كان يوم الاثنين الماضي حافلًا بالتطورات المتعلقة بالأزمة الليبية في ست عواصم حول العالم، القاهرة المصرية، وأنقرة التركية، وفاليتا المالطية، وطرابلس الليبية، والدوحة القطرية، وواشنطن الأمريكية.

كان الحدث الأبرز موافقة البرلمان المصري «بإجماع آراء النواب الحاضرين»، على تفويض الجيش بإرسال قوات في مهام قتالية خارج حدود الدولة في الاتجاه الاستراتيجي الغربي، أي: ليبيا.

في اليوم نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالًا هاتفيًّا مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب، وشدد على ضرورة وقف «التدخلات الأجنبية غير المشروعة، التي لم تزد القضية سوى تعقيد وتصعيد».

عربي

منذ شهر
خريطة القوى الدولية في ليبيا.. مصالح وأهداف كُل دولة في الصراع

في مقابل التفويض البرلماني المصري والمكالمة الهاتفية مع ساكن البيت الأبيض، عقد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، في يوم الاثنين أيضًا، اجتماعًا ثلاثيًّا مع وزير الداخلية والأمن القومي المالطي بيرون كاميليري، ووزير الداخلية في حكومة الوفاق الوطني الليبية، فتحي باشاغا.

وفي اليوم نفسه، استقبل أكار وزير شؤون الدفاع القطري خالد بن محمد العطية، وأعرب له عن امتنان أنقرة للدعم الكبير الذي تقدمه الدوحة للحكومة الشرعية في ليبيا، من أجل توفير بيئة استقرار في المنطقة.

كان من المعتاد أن تستحوذ خمس عواصم من هذه الست (إسطنبول، والقاهرة، والدوحة، وواشنطن، وطبعًا طرابلس) على عناوين التغطيات الإخبارية حول ليبيا، لكن ما موقع العاصمة المالطية فاليتا من الأزمة الليبية؟ ولماذا تضع يدها في يد أنقرة وحكومة الوفاق خلال هذه المرحلة المتوترة؟ وما الذي يدفعها إلى المخاطرة بإغضاب المفوضية الأوروبية، وخاصة فرنسا، التي لديها مصالح سياسية واقتصادية وعسكرية في ليبيا؟ وما الذي تستفيده تركيا من انضمام دولة بحجم مالطا إلى جانبها؟ هذا ما ستسلط السطور التالية الضوء عليه.

لماذا يمَّمَت مالطا وجهها صوب تركيا؟

تحوَّلت استراتيجية مالطا الخارجية بين عشية وضحاها صوب تركيا؛ في محاولة واضحة لإنهاء «العزلة عن الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة»، حسبما يذهب سافيور بالزان، مؤسس صحيفة «مالطا توداي».

ووجهة نظر مالطا هنا بسيطة، وملخصها: أنها تواجه أزمة إنسانية مع فتح منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​على مصراعيها أمام مهربي البشر،  فلماذا لا تسعى لحل المشكلة من المنبع، مستفيدة من نفوذ أنقرة على حكومة الوفاق الليبية؟

Embed from Getty Images
وزير الدفاع التركي خلوصي أكار أثناء زيارته مقابر الجيش التركي في مالطا.

إذا كانت مهمة «إيريني» – التي حلَّت محل مهمة «صوفيا» –  لا تهتم بوقف تهريب البشر وإنقاذ المهاجرين، فيتعين على فاليتا أن تهتم بشؤونها الخاصة، وتحمي مصالحها في البحر الأبيض المتوسط، الذي ​​يعلم وزير الداخلية المالطي أنه «من أخطر طرق الهجرة في العالم».

ربما يثير تقارب مالطا مع تركيا غضب المفوضية الأوروبية، وخاصة فرنسا أحد أهم شركائها التجاريين، لكن الاستقرار في ليبيا «أمر بالغ الأهمية لمالطا»، وأي تطورات سلبية في ليبيا يمكن أن يكون لها «تأثير كبير في مالطا»، كما ألمح وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، قبل أسبوع، خلال مؤتمر مشترك مع نظيره المالطي إيفاريست بارتولو.

عززت انتصارات حكومة الوفاق الأخيرة الثقة في تركيا حليفًا يمكن الاعتماد عليه هناك، وإذا كانت معظم الأطراف الأخرى تحاول إخفاء الحجم الحقيقي لدورها على الأرض في ليبيا – عدا مصر التي حصلت على ضوء أخضر للتدخل عسكريًّا من برلماني شرق ليبيا والقاهرة وتفويض من بعض القبائل الليبية – تستند تركيا إلى اتفاق عسكري أمني وقعته مع حكومة الوفاق، المعترف بها دوليًّا، يقضي بفتح المجال الجوي والبحري أمام الجيش التركي رسميًّا، «تحت غطاء شرعي وقانوني».

صحيحٌ أن مصر وتركيا «ما زالتا في طور الحماسة، وتديران الصراع على أساس لعبة صفرية، ولم تصلا بعد إلى مرحلة العقلانية في معالجة الأزمة»، كما يرى المحلل السياسي حسن المومني، لكن حين تُقرَع طبول الحرب بدأب، لا تجد دولة مثل مالطا بُدًّا سوى البحث عن حليف يعينها على مواجهة المخاطر المُحدِقة بها.

ما أبرز المصالح التي تجمع تركيا ومالطا؟

حين يعلن وزير الداخلية والأمن القومي المالطي أن تركيا «دولة ذات إمكانات وأهمية استراتيجية كبرى»، ويستشهد بما تتمتع به البلدان من «علاقات ثنائية قوية»، فهو يُغضِب كثيرين من أعداء أنقرة، لكنه في الوقت ذاته يراعي مصالح سياسية واقتصادية طموحة تجمع بين البلدين.

لا تتعلق المسألة الاقتصادية فقط بالبضائع التي تستوردها مالطا من تركيا بأكثر من 300 مليون يورو – وإن كان الميزان التجاري ما يزال يميل كثيرًا لصالح أنقرة – ولا حتى بالـ500 مستثمر تركي الذين يديرون حوالي 1.3 مليار دولار في مالطا، حسبما صرَّح رئيس الوزراء التركي السابق، ابن علي يلدرم، خلال ندوة عقدت في فبراير (شباط) 2017.

بل يتطلع البلدان إلى ما هو أبعد، ولتحقيق ذلك وقعت أنقرة وفاليتا 13 اتفاقية ثنائية، منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، منها اتفاقية لتفادي الازدواج الضريبي في عام 2014، وكان إحياء مجلس الأعمال المالطي التركي خطوة إيجابية نحو المزيد من تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين.

دولي

منذ شهر
مبارزة طويلة.. هل كسب أردوغان حتى الآن نقاط مباراته مع ماكرون؟

كما تعدُّ الرحلات الجوية الأسبوعية الثلاثة عشرة من إسطنبول – التي تستأنف اعتبارًا من أول أغسطس (آب) القادم – عنصرًا حاسمًا في تعزيز هذه العلاقات، ناهيك عن دعم مالطا «غير المشروط» لعضوية تركيا – المتعثرة – في الاتحاد الأوروبي؛ ذلك التكتل الذي يصعب إيجاد حلفاء فيه لدولةٍ يقودها أمثال أردوغان.

تحتاج تركيا أيضًا إلى حشد أكبر عدد ممكن من الحلفاء، وإن كانت تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ففي ظل غياب موقف موحد بين أعضاء حلف الناتو والاتحاد الأوروبي بشأن ليبيا، من المفيد لأنقرة أن تنضم المزيد من الدول إلى جبهتها، حتى لو كانت بحجم مالطا، أصغر بلد في الاتحاد الأوروبي من حيث المساحة، التي تبلغ 315 كم مربعًا، والسكان البالغ عددهم 429 ألفًا.

هذه هي بعض المصالح التي ينبغي أن يُنظَر من عدستها إلى الاجتماع الثلاثي بين مسؤولي الدفاع والأمن في تركيا ومالطا وليبيا، وكذلك إلى الزيارة التي قام بها خلوصي أكار قبله إلى مالطا، قادمًا من ليبيا، يوم السبت الموافق 4 يوليو (تموز)، رفقة رئيس الأركان يشار جولر، ليلتقي يومها بيرون كاميليري أيضًا، وينتهز الفرصة ليعلن «افتخاره بالأداء المشرف لجنود بلاده في ليبيا».

«فيتو» مالطا.. شرخ في جدار عملية «إيريني» 

حين لَمَز وزير الدفاع التركي خلوصي أكار دول الاتحاد الأوروبي التي أطلقت عملية «إيريني»، كان يدرك أيضًا أن المهمة البحرية لا تتم بالتنسيق الكامل مع حلف الناتو، ولا تحظى بإجماع بين سائر الدول الأوروبية، ولذلك ساءلهم عن مدى شرعية العملية في نظر القانون الدولي، وعن أبعاد تعاونها مع الأمم المتحدة.

يتماشى هذا الموقف مع تعليق مالطا مشاركتها في عملية «إيريني»؛ احتجاجًا على سياسة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالهجرة، وهو القرار الذي يعني عدم تقديم أي مساهمة عسكرية في المهمة، بل التلويح باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي تمويل إضافي أو تمديد للعملية، ما يمثل شرخًا في جدار العملية.

وقرار مالطا المفاجئ باستخدام الفيتو ضد تخصيص أموال الاتحاد الأوروبي لعميلة «إيريني»، من المحتمل أن يكون ناتجًا من التأثير التركي، على وعدٍ بفرض مزيد من الضوابط على تدفق الهجرة من ليبيا، حسبما خلُص تحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي الشهر الماضي.

Embed from Getty Images
لقاء وزير الخارجية المالطي إيفاريست بارتولو مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو في 14 من الشهر الحالي.

وإذا كانت شهادة أنقرة مجروحة في وصف «إيريني» بأنها «تفتقد الشرعية، وتهدف إلى دعم الجيش الوطني الليبي»، فإن وزير خارجية مالطا إيفاريست بارتولو، كان في موقف أفضل حين قال: «بالتأكيد لا نؤيد وصول الأسلحة إلى ليبيا، لكن يجب أن نكون منصفين، وينبغي ألا نكون منافقين، وألا نكيل بمكيالين»، مشددًا على ضرورة تطبيق حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا على جميع الطرق البرية منها والجوية، وليس فقط تلك الآتية من البحر.

وحتى قبل ولادة المهمة رسميًّا، كانت مالطا تشكك في قدرتها على التصدي للأسلحة والذخيرة التي تصل إلى ليبيا، وتساءل الرئيس المالطي جورج فيلا في الثالث من أبريل (نيسان): «ماذا إذا ركزت المهمة فقط على الطرق البحرية وتجاهلت إمكانية نقل الأسلحة عن طريق البر والجو؟»، وهذا عَيْنه ما تقوله تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، بل يتقاطع في بعض جوانبه مع انتقاد واشنطن للعملية بأنها «متحيزة وليست جادة».

ولا يهم كثيرًا بعد هذا التطابق في الآراء أن تختلف دوافع كل طرفٍ سعيًا وراء مصالحه؛ ففي حين ترى تركيا وحكومة الوفاق أن العملية الأوروبية تستهدفهما مباشرة وتغض الطرف عن الدعم المقدم إلى حفتر، تتهم مالطا الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بأنهم تركوها تتحمل العبء الأكبر لتوافد المهاجرين من شمال أفريقيا، خاصة وأن السفن المشاركة في مهمة «إيريني» تبقى بعيدة عن مسارات تهريب المهاجرين.

حتى النقد الأمريكي جاء مدفوعًا برغبة واشنطن في كبح جماح منافستها اللدود موسكو، وخاصة ذراعها الطولى المتمثلة في مجموعة فاجنر العسكرية، حسبما صرَّح ديفيد شينكر مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، قبل أسبوعٍ.

مالطا في عين العاصفة.. ممر لأسلحة تركيا أم عائق لجهود الإمارات؟

حين وصل رئيس حكومة الوفاق الليبية، فايز السراج، إلى مالطا يوم السادس من الشهر الجاري للقاء رئيس وزرائها روبرت أبيلا، كانت أنظاره تتجاوز مركز التنسيق المشترك لمواجهة الهجرة غير النظامية الذي افتتحاه في العاصمة فاليتا، إلى رغبة أوسع في تمتين العلاقة مع هذه الدولة الأوروبية، التي اتهمها المتحدث باسم قوات حفتر، أحمد المسماري، بتسهيل وصول الأسلحة التركية إلى مصراتة وطرابلس.

يدرك السراج أن شبح «الهجرة غير الشرعية» هو الشغل الشاغل لمالطا في هذه الأزمة، فأظهر تفهُّمًا شديدًا لهذه المخاوف حين استقبل رئيس الوزراء المالطي في زيارته المفاجئة والأولى من نوعها إلى طرابلس أواخر مايو (أيار)، رفقة وزير الشؤون الداخلية بيرون كاميليري، ووزير الخارجية إيفاريست بارتولو، ووقع معه مذكرة تفاهم ركزت على مكافحة تهريب البشر، لكن الجانبين اتفقا أيضًا على الإسراع بخطوات تفعيل اتفاقيات التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية.

بعد أيام من اتهامات المسماري بأن هناك «قوارب تبحر من تركيا محملة بالسلاح والعتاد والإرهابيين، تمر بمالطا وصولًا لمصراتة»، وجَّه القضاء المالطي اتهامًا إلى خمسة أشخاص، أحدهم تاجر سلاح  يدعى جيمس فينيش (41 عامًا)، بخرق عقوبات الاتحاد الأوروبي المفروضة على ليبيا، والتعاقد مع الإمارات لتنفيذ عمليات إجلاء سرية لمرتزقة في ليبيا على متن زوارق مطاطية عسكرية.

دولي

منذ 5 شهور
«نيويورك تايمز»: هل ينجح الاتحاد الأوروبي في وقف تدفق الأسلحة إلى ليبيا؟

ليس هذا فقط، بل تطرق الحديث إلى دلائل على وجود عمليات غسيل أموال بين فينيش والإمارات، حسبما نقلت صحيفة «تايمز أوف مالطا» عن رئيس وحدة مكافحة غسيل الأموال، جورج كريمونا، وبناء عليه طالبت المحكمة بتجميد أصول تاجر السلاح المالطيِّ.

بعد العثور على القارب المسجل في مالطا في ميناء زويتينة الليبي، على بعد حوالي 150 كيلومترًا جنوب بنغازي في أغسطس (آب) الماضي، دفعت السلطات الليبية هي الأخرى إلى فتح تحقيق يبحث أيضًا في عمليات غسيل أموال محتملة.

وعلى وقع الاتهامات المتبادلة بين مختلف أطراف الأزمة الليبية، تجد مالطا نفسها في عين العاصفة رغمًا عنها، وحتى إذا نأت بنفسها عن التورُّط عسكريًّا على الأرض، فإن لهيب الأزمة يلفحها في عقر دارها؛ سواء بالعمليات السرية التي تُدار من داخل أراضيها، أو بسبب مهربي البشر الذين يقتحمون حدودها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد