2,897

بدأت القصة في 15 مايو (أيار) الماضي، حين استجاب لاعبا المنتخب الألماني من أصول تركية، مسعود أوزيل وإلكاي جوندوجان لدعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للقائه في العاصمة الإنجليزية لندن، حيث تلقى أردوغان من كل لاعب قميصه هدية، وحمل قميص جوندوجان -الدولي الألماني الذي يلعب لصالح مانشستر سيتي الإنجليزي- توقيعه مع عبارة «إلى رئيسي.. مع التحية».

بالتأكيد لم يكن أي من اللاعبين يدري أن صورتيهما مع الرئيس التركي ستفتح عليهما أبواب الجحيم في ألمانيا، وستؤول في النهاية إلى قرار أوزيل اعتزال اللعب للمنتخب الألماني بعدما ضاق ذرعًا بمنتقديه.

أوزيل ورفيقه في مرمى النيران

تعرض اللاعبان على إثر ذلك لحملات ضارية من الصحافة الألمانية، ومسؤولين رسميين، شككت في ولائهما لألمانيا، واتهمتهما بعرقلة جهود اندماج المهاجرين في البلاد، كما اتهمها البعض بدعم «ديكتاتور يقمع حرية التعبير والحريات العامة»، ووصل الأمر إلى مستويات عليا حتى أن المتحدث باسم الحكومة الألمانية قد انتقد الحادثة قائلًا: «هذا الموقف أثار تساؤلات عدة، وتسبب في سوء فهم».

اللاعبان سمحا لنفسيهما بأن يُساء استغلالهما لصالح حملة أردوغان الانتخابية.. كرة القدم والاتحاد الألماني لكرة القدم يؤمنون بقيم لا يحترمها أردوغان بشكل كاف. لذلك ليس جيدًّا أن يستغلهم ويوظفهم لصالح مناورات حملته الانتخابية. *رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم في بيان له.

وبالرغم أن الانتقادات قد وجهت للاعبين معًا، إلا أن الانتقادات قد انصبت على أوزيل باعتباره الأبرز والأكثر شهرة، فقد دشن أوزيل مسيرة صعوده مع منتخب «المانشافت»، حين ساهم بشكل لافت في فوز المنتخب الألماني ببطولة أوروبا للشباب عام 2009، وفي العام نفسه حقق أوزيل إنجازًا على المستوى المحلي حين لعب دورًا هامًا في فوز فريقه فيردر بريمن ببطولة كأس الاتحاد الألماني لكرة القدم، وكان حينها نجم الموسم بشهادة الكثيرين، قبل أن ينتقل إلى ريال مدريد عام 2010.

حصل لاعب الوسط الألماني مع «الملكي» على بطولات كأس ملك إسبانيا في موسم 2010/2011، وبطولة الدوري الإسباني 2011/2012، وكأس السوبر الإسباني عام 2012، وفي عام 2013 انتقل أوزيل إلى نادي أرسنال الإنجليزي مقابل 42.5 مليون جنيه إسترليني، في صفقة «قياسية» كانت حينها أكبر الصفقات في تاريخ النادي الإنجليزي.

أحرز أوزيل للألمان هدفًا حاسمًا في مرمى الجزائر في مونديال 2014

توج أوزيل مع «المدفعجية» بكأس الاتحاد الإنجليزي لموسم 2013/2014، وقد اختير عام 2011 و 2012 أفضل ممرر في أوروبا، بمجموع تمريرات حاسمة بلغت 25 تمريرة، متفوقًا حينها على أباطرة كرة القدم في القارة العجوز كميسي ورونالدو، كما فاز بجائزة أفضل لاعب ألماني لخمسة مواسم، بدءًا من 2011 وحتى 2016 (باستثناء موسم 2014)، كما كان للاعب دور كبير في فوز المنتخب الألماني ببطولة كأس العالم في مونديال البرازيل 2014، حيث كان من أفضل اللاعبين في البطولة.

أوزيل «كبش فداء» جاهز

ربما كان بإمكان «حادثة أردوغان» أن تمر مرور الكرام، وأن تنساها ذاكرة الجماهير والساسة، لولا الإخفاق التاريخي الذي تعرض له المنتخب الألماني في مونديال روسيا، فقد خرج «المانشافت» من دور المجموعات بعد هزيمتين أمام المكسيك وكوريا الجنوبية، وفوز صعب على منتخب السويد، لتكون هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها الألمان للإقصاء من الدور الأول للبطولة منذ 80 عامًا، وإذا أخذنا في الاعتبار أن ألمانيا كانت حاملة اللقب، وأن المنتخب الألماني كان يحتل صدارة تصنيف الفيفا، ويتوقع له الكثيرون أن يكون ضمن المنافسين على اللقب هذه المرة، يمكن تصور مدى الصدمة والإحباط الذين عصفا بالألمان، ليتم بعدها البحث عمن يمكن توجيه اللوم له على ذلك الإخفاق التاريخي.

كان كبش الفداء جاهزًا هنا، فقد توجهت أصابع الاتهام نحو أوزيل ورفيقه، ليتعرض لاعب نجم ريال مدريد السابق إلى الكثير من الانتقادات، كما هاجمته بعض الجماهير الألمانية أثناء خروجه من الملعب بعد إقصاء الألمان من المونديال، وبالرغم أن العديد من نجوم المنتخب أنفسهم -مثل ماتز هوملز ومانويل نوير- قد اعترفوا بقصور في المنتخب ككل وطريقة لعبه- إلا أن البعض قد صب جام غضبه على أوزيل إلى حد قول برلماني ينتمي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» بأن «المنتخب الألماني كان ليفوز لو لم يشارك أوزيل في المباريات» كما تعرض للهجوم مجددًا من قبل بعض المسؤولين على رأسهم رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم.

بقلب مفعم بالأسى، وبعد الكثير من التفكير بسبب الأحداث الأخيرة، لن أعود لألعب على المستوى الدولي ما دمت أشعر بهذه العنصرية وعدم الاحترام تجاهي. *مسعود أوزيل في بيان اعتزاله دوليًا.

بهذه العبارة فجر أوزيل قنبلته، معلنًا اعتزاله اللعب للمنتخب الألماني بعدما وصلت أزمته إلى طريق مسدود، وشرح في بيان له على موقع تويتر دوافع قراره، مشيرًا لأسباب خلافه مع رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم راينهارد غريندل، رابطًا ذلك بآرائه السابقة «المتطرفة» من وجهة نظره بوصفه عضوًا سابقًا في البرلمان، قائلًا: «استخدم هؤلاء الناس صورتي مع الرئيس أردوغان فرصة للتعبير عن ميولهم العنصرية التي كانت مخفية، الأشخاص أصحاب الخلفية العنصرية لا يجب السماح لهم بالعمل في أكبر اتحاد كرة قدم في العالم يوجد به لاعبون من أصول مزدوجة».

وأضاف: «بينما حاولت أن أشرح لغريندل تراثي، وأصلي وجذوري، وبالتالي المنطق وراء الصورة، كان أكثر اهتمامًا بالحديث عن آرائه السياسية الخاصة والاستخفاف برأيي… لن أكون بعد الآن كبش فداء (لغريندل) بسبب عدم كفاءته وعدم قدرته على القيام بعمله بشكل صحيح»، ولخص أوزيل مشكلته مع الفريق بعبارة قصيرة حين قال: «أنا ألماني عند الفوز فقط، لكنهم يتذكرون أني مهاجر عند الهزيمة».

واتهم أوزيل منتقديه بممارسة العنصرية والتمييز حين قال: «هل أفتقد لأي صفة تجعلني ألمانيًا كاملًا؟ أصدقائي ميروسلاف كلوزه ولوكاس بودولسكي ينحدران من أصول بولندية، ومع ذلك لا يتم الإشارة إلى هذا الأمر أبدًا؟ لماذا ينعتونني انا بالذات دومًا بـ«الألماني التركي»؟ هل لأنني تركي؟ هل لأنني مسلم؟».

تعرف إلى التوجهات السياسية لـ4 من أبرز اللاعبين المسلمين في أوروبا

«أردنا عمالًا فحصلنا على بشر حقيقين»

تضرب أزمة أوزيل بجذورها في البنيان الاجتماعي والسياسي لألمانيا، حيث يعيش على أرض ألمانيا نحو 3 ملايين ينحدرون من أصول تركية، وهو أكبر تجمع للأتراك في الخارج، وتعود بداية ظهورهم إلى ستينيات القرن الماضي، إذ استقدمت ألمانيا الغربية مئات الآلاف من العمال من عدة دول من بينها إسبانيا وإيطاليا واليونان، بسبب نقص الأيدي العاملة وفي ظل الحاجة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية. ولكن تلك الدول فشلت في الوفاء باحتياجات ألمانيا التي لجأت إلى تركيا.

كانت الجمهورية التركية في تلك الأثناء تعاني من إشكالات جمة إبان انقلاب 1960، فتلقفت الحكومة التركية الفرصة التي كانت ستوفر لها موردًا ذا قيمة من العملة الصعبة، فتم السماح للشباب من سن 18-45 بالقدوم إلى ألمانيا الغربية باعتبارهم «عمالًا مؤقتين»، مع وضع سقف مدته عامين زمني لبقائهم في ألمانيا، وقد عمدت الشركات الألمانية إلى «تجنيد» أعداد كبيرة من العمال الأتراك، سيما في المناطق الريفية والفقيرة، وبحلول عام 1973، كان قد وصل عدد الأتراك القادمين إلى ألمانيا نحو 700 ألف شخص.

لاحقًا ألغت الحكومة الألمانية شرط السنتين، وسمحت للعمال باستقدام أقاربهم، ولأن معظم هؤلاء العمال كانوا لايعرفون القراءة والكتابة، ممن وجدوا لهم موردًا للرزق في الأرض الجديدة، فقد قرروا البقاء في ألمانيا، وقد وصف أحد الكتاب الألمان تلك الظاهرة بالقول: «كنا نبحث عن عمال فقط، فجاءنا بشر حقيقيون بدلاً منهم» ويمثل أبناء وأحفاد هؤلاء المهاجرين القسط الأكبر من الجالية التركية الحالية في ألمانيا.

وعلى عكس الولايات المتحدة أو كندا وغيرهما من البلدان الغربية، لم تكن ألمانيا تمتلك سياسات لتوطين المهاجرين ومنحهم الجنسية أو دمجهم في المجتمع المحلي، وقد سمحت فقط في العام 2000 بازدواج الجنسية للأطفال الذين ولدوا من آباء أتراك وعاشوا في ألمانيا، ورغم ذلك فقد بقي المهاجرون الأتراك هم الأقل اندماجًا بالمجتمع الألماني، وأكثر من 36% منهم يعيشون تحت خط الفقر، ولا يتمتعون بخدمات صحية أو تعليمية جيدة، كما يشير البعض إلى معاناتهم من سياسات التمييز في الإسكان والتوظيف، حيث يتلقون رواتب أقل من نظرائهم الألمان في الكثير من الوظائف.

مترجم: أودزاك.. آخر معارك الحرب العالمية الثانية التي ربما لم تكن تعرفها

الألمان الأتراك.. «صداع» في رأس ساسة برلين

إذا كانوا موجودين في ألمانيا منذ 50 عامًا، فمن الواضح أنه (الاندماج) أمر ضروري لكي يتمكن الكل من العيش معًا في انسجام… (لكن) لا أحد يمكن أن يطالبهم بـ«الانصهار» الذي يعد جريمة ضد الإنسانية لأنه يعني إرغام شخص على التخلي عن ثقافته وتقاليده. *أردوغان في مؤتمر صحفي مع ميركل، مطالبًا الأتراك في ألمانيا بالاندماج -دون الانصهار- في المجتمع الألماني.

غير أن البعض يلقي باللائمة على أبناء تلك الجالية، ويعتبر أنهم السبب في فشل اندماجهم في المجتمع الألماني، بسبب فشلهم في كسر حاجز اللغة، كما أن أغلبهم يتزوجون من بعضهم البعض، كما يشير البعض بأصابع الاتهام إلى الدولة التركية ويصفها بأنها لا تريد الاندماج لمواطنيها بشكل كامل في المجتمع الألماني، حتى لا تفقد الصلة معهم، ويعتبرون أن السلطات التركية تتعامل مع ألمانيا باعتبارها «دائرة انتخابية»، وهو الأمر الذي يصيب الساسة الألمان بالضيق.

ويمثل هؤلاء كتلة ذات أهمية وحساسية في البنيان السياسي الألماني والتركي على حد سواء، حيث يحق لنصفهم تقريبًا الاقتراع في الانتخابات الألمانية، ما يجعلهم هدفًا للدعاية الحزبية في ألمانيا، كما يحق كذلك لنحو 1.4 مليونًا منهم الاقتراع في الانتخابات التركية-إذ لا زالوا يحتفظون بالجنسية التركية-، وهي نسبة كبيرة تجعلهم في المرتبة الرابعة من حيث وزن التجمعات الانتخابية التركية (بعد إسطنبول وأنقرة وأزمير)، كما أن لهذه الجالية حضورًا مؤثرًا في المشهد الاقتصادي، حيث تشير تقديرات إلى بلوغ حجم التحويلات المالية إلى تركيا من قبل الأتراك في ألمانيا نحو 800 مليون يورو عام 2016.

Embed from Getty Images

أتراك مؤيدون لأردوغان في ألمانيا

وقد ظلت قضية الأتراك في ألمانيا مصدرًا للتوتر بين برلين وأنقرة، تلقي بظلالها على كل استحقاق انتخابي هنا أو هناك، ففي مارس (آذار) 2017، رفضت ألمانيا السماح لمسؤولين أتراك حضور فعاليات انتخابية تدعو للتصويت بـ«نعم» على التعديلات الدستورية التي دعت إليها حكومة أردوغان، ما كان سببًا في أزمة دبلوماسية كبرى بعدما شبه أردوغان السلطات الألمانية بـ«النازية»، وهو الأمر الذي كان له ردات فعل كبيرة داخليًا وخارجيًا.

كما كان لنتيجة الانتخابات الأخيرة في تركيا ارتداداتها في المجتمع السياسي الألماني، حيث حصل أردوغان من أتراك ألمانيا على نسبة تأييد بلغت نحو ثلثي الأصوات، وهي أكثر بكثير من متوسط النسبة التي فاز بها في عموم تركيا والتي تجاوزت بالكاد حاجز 50%، وهو ما أثار استهجان العديد من الساسة الألمان الذين شككوا في ولاء هؤلاء الأتراك، في الوقت الذي لا تخفي فيه السياسة الألمانية الرسمية انتقاداتها العديدة لأردوغان وسلطته وحزبه.

أوزيل: «لي قلبان.. أحدهما ألماني والآخر تركي»

وبالعودة إلى حادثة أوزيل، نجد فيها الكثير من الشواهد الحية على تلك التوترات، إذ وقع اللاعب الألماني -الذي تخلى عن الجنسية التركية ليلعب للمنتخب الألماني- فيما يبدو ضحية لبعض النزعات الألمانية التي تشعر بغضب مستمر جراء هذا الوضع «الشاذ» من وجهة نظرها للمهاجرين الأتراك، والتي رأت في صورة أوزيل مع أردوغان، وأداء المنتخب الألماني الباهت في المونديال، فرصة لتفريغ شحنات غضبها تجاه أوزيل ورفيقه.

Embed from Getty Images

لقاء بين مسعود أوزيل وأردوغان في 2011

تلك الانتقادات رد عليها أوزيل تفصيلًا في بيان اعتزاله دوليًا حين قال: «مثل الكثير من الناس، تنتمي أصول أجدادي إلى أكثر من دولة، فبينما نشأت وترعرعت في ألمانيا فإن لعائلتي جذورها التركية. لدي قلبان واحد ألماني وآخر تركي، وخلال طفولتي علمتني والدتي أن أكون محترمًا وألا أنكر من أين أتيت، ولا تزال تلك القيم باقية معي حتى الآن».

وأضاف: «صورتي مع الرئيس أردوغان لم تكن بسبب الانتخابات أو السياسة، بل هي نوع من الاحترام لرأس الدولة التي تنتمي إليها عائلتي. أنا لاعب كرة قدم ولست سياسيًا، واجتماعنا لم يكن تأييدًا لأي سياسات، في الحقيقة لقد تحدثنا عن الموضوع الذي نتحدث عنه كلما التقينا: كرة القدم، فقد كان (أردوغان) لاعبًا في شبابه…حاولت وسائل الإعلام الألمانية رسم صورة أخرى، بالنسبة لي، كان رفض الاجتماع برئيس دولة أجدادي تعبيرًا عن قلة احترام. لم يكن مهمًا بالنسبة لي شخص الرئيس، بل كان الأمر يتعلق بالوظيفة ذاتها».

كيف تتسع «أحضان» ألمانيا للسيسي وممالك الخليج وتضيق بأردوغان؟