منذ إعلان أستراليا في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 الاشتراك في تحالف أمني جديد باسم «أوكوس» (AUKUS) يضمّ إلى جانبها كلًا من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، بما يتضمّن حصول كانبرا على غواصات ذات دفع نووي، في مواجهة الصين، ولا تكف ماليزيا وإندونيسيا عن الإعراب عن قلقهما من تداعيات تأسيس هذا التحالف ومن حصول أستراليا على الغواصات النووية.

وفي لقاءٍ بين وزيرة الخارجية الإندونيسية ريتنو مارسودي ونظيرها الماليزي سيف الدين عبد الله، أمس الاثنين 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، قالت وزيرة الخارجية الماليزية: «اتفقنا على ضرورة استمرار الجهود المبذولة للحفاظ على منطقة سلمية ومستقرة، ولا نريد للديناميات الحالية أن تسبب التوتر في سباق التسلح وأيضًا في استعراض القوّة».

وتتخوّف كل من ماليزيا وإندونيسيا من أن سعي أستراليا للحصول على الغواصات النووية قد يسهم في تدشين سباق تسلّح مع الصين، وبالتالي التأثير على التوازن العسكري في المنطقة، بالإضافة إلى تهديد الاستقرار في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، فضلًا عن أن أي صدام مسلّح بين الصين وأستراليا من شأنه أن يؤثر سلبًا على الوضع الاقتصادي للمنطقة ككل، ناهيك على الضغوط السياسية التي قد تُمارس داخل تكتّل «آسيان» من أجل الانحياز إلى أحد أطرف الصراع: تحالف «أوكوس» أو الصين.

ماليزيا قلقة من تغيّر المعادلة في بحر الصين الجنوبي

رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد حذّر من أن خطّة أستراليا لشراء الغوّاصات النووية قد ترفع احتمالية الصدام المسلّح في بحر الصين الجنوبي؛ وأنها ستؤدي إلى سباق تسلّح في المنطقة بعد إنشاء تحالف «أوكوس» الأمني من أجل مواجهة الصين.

وقال مهاتير محمد في هذا الصدد: «هذا الاتفاق يعتبر الصين عدوًا محتملًا، وقد يؤدي بك إلى خوض الحرب، وعليك أن تتخيّل ما قد تؤدي إليه الحرب في جنوب شرق آسيا»، وكذلك انتقد التوجّه الأسترالي القديم والمتجدّد الذي يفضّل «النظر غربًا» والتقارب مع أوروبا والولايات المتحدة بالأساس، على حساب الآسيويين الأقرب جغرافيًا، وقال إن أستراليا «تعتبر نفسها دولة أوروبية».

وبدوره انتقد رئيس الوزراء الماليزي الحالي، إسماعيل صبري، قيام هذا التحالف العسكري الذي قد يساهم في اضطراب المنطقة الآسيويّة من خلال إشعال سباق تسلّح نووي بفعل حصول أستراليا على الغواصات النووية، وعبّر عن قلقه في مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون، إثر إعلان الاتفاق.

وحسب السياسي الماليزي المخضرم مهاتير محمد فإن أحد أهم أسباب القلق الماليزي من أحلام أستراليا النووية هي الخوف من أيّة صدامات في بحر الصين الجنوبي، والذي تؤكّد الصين سيادتها عليه رغم أن العديد من الدول الآسيوية – من بينها ماليزيا – تنازعها عليه، وقد خسرت الصين تحكيمًا دوليًا في سنة 2016 حول مطالبتها بهذا البحر.

وأكّد رئيس الوزراء الماليزي السابق أن انضمام أستراليا لتحالف «أوكوس» من شأنه تغيير إستراتيجية الصينيين بشأن بحر الصين الجنوبي؛ فرغم أن بكين تؤكد سيادتها على أغلبية مساحة هذا البحر، فإنّها لم تترجم هذه السيادة على أرض الواقع حتى الآن؛ إذ تسمح للسفن الأجنبية وحتى الحربية باستخدامه، لكن التحالف الأسترالي الأمريكي الأخير، وحصول أستراليا على الغواصات النووية من الممكن أن يغيّر الموقف الصيني في هذا البحر.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد رفقة نظيره الصيني لي كي جيناج

فقد تعايشت كوالالمبور مع بكين طوال العقود الماضية رغم بعض الشوائب التي طالت العلاقة؛ وتفضّل ماليزيا التعامل مع الصين من خلال تكتّل «آسيان» الذي يضمّ: (فيتنام، تايلاند، سنغافورة، الفيليبين، ميانمار، ماليزيا، لاوس، إندونيسيا، كمبوديا، بروناي) من أجل حلّ الخلافات فيما بينهما.

وتخشى ماليزيا من أن يؤدّي التصعيد بين الطرفين إلى إجبارها على الانحياز إلى أحدهما؛ في الوقت الذي تفضّل فيه ماليزيا عدم التورط في الصراع، وحلّ خلافاتها، العالقة والمتجددة، مع الصين عبر قنوات دبلوماسية أخرى بعيدة عن مظلة الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحديد عن طريق «آسيان».

وتتمع ماليزيا بعلاقات شديدة التركيب مع الصين؛ فعلى الرغم من كثافة الروابط الاقتصادية التي تجمع بينهما، من خلال حصول الصينيين على العديد من المواد الأوّلية من ماليزيا، والسوق الضخمة التي توفّرها الصين للمنتجات الماليزية؛ فإن هذه العلاقة كانت مليئة بالأزمات، خصوصًا بالنسبة إلى الجانب الماليزي.

إحدى هذه الأزمات تتعلق بالأقلية الصينية التي تعيش في ماليزيا جنبًا إلى جنب أغلبية «المالايو» الحاكمة منذ استقلال البلاد، ووجود تنافس حول النفوذ والسلطة بين الطرفين أدى تاريخيًا إلى صدامات ومشاحنات، هذا بالإضافة إلى التدخلات الصينية في الشأن الماليزي، آخرها كان حادثة سنة 2015 حين تظاهر مجموعة من إثنية المالايو في شارع تجاري يعدّ معقلًا للإثنية الصينية في العاصمة الماليزية كوالالمبور، فنزل إليهم السفير الصيني وأكد أن بلاده «لن تسمح بالتعرض للصينيين بسوء»، وهو ما أشعل أزمة دبلوماسية بين البلدين.

Embed from Getty Images

قمة «آسيان» في بانكوك سنة 2019

لذا فإن ماليزيا، مثل بقية دول جنوب آسيا التي تملك علاقات خاصة مع الصين (ليست دائمًا وديّة ولكنها ليست صدامية أيضًا) تفضّل أن تحلّ مشكلاتها مع الصين داخل أروقة «آسيان»، وهو ما أثبت نجاحه النسبي من خلال وضع قواعد للنشاط في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه بين الصين والدول الآسيوية.

وبالتالي تختلف المقاربة الآسيوية في التعامل مع الصين عن الاستراتيجية الأمريكية التي تدفع نحو الصدام معها، والتي نجحت في استقطاب سنغافورة التي أعلنت ترحيبها بتحالف «أوكوس» الجديد وحصول أستراليا على الغواصات النووية، وعن تلك الإستراتيجية يقول مهاتير محمد: «نحن جيران الصين، لا يمكننا مواجهتها، أستراليا والولايات المتحدة الأمريكية تريدان إقناع دول آسيان بمواجهة الصين. لا نستطيع القيام بذلك صحيح أن الولايات المتحدة لديها الكثير لتقدّمه لجنوب شرق آسيا، لكن الصين أيضًا لديها ما تقدمه».

وتخشى ماليزيا من تأثير سباق التسلح على الأسواق في المنطقة، خصوصًا في ظل معاناة اقتصادها جراء جائحة كورونا، في هذا الصدّد قال مهاتير محمد: «يريدون إرسال الصواريخ إلى الفضاء الخارجي، دعهم يفعلون ذلك فهذا لا يضرّنا، لكن لا تزعزعوا استقرار أسواقنا».

ليست الغواصات النووية وحدها ما يقلق إندونيسيا

إندونيسيا هي الأخرى قلقة من انضمام أستراليا لتحالف «أوكوس» الجديد وحصولها على الغواصات النووية، وما قد يؤدي إليه ذلك من زعزعة لاستقرار المنطقة، ورغم عقد لقاء لوزراء خارجية ودفاع البلدين، في سبتمبر (أيلول) 2021 وتوقيع اتفاقيات أمنية، فإن انضمام أستراليا لتحالف “أوكوس” قوبل بالامتعاض من الجانب الإندونيسي.

وتملك إندونيسيا وأستراليا علاقات متشابكة، فرغم التصريحات الوديّة بين الطرفين، فإنّ جاكرتا تنظر بتشكّك تجاه كانبرا لزيادة قدراتها العسكرية وتضخيم سلاحها البحري بحصولها، ليس فقط على غواصات نووية، بل أيضًا صواريخ بعيدة المدى، وخصوصًا بسبب تاريخ أستراليا القريب في التدخل في جزيرة تيمور الشرقية التي تقع ضمن المجال الحيوي الإندونيسي.

فقد كانت الجزيرة تحت الاحتلال البرتغالي حتى استقلالها في سنة 1975، وجرى السيطرة عليها من طرف إندونيسيا حتى إجراء استفتاء تقرير المصير سنة 1999 الذي حصلت بموجبه على استقلالها، ولا تزال إندونيسيا تعتقد أن أستراليا تدخلت في إجراءات الاستفتاء لصالح الاستقلاليين، بالإضافة إلى كشفها عن أنشطة تجسس أسترالي في الجزيرة.

Embed from Getty Images

قمّة «آسيان» وأستراليا سنة 2018

أيضًا أحد دوافع القلق الإندونيسي من امتلاك أستراليا العديد من الغواصات النووية، حسب ناتالي سامبي، المديرة التنفيذية لـ”Verve Research” (وهي مجموعة بحثية متعددة التخصصات تركز على جيوش جنوب شرق آسيا)، يتعلق برد الفعل الصيني، إذ من المرجّح أن تكثّف بكين من استعداداتها في بحر الصين الجنوبي من خلال تنصيب دفاعات مضادة للغوّاصات، وتوسيع الأسطول البحري الصيني، خصوصًا أن إندونيسيا تشكو من نشاط السفن الصينية في المجال الاقتصادي الإندونيسي.

هذا التسارع في سباق التسلّح في جنوب شرق آسيا سيجبر إندونسيا على زيادة الإنفاق العسكري من أجل مجاراة جيرانها وتعزيز دفاعاتها، ورغم أن إندونيسيا أعادت بناء جيشها وتجهيزه بهدوء خلال العقد الماضي؛ فإن التحدي الجديد الذي بدأته أستراليا من شأنه أن يدفعها إلى زيادة تمويل قطاع التسليح، بدلًا عن توجيه هذه الموارد المالية والبشرية إلى مجابهة تبعات جائحة كورونا التي ضربت الاقتصاد الإندونيسي بشدّة.

وإلى جانب ذلك فإن إندونيسيا قلقة من ابتعاد أستراليا عن محيطها الإقليمي الآسيوي أكثر فأكثر، واتجاهها نحو الولايات المتحدة الأمريكية؛ فرغم تأكيد أستراليا في إستراتيجيتها الدفاعية على ضرورة تعزيز العلاقات مع تحالف «آسيان»، فإن دخولها تحالف «أوكوس» مع الولايات المتحدة وبريطانيا، والذي اعتُبر من طرف المحلّلين تحالفًا أنجلوساكسونيًا، من شأنه أن يدفعها نحو الغرب أكثر فأكثر، ويدفع التعاون الأمني مع البلدان الآسيوية إلى مستويات أقل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد