترامب جاءت في الوقت الذي كان «بولتون» حاضرًا فيه، وهو ما اعتبرته شبكة «سي إن إن» تناقضًا من قِبل الرئيس الأمريكي ومستشاره الجديد للأمن القومي، أو ما قد يمثل عدم اتفاق في وجهات النظر حول أزمة كوريا الشمالية.

وقال ترامب في تصريحاته: «إن النموذج الليبي ليس موجودًا لديه على الإطلاق عندما يفكر في كوريا الشمالية»، مضيفًا أن «الاتفاق الذي يفكر في عقده مع كيم يونج أون سيكون فيه سيظل الأخير فيه حاكمًا لبلاده، ومديرًا لشؤونها، وذلك بعد أن ذكرت كوريا الشمالية في وقتٍ سابق أن تطبيق النموذج الليبي عام 2003 كان بدايةً للتدخل الغربي في شؤون ليبيا، وصولًا إلى ما حدث عام 2011».

تصريحات ترامب التي صدرت يوم الجمعة كانت تسير على ما يرام في طريقها إلى إصلاح الأمور، حتى قال ترامب حينها: «مهددًا الزعيم الكوري الشمالي إنه في حالة عدم وصول الولايات المتحدة وكوريا الشمالية إلى إتفاق، فمن الممكن أن يلقى كيم يونج أون نفس مصير القذافي، والذي قُتل عام 2011 بعد اعتقاله مباشرة، وذلك بعد أن تدخلت القوى الغربية في ليبيا دعمًا للمعارضة في تظاهراتها ضد نظام القذافي».