منذ أول قيامها على أرض آسيا الصغرى، وعلى يد عثمان بن أرطُغرُل، أسست السلالة العثمانية مجدها على مستويين: روحي باستعادة الخلافة الإسلامية المضمحلة وقتذاك بين يدي آل العبَّاس، ومادي بفتوحاتها التي طالت كل أقطار عالم القرون الوسطى.
مجد بالضرورة عرف حده، وتوقف على عتبات المغرب. في هذا المقال نحكي قصة الطموحات العثمانية في المغرب، ونبين أسباب فشلها في التوسع على هذه الأرض.

زمن تسابق الطموحات

كانت أيام المغرب خلال القرن السادس عشر الميلادي؛ أيامًا تمزقها الصراعات، داخليًا من جهة بين سلاطين بنو وطَّاس والدولة السعدية في مراحلها الأولى، وخارجية، من جهة أخرى، بين المحتل الأوروبي الذي يحتل كل سواحل المغرب، حماية لنفسه من ثارات الأندلسيين الذي هُجروا من بلادهم عنوة.

سنة 1549، استغل محمد الشيخ، السلطان السعدي، الغضب الشعبي على اتفاقية الهدنة التي أبرمها الوطاسيون مع البرتغاليين، والاقتتال الدائر بين سلاطين الوطاسيين، فهمّ بحشد جيوشه على عاصمتهم فاس، ليدخلها مظفرًا.

قبيل سقوط فاس، دأب الوطاسيون على ربط أواصر الحلف مع الأتراك، هذا ما يفسر لجوء آخر سلاطينهم، بعد انكسار حكمه بفاس، إلى أعتاب سليمان القانوني طالبًا الغوث لاسترجاع عرشه، وبالمقابل يكون استقلال المغرب اسميًّا، أي تقديم السلطان المغربي الولاء والانصياع للأتراك، بما يوجبه عرف تلك الأزمان؛ كالدعاء له على المنابر، وسك اسمه على العملة المغربية.

السلطان سليمان القانوني – المصدر

لم يكن هذا السبب الوحيد في التوتر الذي نشأ بين السعديين والأتراك، إذ يبين أحمد بن خالد الناصري في كتابه «الاستقصا» مدى طموح السلطان محمد الشيخ لبسط نفوذه على المغرب الأوسط (الجزائر)، قائلًا: «لما فتح أبو عبد الله الشيخ حضرة فاس … تاقت نفسه إلى الاستيلاء على المغرب الأوسط، وكان يعز عليه استيلاء الترك عليه مع أنهم أجانب عن هذا الإقليم ودخلاء فيه». «فرأى الشيخ من رأي وإظهار القوة في الحرب أن يبدأهم قبل أن يبدؤوه» هكذا يخبرنا المؤرخ المغربي عن مردِّ هجوم السلطان السعدي على تلمسان، حصارها الذي دام تسعة أشهر، وسقوطها في يديه سنة 1550م.

كما يرجع المؤرخ عبد الكريم كريم ضم السعديين تلمسان لدولتهم إلى حرصهم على تأمين مناطقهم الشرقية، وكذا تلبية لاستنجاد أمير تلمسان، وعدد من أهاليها، بنصرتهم ضد الأتراك، قائلًا إن «الحاكم السعدي استقبل وفدًا يمثل أهالي تلمسان وجماعة من الأندلسيين المقيمة بها، وقد أكّدوا له انضمامهم إليه كرهًا منهم للأتراك».

وهذا يبين أن الطابع الغالب في علاقة المغرب بالعثمانيين، خلال الأيام الأولى من الحكم السعدي، هو التنافس والتسابق على سيادة منطقة كان مفتاحها هو مدينة تلمسان. فمن ناحية كان السلطان التركي يرى فيها قاعدة هامة لفتح المغرب الأقصى، ومن ناحية أخرى، كان السلطان المغربي يعدها بدوره نقطة استراتيجية لتأمين شرق المغرب، ومنصة لبسط النفوذ على الجزائر.

سيطرة قصيرة للأتراك

تعددت انشغالات السلطان السعدي وانقسمت إلى أمرين؛ الأول هو تأمين جبهته الخارجية من أطماع الترك، والثاني هو تأمين حكمه الفتي داخليًّا. هكذا أخذ بامتحان ولاء مشايخة الزوايا الصوفية لعرشه، وتطويع كل من ثبت في أمره إضمار رأي غير الذي يرتضيه السلطان.

ظلت الأوضاع في تلمسان متأرجحة، بين كرّ وفرّ للقوتين، مرة يحكمها المغاربة ويطردون منها، ويعيدون الإغارة عليها من جديد كي يطردوا منها مرة ثانية. إلى أن مال الأتراك إلى طلب المهادنة، فأرسلوا سفيرًا لهم لمراكش برسالتين إلى محمد الشيخ مفادهما إقامة الصلح، كما يبلغون السلطان تعيين حاكم جديد للجزائر عوض القديم الذي لم يحسن أصول الجوار.

فما أن وصل الباشا الجديد إلى الجزائر في أبريل 1552، حتى دخل في مفاوضات سرية مع أبو حسون الوطاسي (آخر ملوك الوطاسيين)* والقصد هنا مساعدته على استرداد عرشه بفاس. عبد الكريم كريم

بيد أن مصدرًا تاريخيًّا قديمًا، وهو «تاريخ الدولة السعدية التكمدارية»، يشير إلى أن توجه أبو حسون كان أخذًا بنصيحة جان الثالث ملك البرتغال.

تحركت الجيوش التركية لنصرة آخر ملوك بني وطّاس، نصرته التي تعني بذات الشكل دخول المغرب تحت سيادتها، بحيث يكون أبو حسون واليًا باسم السلطان سليمان القانوني، ووجوب الدعاء للسلطان العثماني، وسك اسمه على العملة. رست الأساطيل العثمانية على شواطئ الشمال المغربي، وتحركت الجند من الجزائر، مستغلين الفراغ الذي خلفه السعديون بانسحابهم إلى تأمين فاس. فاجتاحوا شرق المغرب وصولًا إلى فاس، والتي وقعت بها المعركة الحاسمة سنة 1554م.

الراية المغربية في العهد السعدي – المصدر

يصف المؤرخ المغربي أبو فارس الفشتالي أهوال تلك الحرب قائلًا: «عندما التقى الجمعان، ودارت رحى الحرب، فلاحت بارقة الظفر والظهور للمولى الإمام رضي الله عنه (محمد الشيخ) فزحزح الأتراك عن مراكزهم واستولى على مدافعهم، لم ينشب أن انفضت كتائب بني مرين (قبائل من السلالة المرينية) من حوله قاطبة، لانطوائهم على النكث وتواطئهم على الغدر، فلحقوا ببوحسون».

نفي السلطان المنهزم، محمد الشيخ، إلى مراكش، التي اتخذها قاعدة استنفر منها أهل جنوب المغرب من بطانته لنصرته. لم يدم حكم الأتراك بفاس طويلًا، حتى عاد إليهم، في نفس السنة، سلطان السعديين بالحرب. وبجحافل من جند أتت من أقطار المغرب، يقول الناصري في ذلك: « جمع الجموع، وزحف إلى فاس فدارت بينه وبين سلطانها حروب شديدة كان في آخرها الظفر للشيخ».

الآن تمهد لنا الملك في المغرب، بعد قتلنا هؤلاء الثلاثة (الأتراك والوطاسيين والفقهاء الموالين لهم). *محمد الشيخ سلطان السعديين بعد انتصاره

يروي كتاب «تاريخ الدولة السعدية التكمدارتية» حوادث فذَّة عن الوجود التركي بمدينة فاس، فيقول: «ولما رأى الترك محاسن البلاد، أعجبتهم وأخذوا غرتها، كتبوا بذلك إلى الجزائر وأرادوا القيام على أبي حسون». وبهذا لم يكن لأبي حسون سوى مُلك صوري، أخذ الأتراك يجعلونه غطاء لفعل ما يريدون، «كانوا يقبضون النسوان والصبيان، وينهبون ما أرادوا، فضاقت بهم الرعية من سوء فعلهم وصاروا يقتلونهم»، بحسب الكتاب.

هرب الأتراك من فتك انتفاضة سكان فاس إلى شطر منها (فاس الجديدة)، فقبضوا على السلطان وخاصته، وعزلوا المنطقة كلها، بعد أن أخلوها من سكانها. لما بلغت الأخبار شطر المدينة الآخر، قام عليهم الشعب بالشَّواقير (الفؤوس) والفيسان (المعاول) يودون اقتحام تحصيناتهم، فهرع الأتراك إلى إخلاء المدينة فارين من بطش أصحابها، بعد أن سلموا السلطان الرهينة.

كما يورد ذات المرجع: «أشرفت (أطلَّت) الترك من أسوار المدينة، فإذا الدنيا قد قامت عليهم فخافوا… وعند ذلك جاؤوا بالسلطان حتى نظر الناس إليه، فشرطوا عليهم الخروج (مغادرة المدينة)، وكفى الله المؤمنين القتال».

بعد جلائهم عن أرض المغرب الأقصى، ذهب الأتراك مذهب المهادنة مع حاكم البلاد، وأخذوا يراسلون سلطان المغرب بالصلح. صلح لم يكن ليشبع طموح محمد الشيخ وقتها، فكان له رد آخر على رُسل إسطنبول، قائلًا فيما يورد «تاريخ الدولة السعدية»:

سلِّم على أمير الحوَّاتة (صيّادي السمك) سلطانك، وقل له إن سلطان المغرب لا بد له أن ينازعك على عمل (أرض) مصر، ويكون قتاله معك عليه، إن شاء الله، ويأتيك إلى مصر والسلام

لما وصل الخبر سليمان القانوني ثارت ثائرته، وعزم على إخراج كل جنده والزحف على فاس، غير أن نفرًا من وزرائه أشاروا عليه بالتريث، والعمل على اغتيال السلطان دون حرب المغاربة، لما عرفته تلك المرحلة من تقارب إيبيري مغربي ضد عدو واحد هو العثمانيون.

وهذا ما وقع، جيشت إسطنبول فرقة من خيرة الإنكشارية، وأرسلتهم إلى فاس تحت ذريعة كونهم منشقين عن السلطان العثماني، وأتوا للاحتماء بعاهل المغرب.

لم يكن لمحمد الشيخ إلا العمل بموجبات الضيافة، فاستقبل اللاجئين المزيفين، وأكرمهم بما يمكنهم من العيش في بلاده بكرامة، بل واصطفاهم حرّاسه الخاصين لدرايتهم بالسلاح. فكان الحال كذلك، حتى باغتوه ليلة 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1557م، فقتلوه وحملوا رأسه إلى السلطان سليمان بعاصمته.

لوحة تجسد تسليح جنود تلك الحقبة – المصدر

«معركة الملوك الثلاثة»

بعد اغتيال محمد الشيخ، بويع ابنه عبد الله الغالب سلطانًا للمغرب. عبد الله الذي تقلد الحكم عازمًا على الثأر لأبيه، وجد أمامه قلاقل وثورات تجتاح البلاد، زد على ذلك اجتياح الأتراك شرقًا. قمع السلطان الجديد كل الانشقاقات الداخلية التي كانت تتهدد عرشه، وفي ظرف قياسي، تحرك من عاصمته شرقًا لمواجهة العدو العثماني الزاحف من الجزائر، وانتصر عليه.

وطّد الغالب بالله أواصر حلفه مع الأوروبيين، فعادوا المورد الأساسي لسلاح جيشه، في إطار تشكيل جبهة موحدة لدحر الوجود العثماني من أفريقيا إلى الأبد. وقد صاحب الأيام الأخيرة من حكم الغالب قدوم أبناء محمد الشيخ إلى السلطان العثماني، طالبين منه إعانتهم على عدم ترك عرش البلاد لابن أخيهم. الأمر الذي لم يدعه العثمانيون دون اغتنام، ومع لحظة وفاة سلطان المغرب، وتولية ابنه محمد المتوكل، سنة 1574م، قبلوا مساعدة عبد الملك السعدي لاسترداد العرش.

صورة تجسد وقائع معركة وادي المخازن- المصدر

استمر أمر أبي عبد الله المتوكل منتظمًا، إلى أواخر سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة، فقدم عليه عمه عبد الملك ابن الشيخ بجيش الترك، فنثر سلكه وبدد ملكه * المؤرخ الناصري في استقصائه أخبارًا عن المعركة الحاسمة؛ معركة وادي المخازن.

زحف عبد الملك أبو مروان على ابن أخيه، مدعومًا بالجيش العثماني، فقابله المتوكل بجيش مماثل معززًا بجيوش إيبيريا ومرتزقة الألمان، على رأسه ملك البرتغال سباستيان.

نزلت الجيوش الأوروبية بسواحل الشمال المغربي، حوالي 28 ألف مقاتل، ولما أخذت في التقدم على الأرض، راسل عبد الملك سبستيان قائلًا: «إن سطوتك قد ظهرت في خروجك من أرضك وجوازك البحر إلى عدوة المسلمين، فإن ثبت في الساحل إلى أن أتقدم عليك فأنت نصراني حقيقي شجاع، وإن زحفت إلى البلاد وحقرت بعد الرعية قبل أن يقابلك أمير مثلك فأنت يهودي ابن يهودي».

التقى الجمعان بوادي المخازن شمال البلاد، فدارت بينهم أهوال القتال، وكان أن شاءت الأقدار أن يتوفى الله السلطان عبد الملك من شدة المرض، فأخفى حاجبه الأمر عن باقي الجنود إلى أن تم الانتصار، فخلفه أخوه أحمد المنصور. هزمت الجيوش الأوروبية، وقتل ملكها سباستيان، ومات في المعركة كذلك المتوكل بن عبد الله، وكان هذا السبب في تسمية المعركة بـ«معركة الملوك الثلاثة».

لم تدم فترة الوفاق التركي مع سلطان المنصور الذهبي طويلًا، إذ لم يؤتيهم ما ابتغوا من ولاية على أرض المغرب الأقصى. فبعدما رجع السلطان المظفر إلى فاس سعى العثمانيون إلى إحداث انشقاق في الجيش، الانقلاب الذي أخمده المنصور سريعًا، متنبهًا إلى تحركات حاكم الجزائر العثماني بعقد قرانه على أرملة أخيه واحتضان ابنها لتوليته عرش البلاد.

كما تنبه السلطان كذلك للتقارب الإسباني العثماني وقتها، وزادت من تأكيد مخاوفه قيام ابن أخيه داود، مؤيدًا بالترك، بإعلان الثورة بالجنوب على عمه، التي أخمدها بنفس طريقة الانشقاق الأول. فسبقهم السلطان الذهبي بمعاهدة مع الإسبان على تشكيل جبهة دفاع مشترك ضد الأتراك، بالمقابل منحهم ثغر العرائش.

وأخذ المنصور بالتحرك جنوبًا لفتح أرض أفريقيا، معيدًا للمغرب قوَّته، إلى أن عادت إيَّالات الأتراك في شمال أفريقيا كلها محاصرة بالوجود المغربي. وهكذا أمام تطور الأحداث لم يجد السلطان العثماني مراد الثالث بدًا من قبول الأمر الواقع، والتراجع عن غزو المغرب بأن أمر جنوده بالعودة إلى الشرق، بحسب ما يورد كتاب «المغرب في عهد الدولة السعدية».

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!