يعتقد الكثيرون أن الانفتاح الذي يتميز به العصر الحالي، بالإضافة إلى كل نتائج هذا الانفتاح مثل توافر كل أنواع المصادر العلمية والثقافية، والطفرات المتسارعة في وسائل الاتصالات؛ كل ذلك ساهم في أن تحظى الأجيال الحالية بقدر كبير من الثقافة في سن صغيرة، وهو ما يعني بلوغًا ورشدًا أسرع مما كانت عليه الأجيال السابقة.

على العكس من ذلك، دراسة واسعة المدى تثبت عزوف الشباب في عصر الإنترنت عن الانخراط في أنشطة مرحلة البلوغ مثل ممارسة الرياضة والجنس. مراهقو اليوم ينضجون بشكل أبطأ مما كانوا عليه في السنوات الأخيرة.

تعرف الدراسة مرحلة المراهقة بأنها مرحلة تنموية فريدة، لا تعمل على المستوى البيولوجي فقط، لكن أيضًا تتسم بتحولات اجتماعية كذلك. وينظر إلى هذه المرحلة، في العصر الحديث، إنها الفترة الانتقالية بين الطفولة ومرحلة النضج والبلوغ. وتعتبر مرحلة الطفولة بين سن (11 إلى 14) سنة، والمراهقة المتوسطة (15 إلى 17) سنة، والمراهقة المتأخرة (18 إلى 21) سنة. هكذا، تكون مرحلة المراهقة هي عملية التحول إلى شخص بالغ، حيث يبدأ المراهقون في التركيز على أنشطة ذات صلة بمفهوم التكاثر، والتي تشمل الزواج، والعلاقات الاستراتيجية والاستقلال عن الأسرة. يختلف المراهقون في أنماط التحول هذه، حيث يصبح بعضهم أسرع في عملية التحول والوصول إلى مرحلة البلوغ، ويكون أقرانهم أبطأ.

Embed from Getty Images

نشرت الدراسة في مجلة «تنمية الطفل» مؤخرًا بواسطة باحثين في جامعة ولاية سان دييجو، واستعانت الدراسة بالبيانات الخاصة بسبع دراسات استقصائية وطنية أجريت بين عامي 1976 و2016 وهي البيانات التي أصدرتها المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، إضافة إلى المعاهد الوطنية للصحة. الدراسات الاستقصائية شملت بيانات تخص أكثر من 8 ملايين شخص تتراوح أعمارهم بين 13 و19 عامًا ينحدرون من خلفيات عرقية واقتصادية وثقافية مختلفة، وأجاب المشاركون عن مجموعة من الأسئلة التي عرضت عليهم بخصوص كيفية قضائهم للوقت خارج المدرسة، وتم تتبع الأجوبة بتتابع زمني.

الصغار لا يريدون البلوغ

وتظهر الدراسة نقصانًا واضحًا لاهتمام المراهقين بالانخراط في أنشطة البالغين مثل تناول الكحوليات، والعمل مقابل أجر والحصول على رخصة للقيادة، وممارسة الجنس.

أوضحت الدراسة أن عدد المراهقين الذين تناولوا المشروبات الكحولية بين عامي 2010 و2016 قد انخفض إلى نسبة 67% بعد أن كان 93% بين عامي  1976 و1979. كذلك عدد المراهقين الذين خاضوا تجربة العمل مقابل أجر قد انخفض إلى 55% بعد أن كان 76% لنفس الفترات الزمنية. على مستوى النشاطات الجنسية، فإن عدد المراهقين الذين قاموا بهذا النوع من الأنشطة مع نهاية المرحلة الثانوية قد انخفض أيضًا بنسبة 12% بين عامي 1994 و2016.

وجدت الدراسة انخفاضًا كبيرًا في نسبة النشاطات الخاصة بالبالغين لدى مراهقي الأجيال الحديثة، مقارنة بالأجيال القديمة.

تقول «جين توينج» أستاذة علم النفس في جامعة سان دييجو والمؤلفة الرئيسة للدراسة: «لقد قرأت العديد من التقارير حيث ينفي الخبراء معرفتهم بسبب تناقص نسبة الحمل بين المراهقين، أو يقولون إن السبب وراء ذلك هو أن هؤلاء المراهقين أصبحوا يتصرفون بطريقة أكثر حكمة… أو أنهم أصبحوا أكثر كسلًا حيث القليل منهم يعملون» وأضافت جين: «تشير نتائجنا إلى أنه ليس من المرجح أن مراهقي اليوم أكثر عفة أو كسلًا، الأمر فقط أنهم أصبحوا أقل احتمالية للقيام بسلوكيات البلوغ. يبدو أن سن الخامسة عشرة الآن يماثل سن الثامنة عشرة في الماضي».

ما هي نظرية «تاريخ الحياة»؟

هذه الحقائق التي تناولتها الدراسة يتم تفسيرها في الكثير من الآراء اعتمادًا على فكرة الاستخدام الموسع للتطبيقات والأجهزة الذكية التي أصبحت في متناول جميع الأفراد حتى في مراحل الطفولة، حيث يقضي المراهقون والأطفال معظم أوقات يومهم في الأنشطة المتعلقة بهذه التكنولوجيا ما قد يفسر الكثير مما توصلت إليه دراسة جامعة سان دييجو.

للوهلة الأولى، يبدو هذا التفسير صحيحًا ولو بدرجة ما. بالفعل يقضي الشباب معظم أوقاتهم على هواتفهم الذكية، وتحولت أنشطتهم بشكل كبير من الأنشطة التي تعتمد على المجهودات البدنية والتحركات خارج المنزل، إلى سلوكيات تجمعها مواقع التواصل الاجتماعي والتعليم الإلكتروني وحتى الأنشطة الجنسية اتجهت نحو مشاهدة المواد الإباحية عبر الهواتف الذكية بمعدل مستمر في الزيادة عن كل الأجيال السابقة.

Embed from Getty Images

تقترح الدراسة تفسيرًا أكثر رجحانًا لهذه المراهقة الممتدة من خلال علاقتها بالثروة والرفاه التي تعيشها الأسر في الوقت الحالي. حيث دعمت الأرقام التي كشفتها الدراسة أن المراهقين يصبحون أكثر عرضة وميلًا للانخراط بأنشطة البالغين في الأسر كثيرة العدد، وتلك الأسر ذات الدخل المنخفض نسبيًا. يفسر هذا النمط المختلف للبلوغ نظرية «تاريخ الحياة» التي تم تناولها خلال الدراسة، وبحسب هذه النظرية فإن تعرض الطفل لبيئة فقيرة، وكونه عرضة لتغييرات غير متوقعة يؤدي إلى تطورات أسرع على مستوى الشخصية والخبرات، بينما الطفل الذي ينشأ في بيئة مستقرة ذات موارد أكثر؛ يكون مساره التنموي أبطأ.

طبقًا لهذه النظرية، تتميز الأسر التي تمتلك الكثير من الموارد بتوفير متوقع لعدد كبير من سنوات التعليم والحصول على الوظيفة قبل أن يُجبر الشاب على النضوج، حيث يوجد الكثير من الوقت قبل مرحلة النضج لاحقًا. على الرغم من زيادة التفاوت في الدخل، تميل جين إلى أن النسب الكبيرة من سكان الولايات المتحدة في المتوسط، والتي أصبحت أكثر ثراءً على مدى العقود الماضية ويعيشون فترة أطول؛ فإن الناس ينتظرون وقتًا أطول حتى يقرروا الزواج والحصول على أطفال. من أهم الأسباب أيضًا، زيادة الاستثمار الأسري في عدد أقل من الأبناء.

تتفق وجهات نظر بحثية عدة مع ما توصلت إليه جين، تقول «ميرجانا دوماكوندا» أستاذة علم النفس بجامعة كولومبيا: «أنا أدرك تمامًا هذا التحول، حيث كثيرًا ما أرى المراهقين يقدمون نفس الشكاوى التي تؤرق خريجي الجامعات… سن الـ25 هي الـ18 الجديدة، والمراهقة الممتدة لم تعد نظرية، إنها حقيقة. بطريقة ما، نحن نمكث في وضع «ثبات نفسي اجتماعي» ونعيش في مجتمع حيث تستبدل تطبيقات المواعدة باللقاءات الرومانسية، ونعتبر زر «لايك» بديلًا للمحادثات».

تراجع عن رؤيتك للمراهقة والمراهقين

من منظور تطوري، صمم الدماغ البشري بحدود قصوى من الناحية البيولوجية للفترة التي تمتد إليها فترة المراهقة. الحقيقة أن الناس الذين يملكون المرونة والقدرة على مد فترة المراهقة حتى لفترات قصيرة، فإنهم يمتلكون مميزات فكرية وثقافية عن هؤلاء الذين لا يمتلكون تلك القدرة. وجدت دراسة أن أصحاب معدلات الذكاء «IQ» الكبيرة يتمتعون بفترات زمنية ممتدة حيث نقاط التشابك العصبية لديهم تستمر في التكاثر، بينما يظل تطورهم المعرفي أكثر حساسية للخبرات والتجارب التي يمرون بها. من هنا، يقول «لورنس ستاينبرج» أستاذ علم النفس بجامعة تمبل إنه من الضروري التعرض للتحديات والخبرات الجديدة بينما أدمغتنا لا تزال مرنة، ليس فقط لأن هذه هي طريقة تحصيلنا للتجارب، لكن أيضًا لأن هذه هي طريقة الدماغ لتعزيز قدرته على الاستفادة من الخبرات المستقبلية المثمرة.

Embed from Getty Images

من هنا يجب أن تتغير نظرتنا لهذه الحقائق المتعلقة بامتداد فترة المراهقة، فبدلًا من دفع المراهقين نحو نضوج أسرع بوسائل تتعلق بالتربية ودفعهم للاعتماد على أنفسهم بالعمل في سن مبكرة أو أي وسائل أخرى، سيكون الأمر الأكثر جدوى هو دعم التطور والتحولات الثقافية لهؤلاء المراهقين، وتطوير كل الوسائل التي يتطلبها نضوجهم النفسي لمساعدتهم للوصول للنجاح في صناعة مستقبلهم المنشود. تقترح داماكوندا استراتيجية خاصة بشأن هذه المرحلة تعمل بشكل متخصص على تطوير خدمات الصحة العقلية للمراهقين، خصوصًا أن 75% من الأمراض العقلية الأساسية تبدأ في الظهور بمنتصف العشرينيات. تفضل داماكوندا أيضًا التوقف عن تعريف سن البلوغ بأنه سن الـ18، بإدراك أن التطور النفسي يجري بأنماط متباينة لدى الأشخاص المختلفين. تؤمن داماكوندا أيضًا أن تعاملنا بهذه الطريقة مع هذه الفئة العمرية سوف يساعدنا على معرفة احتياجاتهم النفسية والعقلية، حينها سنتمكن من وضع الاستراتيجيات المناسبة للوقاية والعلاج.

المصادر

تحميل المزيد