“إن المسلمين وإن كان معظمهم مسالمين، ما لم يعترفوا، ويدمروا سرطان التطرف، فإنهم مسؤولون عما يحدث. إن الخطر العظيم للجهاديين يلف العالم كله من الفلبين إلى أفريقيا إلى أوروبا إلى الولايات المتحدة، وإن تبريره سياسيا هو نفاق وإنكار” تغريدة لروبرت مردوخ بعد أحداث شارلي إبدو.

بعد أحداث شارلي إبدو في فرنسا التي تأوي أعدادا من المسلمين المهاجرين تعادل سكان دولة مثل لبنان، خرجت مظاهرة مليونية بباريس تنديدا بالهجمات التي قامت بها عناصر إسلامية وصفت بأنها متطرفة. مما أصبح يثير القلق لدى الرأي العالمي حول نظرة المسلمين تجاه الغرب عامة بما فيها الجالية الإسلامية. فهل هم أيضا يعانون من الغرب فوبيا كما يشعر الغربيون بالإسلام فوبيا؟

لنكتشف ذلك في هذا التقرير.

أولا هل فعلا يكره المسلمون الغرب؟

تعتبر غالبية الشعوب الإسلامية السنية والشيعية الغرب خطرا يستوجب التصدي له ومقاومته، وتعبر عن عدائيتها بشكل صريح في المظاهرات الشعبية وعلى المواقع الاجتماعية.

تتقدم التيارات الإسلامية الخط العدائي نحو “الغرب الصليبي”، مثلما أيضا تشاطرها الرأي التيارات القومية التي تدعو إلى الوحدة القومية العربية ضد “الغرب الاستعماري”، وأيضا الحركات اليسارية الشيوعية بالعالم العربي، وهي ذات جمهور محدود، تعادي الغرب كمشروع “إمبريالي رأسمالي”.

و من الجدير بالذكر أن هذه العدائية التي تكنها شعوب العالم العربي تخص بلدانا أجنبية بعينها بدرجة أولى، وهي أمريكا ودول أوروبا، وبدرجة أقل روسيا والهند ثم الصين وباقي دول آسيا، كما أنه ليست كل الشعوب الإسلامية تشترك في هذه الخاصية، فمواطنو أندونيسيا وماليزيا المسلمون لا يعانون نسبيا من أي مشكلة مع الثقافة الغربية.

لكن لا تبدو الصورة بتلك البساطة، ففي الوقت الذي لا تخفي فيه شعوب العالم العربي الإسلامي عداءها مع الغرب، تهاجر منها مئات الآلاف سنويا إلى أمريكا ودول أوروبا بعد أن ضاقت بهم بلدانهم من شدة القمع والفقر والجهل، كما أنها تتناول بنهم منتجات الثقافة الغربية المادية والمعنوية، مما ينبه إلى أن هذا العداء ليس على مستوى الممارسة، يفسر المفكر المغربي محمد عابد الجابري هذا الفصام في الشخصية العربية عموما كما يذكر في كتابه القيم “نقد العقل العربي”، بأن مفهوم الزمن يغيب لديها بحيث ترتكس دائما نحو الماضي، تنتقي فيه فترات تاريخية دون أخرى، وفي نفس الوقت هي تعيش الحاضر واقعيا دون وعي بمعطياته الحديثة ودون أي اعتبار للسياق الراهن.

لماذا يكره المسلمون الغرب؟

تتعدد الأسباب التي أوصلت العقلية الإسلامية العربية إلى التخوف من الغرب والتشبث بالعداء نحوه، لكن يبقى العامل الديني أقواها تأثيرا.

  • 1- الحروب التاريخية الدينية

خاضت الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية – منذ عهد الدولة الأموية إلى بزوغ عصر الأنوار حيث سينتهي دور الكنيسة – حروبا عديدة اتخذت طابعا دينيا وخلفت ملايين القتلى في كلا الجانبين. كان أشدها ضراوة الحملات الصليبية التي بدأها المسيحيون في عهد الملك أوربان الثاني، والتي تصدى لها صلاح الدين الأيوبي.

هذا التاريخ الديني العدائي المشترك بينهما، يرخي بظلاله اليوم، ولا زالت ذاكرة الشعوب العربية الإسلامية والأوروبية تحتفظ به، بلغ أوج استدعاء هذا الماضي الديني بينهما في السنوات الأخيرة، حيث بدا جليا انتعاش الحركات الأصولية الإسلامية والمسيحية، وكلاهما يعلن “الحرب المقدسة”.

و رغم أن دول أوروبا تتبنى النظام العلماني منذ قيام عصر الأنوار، إلا أن تزايد التهديدات من قبل الجماعات وصعود حركات قومية مسيحية تتخذ الإسلام عدوا لها هي الأخرى، وتسعى إلى الحصول على حيز من دفة الحكم للانتقام ضد المهاجرين، قد أسهم في تأجيج مشاعر الكراهية بين الشعوب.

  • 2- السياسات الاستعمارية

قامت البلدان الأوروبية باستعمار جل أرض المعمورة في مختلف القارات خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بذريعة “نشر الحضارة”، وكان العالم العربي الإسلامي مقسما بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وألمانيا أيضا.

من أرشيف الاستعمار الفرنسي بالجزائر


ارتكبت البلدان الاستعمارية العديد من المجازر في حق الشعوب العربية المحتلة، كما نهبت الكثير من ثرواتهم الطبيعية والمعدنية.

و رغم أن البلدان الأوروبية تدعي أنها حاولت التخلص من ماضيها الاستعماري الأسود، وتبنت سياسات ديموقراطية منفتحة نحو تلك البلدان سواء بالدعم الاقتصادي أو باستقبال المهاجرين، إلا أن طائفة واسعة من الشعوب العربية المستعمرة لم تنس بعد نير الفترة الاحتلالية، ولا زالت تلصق بأوروبا صفة الاستعمار حتى اليوم.

من جهة أخرى أيضا ساهم الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان الذي كان بمساعدة دول عربية إسلامية، بداعي “القضاء على أسلحة الدمار الشامل والإرهاب”، في تنامي العداء في أوساط المسلمين العرب نحو الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن رأوا في شاشات التلفاز حجم الدمار والفظائع المقترفة في حق المدنيين نتيجة الغزو.

  • 3- انتشار الفكر «المتطرف»


عملت دول الخليج وفي مقدمتها المملكة السعودية، إبان الطفرة البترولية خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، على تصدير الفكر الأصولي السلفي نحو البلدان المشرقية والمغاربية والأفريقية أيضا، عبر إغراق شعوب المنطقة بمئات الآلاف من الأشرطة المسموعة والمجلات والكتب الدينية ذات الفكر الديني الأصولي بثمن زهيد جدا بفضل أموال النفط، وشكلت ودعمت الحركات الأصولية، التي تتبنى النظرة الأحادية والعدائية الفطرية تجاه الأديان الأخرى بغض النظر عن مجريات الواقع، لرغبتها في فرض مفاهيمها ومعاييرها على بقية العالم بما في ذلك قطاعات أخرى من المسلمين مخالفة لها.

أدى ذلك إلى تشبع الكثير من الشباب المسلمين بفكر أصولي، خصوصا مع سياسات القمع والتجهيل والتفقير التي تمارسها الدكتاتوريات العربية طوال عقود، الأمر الذي نتج عنه في نهاية الأمر تنظيمات مسلحة تتخذ الغرب والعرب هدفا لها بشكل معلن.

ولعل التنظيمات الجهادية اليوم، مثل داعش وبوكو حرام، أصبحت تقدم نظرة سلبية للمسلمين في عيون المواطنين الأوروبيين مما يضخم ظاهرة الإسلام فوبيا بشكل مبالغ فيه.

  • 4- القضية الفلسطينية

تعتقد الشعوب العربية الإسلامية أن الغرب هو من زرع “الصهاينة” في أرض فلسطين، ومكنهم من الاحتلال، كما تبدو لها سياسات البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية منحازة لإسرائيل، ومن ثم فهي متورطة في السياسات العدوانية في حق الفلسطينيين.

 

تمثل القضية الفلسطينية حلقة جوهرية في عقل الإنسان العربي، إذ ليست موضوعا بالنسبة له فقط بل هي ميكانيزم أساسي يدخل في تفكيره، لذلك تجده يستدعي القضية الفلسطينية في كل القضايا، وبالتالي فإن نظرة الإنسان العربي نحو الغرب تتحدد أيضا من خلال طريقة تعاطي هذا الأخير مع القضية الفلسطينية، الشيء الذي يجعله يكن قدرا من الإيجابية نحو دولة، مثل فنزويلا والبرازيل، لا تربطه معها أي علاقة اقتصادية أو ثقافية كالشأن مع أوروبا.

ورغم أن معظم البلدان الأوروبية أصبحت أكثر توازنا في نظرتها نحو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كفرنسا والسويد اللتين اعترفتا بالدولة الفلسطينية، إلا أنه لا زال في نظر الإنسان العربي غير كافٍ.

  • 5- انتشار نظريات المؤامرة

“نظرية المؤامرة” هي ظاهرة قديمة عرفتها مختلف الأمم، غير أنها في العقود الأخيرة أصبحت أكثر انتعاشا مع تداخل الأحداث وتعقد فهم مجريات الحياة البشرية.

و حتى اليوم لا زالت قطاعات من مختلف شعوب العالم تؤمن بنظرية من نظريات المؤامرة المتعددة والمتنوعة، يصل بعض الناس بها في أمريكا مثلا إلى الإيمان بسيطرة الكائنات الفضائية على العالم!

لكن نظريات المؤامرة التي تروج في العالم العربي الإسلامي بالرغم من تعددها تحوم حول فكرة واحدة وهي أن “الغرب وأمريكا الماسونيين يهدفون دائما وأبدا إلى القضاء على الإسلام والمسلمين”.

و نتيجة تبني قطاع واسع من الشعوب العربية لهذه الفكرة فإن الإنسان العربي يفسر بها كل الأحداث والأشياء والأقاويل المتعلقة بالغرب، إلى درجة أن بعضهم يرى المنتجات التقنية والثقافية والفنية والإعلامية هي جزء من المؤامرة “لسلب هوية المسلمين”.

  • 6- هل يشعر المسلمون الآن بالعجز أمام الحضارة الغربية؟

يقول الباحث البلجيكي روبيرت فان دو فايير حول علاقة الإسلام بالغرب، في كتابه (الإسلام والغرب، منذ الحملات الصليبية إلى اليوم) “عقب استقلال الدول الإسلامية، صارت حاجتهم ماسة إلى سلع الغرب واستثماراته ووسائل إعلامه، مما يحمل المسلمين دوما على التفكير في عجزهم وتبعيتهم للغرب، لذلك فإنهم عندما يشاهدون ويتمتعون بالأفلام الهوليودية، يتملكهم الحسد على أسلوب الحياة الأمريكية، فيبغضون عدم استطاعتهم على بلوغ هذا المستوى من الحياة”.

ورغم أن هذه النظرة قد لا تكون دقيقة، إلا أن شعور الإنسان العربي اليوم بالعجز لدرجة الحضيض أمام حضارة الإنسان الغربي أمر واقع، مما يلجأ إلى استدعاء أمجاد الماضي كنوع من التعويض النفسي.

يقترح بعض المفكرين مجموعة من الأفكار لتقارب الغرب والعالم الإسلامي، مثل ضرورة عولمة المعرفة والثروة وعدم حصرها في شعوب دون أخرى، وترسيخ الدولة المدنية الديموقراطية في العالم العربي الذي تحكمه الدكتاتوريات، بالإضافة إلى تشجيع أنماط التدين المنفتح والمتسامح في الإسلام الممثل في الصوفية والأدريان والبيلخيان في الدين المسيحي، وأيضا غرس قيم الحرية والعقلانية في النظم التعليمية العربية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد