بعد هجوم قوّات خليفة حفتر على العاصمة الليبية طرابلس في بداية أبريل (نسيان) الماضي، دخلت الأزمة في ليبيا فصلاً جديدًا من التأزم، إذ شهدت المعارك التي تجري بين جيش حفتر والقوّات التابعة لحكومة الوفاق الوطني بقيادة السرّاج سقوط أكثر من 454 قتيلاً  وأكثر من 2150 جريحًا. وتتّخذ هذه الحرب المشتعلة بين الفرقاء الليبيّين أهمّية بالغة بسبب موقع ليبيا الاستراتيجي من جهة، والأطراف الدولية المتدخّلة في الأزمة والتي تقف خلف كل طرف، إذ يرى مراقبون أنها فصل جديد في الصراع بين قوى الربيع العربي وقوى الثورة المضادّة.

وكان الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي قد وصف المعركة الجارية في ضواحي طرابلس بأنّها «مركز الصراع بين الربيع العربي وبين «محور الشرّ» الإماراتي السعودي المصري»، إذ إنّ خليفة حفتر يحظى بدعم كلّ من مصر والسعودية والإمارات، بينما تحظى حكومة السرّاج بالاعتراف الدوليّ، وقد عرّض هجوم جيش حفتر على مدينة طرابلس الجنرال الليبي إلى انتقادات دولية لاذعة، باعتباره انقلابًا على المسار السياسيّ التفاوضي الذي رعته الأمم المتّحدة بين الأطراف السياسيّة المتنازعة.

لكن اللاعب الذي يثير دوره جدلاً كبيرًا في الساحة الليبيّة هو فرنسا، إذ إنّ دعمها الدبلوماسي واللوجيستي للجنرال خليفة حفتر طرح العديد من التساؤلات عن دوافع هذا التوجّه وطبيعة المصالح التي تسعى نحوها، خصوصًا أنّ هذا الموقف قد احدث انشقاقًا داخل الاتحاد الأوروبيّ، وتسبّب لها في الكثير من الانتقادات من طرف الصحافة والمراقبين، فلماذا تدعم فرنسا الجنرال الليبي؟

حلف غير متوقّع.. فرنسا إلى جانب مصر والسعودية والإمارات

لا يمكن عزل الموقف الفرنسي في ليبيا عن النفوذ المتزايد لماكرون لدى أكبر داعمي المشير خليفة حفتر، السعودية والإمارات، فمنذ مجيء ماكرون إلى السلطة سنة 2017، عمل على تقوية علاقات بلاده مع كلا الدولتيْن وإبرام صفقات أسلحة بلغت مليارات الدولارات، بالإضافة إلى نسج علاقات سياسيّة واستغلال نفوذ بلاده للتأثير على سياسات هذه الدول، لينتقل هذا الحلف إلى الساحة الليبيّة التي شهدت تقاطع مصالح هذه الدول جميعها عند شخص واحد: خليفة حفتر.


«أنا قلق، لقد أخبرتك، لكن لا تستمع إليّ»


بهذه الكلمات خاطب الرئيس الفرنسي ماكرون وليَّ العهد السعوديّ حول قضيّة خاشقجي، بنبرة وأسلوب يشبه ذلك الذي يستعمله المعلّم مع تلميذه الطيّع. كانت هذه الكلمات خلال قمّة الدول العشرين «G20» التي جرت خلال السياق الملتهب المتعلّق بمقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في السفارة السعوديّة باسطنبول. العلاقة بين ماكرون والسعوديّة شهدت عدّة محطّات مهمّة عمل من خلالها الرئيس الفرنسي الشاب على بناء تحالف قويّ مع الأمير الصاعد في بيت آل سعود، فمن جهة يستخدم ماكرون الدبلوماسية الناعمة للتدخل في القضايا المختلفة، ومن جهة أخرى يضمن تدفّق السلاح الفرنسي إلى السعوديّة، وفوز الشركات الفرنسيّة بصفقات تقدّر بمليارات الدولارات. لعل أبرز المواقف التي بيّنت على حجم النفوذ الفرنسي المتصاعد في بيت آل سعود كان تدخّل ماكرون من أجل حلّ أزمة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الذي احتُجز في السعوديّة لعدّة أسابيع وأجبر -حسب مصادر- على تلاوة بيان استقالته، قبل أن يتدخّل ماكرون لاستدعائه في «زيارة» إلى فرنسا، ثم عودته إلى لبنان.

Embed from Getty Images

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان رفقة الرئيس الفرنسي ماكرون

«دبلوماسيّة صفقات السلاح» التي تستخدمها السعوديّة من أجل ضمان موقف الدول الكبرى كالولايات المتّحدة وفرنسا وبريطانيا، استطاعت من خلالها أن تُسكت قادة هذه البلدان على انتهاكات حقوق الانسان في اليمن وملفّ الصحافي خاشقجي، وهو ما تأكّد من خلال تصريح ماكرون بأنّه إيقاف بيع الأسلحة الفرنسيّة إلى السعودية بسبب قضيّة الصحافي المقتول خاشقجي يعتبر «ديماغوجيّة»، بما فيها الدبّابات والصواريخ الموجّهة التي جرى بيعها للسعودية والإمارات يجري استخدامها في حرب اليمن، وهو ما فتح عليه بابًا واسعًا من الانتقادات.

مصر كانت أيضًا إحدى أركان هذا الحلف الذي يقف خلف المشير خليفة حفتر، والتي عرفت بدورها علاقات استراتيجيّة مع الفرنسيّين، عمادها صفقات أسلحة بلغت 2.5 مليار دولار، بعد صفقة طائرات «رافال» التي بلغت أكثر من مليار دولار سنة 2015. بعيدًا عن حجم تأثير هذه العلاقات بين فرنسا من جهة ومصر والخليجيّين من جهة أخرى، فإنّ زيارات ماكرون لهذه البلدان وتمسّكه بصفقات السلاح رغم الانتقادات الهائلة التي يتعرّض لها من الصحافة ومنظّمات حقوق الانسان، تبيّن على توجّه فرنسا نحو الاستعانة بـ«القادة الأقوياء» الذين يمكن الاعتماد عليهم في المقاربات الأمنيّة ومشاريع الحرب على الإرهاب وإيقاف الهجرة غير الشرعيّة، بغضّ النظر عن السجلّ الحقوقي والديمقراطي في بلدانهم، وهذا ما ينطبق على الجنرال حفتر في ليبيا.

التدخل الفرنسي في ليبيا الذي يرجع إلى سنة 2011 حين قادت فرنسا الحلف الأطلسي من أجل الإطاحة بنظام الرئيس السابق معمّر القذّافي، لكن سرعان ما وجدت نفسها أمام فوضى عارمة وحرب أهليّة دمويّة بين فرقاء ليبيا ما بعد القذّافي، خصوصًا بعد حادثة مقتل السفير الأمريكي في مدينة بن غازي 2012 ثم صعود «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) هناك، وهو ما جعل الفرنسيّين  يبرّرون دعمهم للمشير خليفة حفتر باعتباره الرجّل القويّ في ليبيا الذي يستطيع إعادة شيء من الاستقرار والهدوء إلى الساحة الليبية، رغم بروز عدّة شواهد على وجود تعاون ضمني بين التنظيم وقوّات حفتر في مراحل سابقة.

صراع الثروة والنفوذ بين روما وباريس

جذور الصراع الفرنسي الايطالي في ليبيا حول الثروة والنفوذ لا تتوقّف عند الصراع المحموم على حقول النفط بين شركتيْ «إيني» الإيطالية و«توتال» الفرنسيّة أو التصريحات الناريّة بين الطرفين حول أحقّية كلّ منهما في إدارة الملفّ الليبي، بل يمكن إرجاعها أوائل القرن الماضي خلال الفترة الاستعماريّة حين كانت ليبيا تحت الاحتلال الإيطالي بينما كانت فرنسا تحتلّ الجارة تشاد والمغرب العربي، ففي خضمّ الصراع الأوروبي الذي سبق الحرب العالمية الثانية، وقّع وزير الخارجية الفرنسي لافال اتفاقية مع الزعيم الإيطالي موسوليني يقضي بالتنازل له عن شريط «آوزو» الغني باليورانيوم والواقع جنوب ليبيا، وقد كان الفرنسيون يطمحون من خلال هذا التنازل أن يقنعوا موسوليني بدعم معسكر الحلفاء ضد هتلر.
Embed from Getty Images

جنود ليبيون في شريط «آوزو»

لكن حتّى بعد استقلال ليبيا، بقي تأثير الدولتيْن على مستعمراتهما السابقة للحفاظ على مصالحهما قائمًا، فحرب ليبيا مع تشاد المعروفة بحرب «التويوتا» التي قادها القذافي إثر الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس التشادي تمبلباي سنة 1975 والذي كانت له اتفاقيات خاصة مع الجانب الليبي يقضي بالسماح لليبيا باستغلال الإقليم وإدارته، شهدت تدخّل الفرنسيين بعُنف لصالح النظام الجديد في تشاد من أجل الحفاظ على مصالحهم الاستراتيجية في مستعمرتهم السابقة، فقد كانت فرنسا هي من اكتشفت المخزون الهائل من اليورانيوم في شريط «آوزو» سنة 1957، وانتهت الحرب بانتصار ساحق للتشاديين، ولهزيمة كبيرة لليبيا، والتي -للمفارقة- شهدت أَسر العديد من الليبيين من بينهم، خليفة حفتر، الذي سيقود ميليشياته بعد 30 سنة ضد العاصمة طرابلس، لكن هذه المرة بدعم من الفرنسيين.

«نصر سريع» في ليبيا.. رهان ماكرون الخاسر


أشعل الوزير الأوّل الإيطالي أزمة بين بلاده وفرنسا بعد تصريحاته التي قال فيها إنّ سياسات فرنسا اتجاه إفريقيا «قد أعاقت تقدّم الدول الافريقية وتسبّبت في زيادة معدّل الهجرة» وقد كان هذا التصريح النادر من مسؤول أوروبيّ أحد المؤشّرات على وصول الاستراتيجيّة الفرنسيّة في إفريقيا إلى أفق مسدود، خصوصًا مع تراجعها الشديد مؤخّرًا مقابل صعود التنين الصينيّ. وفي حين تبلغ المبادلات التجارية بين فرنسا وإفريقيا أكثر من 5 مليار يورو، إلاّ أن الساحة الاقتصاديّة في إفريقيا عرفت تغيّرًا في ميزان القوى وتراجعًا للوجود الاقتصادي الفرنسي بشكل واسع، إذ اصبحت تلجأ الكثير من البلدان الافريقية -التي كانت إلى وقت قريب حكرًا على الشركات الفرنسيّة كـ «توتال» و«أريفا» وغيرها- إلى الشركاء الصينيين بدل الفرنسيّين، وهو ما أدّى بفرنسا إلى مراجعة استراتيجيّتها ومقاربتها اتجاه جيرانها الجنوبيّين من أجل إعادة بعث وجودها ونفوذها التاريخي في أفريقيا، منذ العهد الاستعماريّ، ففي الوقت الذي استثمرت فيه الصين أكثر من 38 مليار دولار في أفريقيا في سنة 2016 وحدها، لم تستمثر فرنسا أكثر من 7 مليار دولار. بعد مجيء الرئيس ماكرون إلى السلطة في سنة 2017، رأى أنّ ليبيا من الممكن أن تكون «نصرًا سريعًا» يستطيع من خلاله تدشين عودة فرنسا إلى منطقة الساحل بقوّة، من أجل حماية أوروبا من موجة الهجرة غير الشرعية و«الإرهاب»، بالإضافة إلى التهام حصّة من ثروات ليبيا النفطيّة الهائلة.

Embed from Getty Images

المشير خليفة حفتر في قصر الإيليزيه

 

مباشرة بعد وصول ماكرون إلى قصر الإيليزيه، عمل على تأكيد حضور بلاده في الملفّ الليبي بقوّة، وأرسل من خلال لقائه بكلّ من خليفة حفتر وفايز السرّاج ورعايته للّقاء التاريخيّ بين الخصمين المتحاربين، رسالةً لمنافسيه التقليديّين في ليبيا – وفي مقدّمتهم إيطاليا – بأنّ فرنسا لن تتراجع عن هذا الدور. ذلك اللقاء الذي أراد ماكرون أن يصوّره باعتباره رعاية فرنسيّة لـ«مصالحة تاريخيّة» بين الفرقاء التاريخيّين، وفي حين أراد ماكرون أن يدشّن بهذه الخطوة الرمزية -التي أثبتت فشلها الذريع فيما بعد- عودة فرنسا التاريخيّة إلى الساحة الدوليّة، كان قد أشعل غضب روما التي رأت في هذه الخطوة كسرًا لجهودها، خصوصًا أن رهان ماكرون على خليفة حفتر كان السبب الرئيس في إفشال مؤتمر باليرمو المنعقد في إيطاليا، والذي كان ينتظر منه الإيطاليون أن يكون بداية لحلّ الأزمة الليبية.

وقد تعرّض ماكرون للانتقادات جمّة جراء استراتيجيّة بلاده خلال الأزمة الليبيّة الحاليّة، إذ أحبطت فرنسا قرارًا من الاتحاد الأوروبي يشجب فيه الاعتداء المسلّح من جيش حفتر على العاصمة الليبية طرابلس، وانتقدت الكثير من وسائل الاعلام الأوروبيّة والعالمية ما وصفته بـ«لعبة فرنسا المزدوجة»، إذ عوّلت من جهة على حفتر من أجل وقف الجماعات المسلّحة المتطرّفة، فدعمته بالسلاح والدبلوماسيّة، ليستخدم هذا الدعم في إحراجها دوليًا بعد هجومه على طرابلس.

Embed from Getty Images

المعارك في طرابلس عاصمة ليبيا

تعويل فرنسا على خليفة حفتر وقوّاته يرجع إلى سنة 2015، إذ رأوا فيه حليفًا قويًّا يمكن الاعتماد عليه من أجل إعادة شيء من النظام إلى الساحة الليبية الملتهبة منذ سقوط نظام القذّافي سنة 2011، من أجل إيقاف الجماعات الاسلاميّة المسلّحة ووقف قوارب الهجرّة السريّة التي تقصد شمال البحر المتوسّط حسب الرواية الفرنسية، لكن هذا الدعم لم يكن بدون عواقب، إذ أثار حفيظة حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا، وكان فايز السرّج قد صرّح خلال الأزمة الحاليّة  بأن الدعم غير المتوازن من طرف فرنسا لحفتر هو الذي شجّعه على الخروج على المسار السياسي ودفعه للهجوم على طرابلس»، وكانت حكومة السرّاج قد أعلنت تجميد التعاون الأمني مع فرنسا على خلفية هجوم جيش حفتر على طرابلس.

وقد كشفت وفاة ثلاثة عملاء سرّيين فرنسيين في ليبيا سنة 2016 عن وجود فرنسيّ عسكريّ لوجيستي كثيف غير معلن في الساحة الفرنسية من أجل دعم خليفة حفتر.ورغم قرار منع بيع الاسلحة الذي أقرّت «الأمم المتّحدة» من أجل حضّ الفرقاء الليبيين على الجلوس إلى مائدة الحوار والوصول إلى حلّ للأزمة، إلاّ أن حفتر لم يتورّع في الإعلان أكثر من مرّة حصوله على سلاح من فرنسا، بالإضافة إلى السعودية والإمارات ومصر.

لكن بعيدًا عن البُعد الأمني أو المتعلّق بالهجرة السريّة من ليبيا إلى أوروبا، فإنّ الكثير من المحلّلين يسلّطون الضوء على حرب باردة بين الأوروبيين تجري في الأراضي الليبيّة وسباق شديد على الموارد النفطيّة الكبيرة التي تحظى بها ليبيا، إذ تعدّ ليبيا صاحبة أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، وقد خرج هذا الصراع للنور بين الإيطاليين والفرنسيين من خلال حرب التصريحات بين الطرفين، إذ هاجم مسؤولون وسياسيّون إيطاليّون التدخّل الفرنسي في الملفّ الليبي الذي يعتبرون حكرًا على إيطاليا، بسبب معرفتها بالتركيبة السياسية والاجتماعيّة والقبليّة لليبيا -حسب الرواية الايطالية-، بينما يؤكّد المراقبون على أنّ السباق الحقيقي هو حول حقول النفط التي تتقاسمها

هل تضغط فرنسا على الحراك الجزائري بالورقة الليبيّة؟

وعند الحديث على التواجد الفرنسي في ليبيا وفي الشمال الافريقي بشكل عام، لا يمكن إغفال الغريم التاريخي المتمثّل في الجزائر، والتي تشهد منذ فبراير الماضي انتفاضة شعبيّة أسقطت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي استمرّ في الحكم 20 سنة، وكانت وسائل إعلام ومحلّلون قد ربطوا بين تحرّكات خليفة حفتر والحراك الشعبي في الجزائر، إذ اعتبروا الخطوة «غير بريئة»، والتي من شأنها إشعال الحدود الشرقية للجزائر وإدخال الجيش الجزائري في وضعيّة تأهّب، في الوقت الذي يسيطر الجيش فعليًّا على مقاليد الحكم منذ استقالة بوتفليقة.

كان خليفة حفتر قد هدّد الجزائر في سبتمبر (أيلول) 2018 بنقل الحرب إلى الداخل الجزائري حسب قوله، قبل أن يعتذر أحد المقرّبين منه على هذا التصريح، ممّا أعطى إشارة على حجم التوتّر في العلاقة بين حفتر والجزائر، والتي اتّخذت رسميًّا موقفًا حياديًا بين الأطراف المتنازعة في ليبيا وعملت على دعم جهود الوساطة الأممية للوصول إلى حلّ سياسي من خلال التفاوض. وكان بيان للخارجية الجزائرية قد دعى الأطراف الليبية إلى «التعقّل»، واعتبرت أن التصعيد العسكري يعيق مسار التسويّة».

المصادر

تحميل المزيد