3,101

ألقِ نظرة على تلك الخطوط ناحية اليمين، ثم أخبرني أي منها يساوي في الطول الخط في الجهة اليسرى؟

دعني أخمن ما كان اختيارك. إنه «C» أليس كذلك؟ لكن ماذا لو قلت لك إن الاختيار «B» هو الصحيح. وماذا لو أخبرك عشرة أفراد مثلي أن الاختيار «B» هو الصحيح وليس «C»، هل ستظل على رأيك، أم ربما ستدعوني لإجراء كشف نظر؟

إذا أصررت على تمسكك باختيارك، فتلك هي الإجابة الصحيحة، أما إن غيرته وفقًا لما قلته أنا وزملائي العشرة فلست وحدك؛ بل إن من كل 100 سيختار الثلث الإجابة التي يختارها الأغلبية. وهو ما يُدعى «التأثير الاجتماعي المعياري».

الرغبة في التوافق مع الآخرين

يعرف هذا في مرجع علم النفس الاجتماعي، بتأثير الآخرين الذي يؤدي لاتباعهم في أمر ما؛ كي نشعر بالارتباط والقبول من جانبهم.

اختبر سوليمان أش الطبيب النفسي ورائد علم النفس الاجتماعي، مدى تأثر الشخص بغيره حتى لو كان الاختيار واضحًا، وكان الشخص معتقدًا بصحة اختياره.

استعان في هذه التجربة بثمانية طلاب جامعيين كمشاركين في التجربة؛ بهدف دراسة تأثيرهم على الأشخاص الحقيقيين محور الدراسة. والذين لا يعرفون أن الطلاب ممثلون يعلمون مسبقًا ما يجري في التجربة؛ بل يظنونهم مشاركين مثلهم.

يرى كل مشارك لوحة، بها خط، وأخرى بها ثلاثة خطوط. أحدها مساوٍ لطول الخط في اللوحة الأولى، بينما أحد الاثنين المتبقين أطول والآخر أقصر منه.

توقعت الدراسة أن يتمكن الجميع من اختيار الإجابة الصحيحة. إلا أنه طُلب من جميع الممثلين في التجربة اختيار إجابة محددة متفق عليها.

كشفت الدراسة أنه في حالة انعدام تأثير الممثلين على الخاضعين للتجربة؛ تمكن الجميع من اختيار الإجابة الصحيحة بنسبة 100% تقريبًا.

ولكن في حالة إعطاء مجموعة الممثلين إجابة محددة؛ وافقهم المشاركون بنسبة 36.8%. كذلك كشفت تجاربه الأخرى أن نحو 5% من المشاركين دائمًا ينجرفون مع الرأي الجماعي؛ فيما يختار 25% من المشاركين تحدي رأي الأغلبية دائمًا. وأن ثلت الإجابات خطأ دائمًا اتباعًا لرأي المجموعة المهيمنة. بينما أعطى 75% من المشاركين إجابة واحدة خاطئة على الأقل خلال تجاربه.

تأثير المتفرج

في 10 أغسطس (آب) عام 2016، تعرض رجل لحادث سيارة فر صاحبها. وبينما رقد الرجل الذي يُدعى «ماتيبول» لمدة 30 دقيقة، غارقًا في دماء جروحه الخطيرة؛ مرت بجواره «140 سيارة، و82 عربة، و181 سائق، و45 عابر طريق، وسيارة طوارئ تابعة للشرطة».

اقترب سائق عربة من «ماتيبول» لسرقة جواله ثم غادر. انتبه صديق له، فأبلغ الشرطة التي استغرقت 40 دقيقة للوصول إليه؛ لكنه توفي في الطريق إلى المستشفى.

قد يثير هذا تعجبنا، إلا أن هذا يحدث كل يوم؛ فلسوء الحظ تحدث السرقات، والشجارات، وحتى الاغتصاب في وضح النهار، وقد يتعرض أحدهم لحادث؛ فيتجمع المارة للمشاهدة، دون أن يقدم أحدهم أدنى مساعدة، مثلما حدث في الواقعة السابقة؛ بل ربما كنا أحد هؤلاء المارة اللامبالين.

وهذه الحالة التي يطلق عليها أيضًا «لا مبالاة المارة» ظاهرة نفسية اجتماعية تصف الأفراد الذين لا يقدمون أية وسيلة لمساعدة للضحية عند وجود الآخرين، الذي يُثني الفرد عن التدخل في حالات الطوارئ. وقد يتسمرون في أماكنهم متسائلين لم لا يهب أحدهم للمساعدة!

ووجدت الأبحاث أنه كلما ازداد عدد الأشخاص؛ قلت الرغبة في مساعدة الضحية. وهو ما يعود لعدد من العوامل، منها ما فسره بعض العلماء أنه نتيجة لـ«ذوبان الشعور بالمسئولية»؛ لاعتقاد المارة بوجود شخص آخر سيتحملها، أو أكثر قدرة على المساعدة منهم.

إلا أنه مع ذلك يميل الأفراد للمساعدة عندما يتقدم آخر لعرضها. وهو ما يُفسر بميل الأشخاص للتبعية. والعكس تمامًا يحدث؛ فعندما لا يوجد أحد آخر لتقديم المساعدة؛ فإن الشخص الموجود عادة ما يساعد الضحية.

التفكير الجماعي

عقلان أفضل من عقل واحد. فعندما يجتمع مجموعة من الناس؛ بغرض التفكير واتخاذ قرار؛ نتوقع أن هذا القرار هو الأكثر صحة على الإطلاق.

لكن علماء النفس الاجتماعي يرصدون التفكير الجماعي باعتباره ظاهرة نفسية يرغب من خلالها أفراد المجموعة في تحقيق الانسجام والتوافق في المقام الأول.

فمحاولة الأعضاء الحد من الخلاف، والرغبة في اتخاذ قرار جماعي بغير تقييم لجميع الآراء؛ قد ينتج عنه في النهاية قرار خاطئ. فنتيجة لولاء الأفراد، تُقمع المناقشات حول الحلول البديلة، ويذوب إبداع الفرد والتفكير المستقل وسط الجماعة، ويسيطر يقين مزيف بـ«الحصانة» وإيمانهم باتخاذهم القرار الصحيح. وفي وجود قائد غير نزيه يصبح لدينا الوصفة المتكاملة لاتخاذ قرار كارثي.

هذا ما ذكره «إليوت أرونسون» في كتابه «الحيوان الاجتماعي» مشيرًا إلى ألمانيا النازية، كمثال صارخ على السلبية الممكنة، وفرض الزعامة على الجماهير؛ نتيجة للتشبع بالأوهام، والمبررات، وانعدام مسئولية الفرد، وهو ما يسوغ ارتكاب أفعال جماعية عنيفة.

تأثير المجموعة على السلوك الفردي

قد يكون من الأفضل أن تعمل منفردًا؛ فوجود الآخرين، إما أن يكون عاملاً محفزًا، أو مثبطًا لأداء الفرد وإنتاجيته، ويؤثر على سلوكه.

وجدت الأبحاث أننا نعمل بسرعة وكفاءة أكبر في المهام البسيطة والمعروفة للشخص؛ نظرًا لارتفاع نسبة التركيز والإدراك وهو ما يقلل نسبة الخطأ.

إلا أن التأثير ذاته يعد مثبطًا للأداء عن المعتاد في حالة المهام الصعبة، والتي يغدو الفرد فيها أقل استرخاءً، وأكثر قلقًا من العوامل المحيطة به، وإن كان محاطًا بفرد آخر فقط؛ وهو ما يجعله يرتكب أخطاء أكثر.

لذا تنصح الأبحاث في حالة أداء المهام التي تحتاج إلى تركيز مرتفع، وتتسم بدرجة أعلى من الصعوبة، بأن يعمل عليها الفرد بمفرده، والذي يكون حينها أكثر قدرة على الاسترخاء والتركيز وأقل تشتيتًا.

تأثير النعجة السوداء

قد نعتقد أن معتقداتنا من الرسوخ والقوة بحيث ألا تتأثر أو تتبدل بضغط من الآخرين، إلا أنها تخضع للتغير استنادًا لما يراه، أو يعتقده الأفراد في المجموعة؛ فكوننا كائنات اجتماعية يجعلنا نسعى للشعور بالحب والانتماء؛ مما يجعلنا نفعل أحيانًا كثيرة غير ما نعتقده؛ كي نحقق هذا الشعور.

فعادة ما يقسم الأفراد داخل المجموعة أعضاءها إلى فئتين. تشمل الأولى المحبوبين، بينما تشمل الثانية غير المحبوبين أو المنبوذين؛ نتيجة لفشلهم للارتقاء لمعايير المجموعة، وهو ما يسمى «تأثير النعجة السوداء».

وكشفت التجارب العلمية أن الأفراد يميلون لتغيير معتقداتهم وفقًا لانضمامهم لأي من الفئتين. وكي تنضم لأولئك النخبة المختارة في الفئة الأولى فعليك أن تثبت جدارتك بذلك من خلال موافقتهم، لكن تلك الفئة تحتفظ بالحق الحصري للتمتع بالامتيازات.

كذلك كشفت الدراسة أن الأعضاء الجدد يخضعون للصورة النمطية السائدة في المجموعة، وأنهم تجنبًا لنبذهم يحتفظون بمعتقداتهم المخالفة للمجموعة لأنفسهم، ولكنهم يمتثلون لآراء المجموعة علنًا.

وأخيرًا، فإن مثل هذه التجارب توضح لنا كيف يمكن أن نتأثر بعوامل عدة تغير من قناعاتنا ومعتقداتنا واتخاذ قراراتنا. نتيجة لعوامل عدة مثل تحيز الأفراد أو الإقناع، وهو ما قد يكون إيجابيًا في بعض الأحيان من أجل تحقيق الاتفاق في بيئة العمل والسياسة على سبيل المثال، لكنه أيضًا يمكن أن يولد تأثيرات مدمرة.

تعليقات الفيسبوك