خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، قامت وكالة الاستخبارات المركزية التابعة لوزارة الدفاع بسلسلة من التجارب السرية حول غسيل الدماغ والسيطرة على العقول، بعدما اكتشفت الولايات المتحدة أن السوفييت قاموا بتجارب مماثلة، وأن الكوريين قد استخدموا الأسرى الأمريكيين لإجراء تجارب من نفس النوع عليهم قبل قتلهم.

 

وتعرف الحرب النفسية بأنها عملية استخدام الدعاية والتهديد إضافة إلى تقنيات نفسية أخرى بهدف التأثير في نفسية وسلوك الخصم، وضع النازيون الأصول الأولى للحرب النفسية بشكلها الحديث، حيث تشير التقارير إلى قيام أدولف هتلر بتشكيل فريق ضم مئات العلماء لدراسة كيفية استخدام تقنيات الحرب النفسية وأساليب التحكم والسيطرة لنشر المعتقدات النازية حول العالم.

ووفقًا لوثيقة السي أي أيه المؤرخة بتاريخ 7 يناير 1953، فقد تم إخضاع مجموعة من الفتيات المتطوعات لاختبار إمكانية إدخالهن في حالة التنويم المغناطيسي عبر الهاتف، وقد أثبتت التجربة بوضوح إمكانية إدخال الأشخاص في هذه الحالة عبر مجموعة من الكلمات والإشارات عبر الهاتف، أو من خلال ورقة مكتوبة أثناء وجودهم في غرفة مع أشخاص آخرين دون أن يكونوا قادرين على ملاحظة أى تغيير عليهم، كانت هذه تجربة واحدة ضمن مئات التجارب. يمكنك الاطلاع على بعضها من هنا

تضمن البرنامج الذي عرف باسم “مشروع MKULTRA” أحيانًا تجارب أكثر قسوة استخدمت خلالها الصدمات الكهربائية والمخدرات، وأحيانًا بعض الغازات السامة لإحداث اضطرابات نفسية وعقلية تسمح بممارسة تجارب السيطرة على العقل، ورغم إيقاف البرنامج رسميًا عام 1973 إلا أنه تم الكشف عنه عام 1975، بعدما فجرت جريدة نيويورك تايمز العديد من المفاجآت حول أهم أسراره.

وأنت عزيزي القارئ، سواء أكنت تؤمن بأن هناك خطة ممنهجة لإخضاع البشر والسيطرة على عقولهم أو أن الأمر يتم تلقائيًّا عبر استراتيجيات الإعلام والدعاية، يبقى أننا نتفق جميعًا أن عقولنا لم تكن يومًا محلاً للتنافس كما صارت اليوم، سواء من قبل السلطة أو النخبة أو حتى المعلنين وأصحاب المنتجات أو حتى صناع السينما. يرى نيكولاس ويست أن هناك استراتيجية ممنهجة تتبع للسطيرة على عقول البشر عبر عدة استراتيجيات مختلفة يمكن رصدها وتمييزها بوضوح.

1- التعليم

طالما كان التعليم هو الهدف الأول لكل الأنظمة المستبدة من أجل التحكم في هؤلاء الأطفال سريعي التأثر، جميع الأنظمة الفاشية وضعت خططًا خاصة للتحكم في مناهج وطرق وأساليب التعليم، تم تلقين الأفكار النازية الفاشية للطلاب في المدارس تمامًا كما يتم تلقينهم الحساب والعلوم.

2- الإعلان والدعاية

وفقًا لإدوارد بارنيز الذي يعده الخبراء الأب الروحي للثقافة الاستهلاكية، فإن الدعاية هي الذراع التنفيذي الغير مرئي للحكومة، وتشمل الدعاية وسائل الإعلام المطبوعة والإذعة والتلفيزيون، والدعاية السياسية أو الدعاية الترويجية كلها في النهاية تعتمد نفس المبدأ، وهو أنك تحتاج إلى هذا الشخص أوهذا الحزب أو هذا المنتج، التقنيات ثابتة تقريبًا، التكرار المكثف والتأكيد الغير مبرر والإبهار البصري والتأثير العاطفي.

3- الترفيه

لنكون أكثر تحديدًا، المقصود هنا الجرعات المكثفة من الترفيه، كبرامج المسابقات، وتليفزيون الواقع وغيرها، أضف ذلك إلى كوننا نعيش في عالم تسيطر فيه السينما على كل شيء، يعرف نيكلاس ويست هذا الأمر بـ”البرمجة التنبؤية”، حيث يتم صناعة تصورتنا المسبقة عن الحياة والعلاقات والسياسة والعلم وغيرها من خلال الأفلام، في عالم صارت فيه الشاشة هي رأس المجتمع.

4- الرياضة والسياسة

لم تعد الرياضة مسألة ممارسة بدنية أو حتى وسيلة للتواصل بين الشعوب كما يقولون، بل صارت صناعة كاملة تهدف أكثر ما تهدف إلى صناعة العصبية، أو تطوير حديث للنزعة القبلية وإعادة إنتاج سياسة فرق تسد، ظهر الألتراس ومن بعده صارت الشعوب كاملة أشبه بالألتراس، مع الوقت اتخذت السياسة الطابع ذاته، ليس البحث عن الأفضل للوطن بقدر ما هي جماهير متعصبة للمرشح أو الحزب.

5- الجيوش العسكرية

للجيوش الحديثة تاريخ طويل بوصفها ساحات للسيطرة على العقل، أغلب تجارب السيطرة والتجارب النفسية المثيرة للجدل تم إجراؤها تحت إشراف عسكريين، العقل العسكري ربما يكون أكثر قابلية للسيطرة، حيث الهياكل الهرمية وتنفيذ الأوامر دون مناقشة، والاستجابة للتلقين، تذكر دومًا أن الكثير من التجارب المشبوهة تم تنفيذها على الجنود العسكريين لأنهم ببساطة لا يملكون إلا طاعة الأوامر الموجهة إليهم.

6- التليفزيون والكومبيوتر

وألعاب الفيديو والهواتف الذكية، وغيرها من منجزات التكنولوجيا التي جعلت الإنسان أكثر تواصلاً مع الآلة وأقل تواصلاً مع نفسه وبني جنسه، وهو التواصل الذي يصفه ويست بأنه أشبه بعملية تنويم مغناطيسي عن بعد، حيث يبقى الإنسان مستقبلاً دائمًا لكل ما تمليه عليه الآلة من إشارات، الطيف المغناطيسي الصادر عن هذه الأجهزة وغيرها، ومدى تأثيره على قدرات العقل ما يزال موضع دراسة، هذا بصرف النظر عن التأثير العقلي للمحتوى الذي يتم بثه خاصة إذا نظرنا لألعاب الفيديو التي يقضي الأطفال أغلب وقتهم في ممارستها.

المخدرات بأنواعها، والتدخين، والجرعات المكثفة من المحتويات الجنسية، والسموم التي نتناولها يوميًّا من خلال الوجبات السريعة، وغيرها من الأنشطة اليومية يرى كثيرون أنها تخفض تدريجيًّا من مستوى الذكاء العام للبشر، ورغم أن العالم الذي نحياه يسير بسرعة كبيرة على طريق اقتحام مجالات العلم والمعرفة، إلا أن الظاهرة التي تستحق الدراسة هي لماذا صار البشر – في مجملهم- أكثر عرضة للتضليل وأكثر قابلية للتوجيه في حياتهم اليومية، الأمر الذي يفسره البعض أن نمط الحياة اليومي الذي يحياه معظم الناس يحد من قدراتهم العقلية، ويجعلهم ببساطة أقل ذكاء وأكثر قابلية للانقياد.

شاركنا برأيك حول هذه القضية.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد