أعلنت المحكمة العليا في البرازيل يوم الخميس 5 أبريل (نيسان) 2018، سجن الرئيس الأسبق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وذلك بعد رفضها التماسًا قدَّمه من أجل إرجاء تنفيذ عقوبة السجن الصادرة بحقه مدة 12 عامًا وشهر. وتأتي هذه الخطوة بعد استنفاد جميع فرص الطعن المتاحة أمام الرئيس الأسبق، ما يعني أنه قد يرقد بين جدران السجن خلال الأيام القليلة المقبلة.

الجدير بالذكر أن هذا القرار لم يكن موضع إجماع أعضاء المحكمة على الإطلاق؛ إذ إنه لم يصدر إلا بتصويت ستة أصوات مقابل خمسة، وذلك بعد مداولات استمرت 11 ساعة كاملة قبل النطق برفض الطعن، وذلك قبل ستة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي كان من المرجح أن يكون الرئيس السابق «دا سيلفا» أحد مرشحيها.

ولكن يشكل قرار المحكمة العليا انتصارُا كبيرًا للادعاء العام في القضية المعروفة باسم «غسيل السيارات»، والتي كشفت عن فضيحة فساد هائلة تطاول سياسيين من مختلف الأطياف.

«غسيل السيارات».. حيث بدأ كل شيء

الحكم بسجن دا سيلفا يأتي في سياق عملية «غسيل السيارات» في البرازيل، وهي العملية التي بدأت في شهر مارس (آذار) 2014 تحقيقًا صغيرًا في محطة بنزين وغسيل سيارات في مدينة برازيليا؛ إذ كانت هذه المحطة تستخدم من أجل غسيل الأموال؛ وقد وجدت الشرطة البرازيلية أن تجار الأموال في السوق السوداء كانوا يتصرفون بالنيابة عن أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة «بتروبراس»، التي تعتبر شركة النفط الحكومية. كما وجدت الحكومة أن الشركة كانت تعتمد على دفع تعويضات للمقاولين مقابل الحصول على تخفيض يصل إلى 5% على الصفقات الموجهة إلى الشركة.

اتسعت التحقيقات في عملية «غسيل السيارات» لتضم أطرافًا عديدةً أخرى؛ وقد اعترفت شركة «بتروبراس» بأنها دفعت رشى بقيمة 2.1 مليار دولار لأطراف متعددة. كما كانت هناك شركة «أوديبرشت» للإنشاءات، وهي الشركة العملاقة التي اعترفت بإنفاق ما لا يقل عن 3.3 مليار دولار على رشوة الأحزاب السياسية في البرازيل، وفي بلدان أخرى أيضًا مثل تشيلي، وبيرو، وكولومبيا، وبنما، وفنزويلا.

يأتي هذا في الوقت الذي ثبت فيه تورط المئات من السياسيين والمسؤولين في شبكة فساد عملاقة في البرازيل؛ فقد أدين ما يقرب من 100 من السياسيين والمسؤولين حتى الآن، من ضمنهم ثلاثة رؤساء للبرازيل، هم: لولا دا سيلفا، وميشال تامر، وديلما روزيف، رئيسة البرازيل التي عُزلت من منصبها مؤخرًا. هذا وتتضمن القضية التحقيق مع 71 برلمانيًا، فضلًا عن 238 عضوًا من أعضاء المجلسين في البرلمان البرازيلي، وهم المتهمون في قضايا تتعلق بالفساد الجنائي وليس المالي هذه المرة.

(الرئيسة البرازيلية السابقة المعزولة ديلما روزيف)

بدأت عملية «غسيل السيارات» في صورة تحقيق حول غسيل الأموال، والآن يبدو أنها قد أصبحت أكبر فضيحة فساد في أمريكا اللاتينية؛ إذ إنها خرجت خارج الحدود البرازيلية لتضم 11 دولة لاتينية أخرى، بمجموع فساد بلغت قيمته حوالي 30 مليار ريال برازيلي، أي ما يقارب حوالي 9.5 مليار دولار أمريكي.

قضايا فساد ورشى

في 12 يوليو (تموز) 2017، أدانت محكمة برازيلية الرئيس السابق دا سيلفا، وأصدرت حكمًا بالسجن تسع سنوات ونصف، وذلك في القضية الأولى بين خمس قضايا موجهة ضد الرئيس البرازيلي السابق، وبمجموع القضايا الأخرى المتعلقة بالفساد، وتلقي الرشى.

الجدير بالذكر أنه ثبت تملك الرئيس البرازيلي الأسبق ثلاثة شقق سكنية، بالإضافة إلى قطعة أرض، وسيارتين، وحسابين بنكيين فيهما ما يعادل مبلغ 190 ألف دولار، جاؤوا جميعًا بطرق غير مشروعة؛ مما أدى إلى حكم المحكمة بمجموع القضايا بسجن دا سيلفا مدة 12 عامًا وشهر كاملة.

وكان دا سيلفا قد أنكر في البداية ارتكابه أي جرائم فساد، أو تلقيه أي رشى، مبررًا أن هذه المزاعم هي لأسباب سياسية بحتة، وأنها تهدف إلى تقليل شعبيته في الوسط البرازيلي، قبل أن يعود لاحقًا ويعترف بالتهم الموجهة إليه في وقتٍ لاحق.

وقد طلب الرئيس البرازيلي الأسبق أن تسمح له المحكمة العليا بالبقاء خارج السجن إلى حين نفاد كل فرص الطعن المتاحة له، وقد وافقت بالفعل على طلبه منذ العام الماضي في القضايا المختلفة، إلا أن تصويت المحكمة البرازيلية العليا الأخير يعني أن على الرجل أن يدخل السجن خلال فترة الطعن في التهم الموجهة إليه ومنها الفساد؛ إذ رفضت بذلك طلب الرئيس السابق بالبقاء حرًّا خلال فترة البت في استئنافه، وحددت له مهلة قصيرة لتسليم نفسه لمقر الشرطة.

وبالتالي فإن دا سيلفا مضطر إلى تنفيذ العقوبة المحكوم عليه بها؛ إذ كانت أبرز تهم الفساد التي سينفذ عقوبتها تلقيه شقة فخمة على الشاطئ من شركة البناء «أوديبرشت»، وذلك مقابل امتيازات في مناقصات عامة.

الكواليس الأخيرة في قصة محاكمة «دا سيلفا» هي تلك المتعلقة برفضه تسليم نفسه للمحكمة؛ إذ لجأ مدة يومين كاملين: الجمعة والسبت، السادس والسابع من أبريل الجاري، إلى مبنى اتحاد عمال الصلب، بالقرب من مدينة ساو باولو، وذلك بعد انقضاء المهلة التي حددتها له المحكمة العليا في البرازيل، قبل أن يقوم بتسليم نفسه بعد ساعات؛ إذ خرج من المبنى ليجد في انتظاره سيارات الشرطة، وجرى نقله بالطائرة إلى مدينة كوريتيبا، حيث سيبدأ فترة سجنه، في الوقت نفسه، تجمع حشود حول المبنى يتظاهرون ضد الاعتقال. واستخدمت الشرطة العسكرية قاذفات القنابل الخفيفة والرصاص المطاطي لتفريقهم.

(لافتات منتشرة تطالب ببراءة لولا دا سيلفا)

طموحات رئاسية جديدة

يمكنهم اعتقال جثتي، ولكن ليس أفكاري.

هكذا صرَّح لولا دا سيلفا في 22 فبراير (شباط) 2018، وهو اليوم الذي أعلن فيه خوضه الانتخابات الرئاسية البرازيلية لولاية جديدة، والتي من المقرر لها أن تجري في شهر أكتوبر (تشرين الأول) القادم. وأصر لولا حينها على موقفه أنه لم يرتكب أي جرائم فساد، كما لم يتلق أي رشى بسبب منصبه رئيسًا للبرازيل، رغم أنه اعترف بذلك لاحقًا.

دوافع لولا للترشح للرئاسة هذا العام جاءت مدعومة برغبته في وقف «ممارسة التعذيب» الذي اعتبره الوصف الأدق لما تفعله وسائل الإعلام الخاصة ضده بسبب عملية «غسيل السيارات»، والتهم الموجهة إليه، قائلًا إنه «مهما طالت ساعات الدعايا السلبية ضدي، ومهما حاولوا إضفاء الشيطانية عليّ فيها، فإن ذلك لن يؤثر»، مؤكدًا أن المواطنين البرازيليين يعرفونه جيدًا، وأنهم على مستوى عالٍ من الوعي، ويمكنهم تقدير الأمور جيدًا. ومنذ إعلان «دا سيلفا» نيته الترشح لولاية جديدة، فإنه يتصدر جميع استطلاعات الرأي حول المرشح الأكثر شعبية، قبل أن يأتي قرار سجنه ليطيح تلك الطموحات بعيدًا.

(لولا دا سيلفا وسط مؤيديه)

وقد سبق لدا سيلفا تبوء حكم البلاد لفترتين بدأتا في الأول من يناير (كانون الثاني) 2003، وانتهتا في التاريخ نفسه عام 2011. ومن المقرر للانتخابات الرئاسية في البرازيل أن تُجرى في الفترة بين 7 و28 أكتوبر 2018.

برغم الفساد.. لماذا وكيف لا تزال شعبية «دا سيلفا» مرتفعة؟

لولا دا سيلفا هو السياسي الأشهر على كوكب الأرض.

كان هذا هو اللقب الذي أطلقه الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، على الرئيس البرازيلي الأسبق، في سبتمبر (أيلول) عام 2009،حين طلب أوباما أن يتولى لولا منصب رئيس البنك الدولي، وهو ما أشارت إليه صحيفة الجارديان البريطانية من قبل.

اللقب الذي أطلقه أوباما على دا سيلفا ليس مجرد مديح بروتوكولي، وإنما مُثبتٌ بالأرقام والإحصائيات؛ إذ إن الرئيس البرازيلي الذي تولى رئاسة البرازيل في عام 2003، وتركها عام 2011، خرج من مركز القيادة البرازيلية بنسبة موافقة من المواطنين وشعبية وصلت إلى 90% بحسب شبكة سي إن إن الأمريكية.

قد يظن البعض أن هذه الشعبية كانت في فترة حكم دا سيلفا فقط، والتي انتهت بحلول عام 2011، إلا أن الوضع الحالي ما زال يؤكد أن لولا يحظى بقبول كبير للغاية في البرازيل، حتى بعد اعترافه بتلقي الرشى، وارتكاب تهم فساد؛ وهنالك دلالات عديدةٍ على هذا الأمر.

الأمر الأول هنا هو سماح عمال اتحاد الصلب لـدا سيلفا بالاختباء واللجوء لديهم، بدلًا من تسليم نفسه إلى المحكمة لقضاء فترة السجن، وهو ما فعله بالفعل، قبل أن يتراجع عنه بعد أيام ويقوم بتسليم نفسه من أجل البدء في تنفيذ حكم السجن مدة 12 عامًا وشهر.

الأمر الثاني أن دا سيلفا -وهو زعيم لليسار البرازيلي، ولحزب العمال اليساري هناك- قد تظاهرت مجموعات عديدة من اليسار البرازيلي اعتراضًا على سجنه، كما دعت منظمات اجتماعية ونقابية وسياسية من اليسار إلى احتجاجات في البرازيل ضد حكم السجن الصادر بحقه.

وبرغم أن الدعوات لم تحظ بمتابعة شديدة، يتوقع تنظيم احتجاجات حاشدة في الساعات المقبلة في المدن الكبرى، وخاصةً في ساو باولو، وريو دي جانيرو. كما شهد عدد من المدن في البلاد قطعًا للطرق، إذ أُطلقت النار على سيدة تبلغ من العمر 35 عامًا في مدينة بارائيبا، والتي تعد إحدى أفقر الولايات البرازيلية حيث يتمتع الرئيس الأسبق بشعبية كبيرة.

الأمر الثالث هو تصدره جميع استطلاعات الرأي التي تم إجراؤها حول المرشح الأكثر حظًّا للفوز برئاسة البرازيل في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها بعد بضعة أشهر من الآن؛ إذ أكدت وكالة «بلومبيرج» أن لولا دا سيلفا هو الشخصية الأكثر هيمنة على السياسة البرازيلية في الوقت الحالي.

وبرغم تهم الفساد، واعتراف الرئيس الأسبق بتلقي رشاوي، إلا أن «بلومبيرج» أكدت أن لولا سيظل البطل الأول لملايين من الفقراء في العالم، وترجع شعبية لولا إلى التزامه الدائم بالعدالة الاجتماعية، فضلًا عن الازدهار الاقتصادي الذي عاشه البرازيليون خلال فترة حكمه التي استمرت ولايتين.

(التظاهرات التي خرجت دعمًا للرئيس الأسبق)

وكان لولا قد عمل على ضخ مليارات الدولارات في برامج اجتماعية عملت على تقليص الفوارق الاجتماعية، وعلى القضاء على عدم المساواة، وذلك بحسب ما أدلت به هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

وكان لولا معروفًا بإصلاحاته الاقتصادية والاجتماعية؛ فكان من أبرز البرامج والمشروعات التي عكست أفكار لولا للشعب البرازيلي مشروع «بولسا فاميليا»، وهو برنامج المساعدات المالية الذي أطلقه الرئيس الأسبق لولا دا سيلفا من أجل منح مساعدات للفقراء في البرازيل، ضمن خطته للقضاء تمامًا على الفقر في البلاد.

وقد انتفع من المشروع ملايين الأشخاص في البرازيل، وكان من أبرز نتائجه تحويل أكثر من 20 مليون برازيلي من تحت خط الفقر إلى مستويات أفضل للمعيشة. والجدير بالذكر أن البنك الدولي كان قد أشار في وقتٍ سابق أن مشروع «بولسا فاميليا» هو أحد أكثر برامج الحماية الاجتماعية فاعلية في العالم.

وبشكلٍ عام، فإن سياسات لولا دا سيلفا الاقتصادية والاجتماعية كان لها نتائج مبهرة؛ إذ انخفض معدل التضخم، في الوقت الذي ارتفعت فيه الأجور؛ مما ساهم في تحسين حياة ما يقارب 44 مليون شخص من الشعب البرازيلي.

المصادر

تحميل المزيد