لا تنخدع بالأرقام.. لماذا لا تتراجع معدلات الفقر مع زيادة النمو الاقتصادي؟

يخلط دائمًا غير المتخصصين في الاقتصاد بين كثير من المتغيرات والعلاقة بينها، دون النظر إلى التفاصيل، ولكن اعتمادًا فقط على النتيجة النهائية، ومن هذه العلاقات، الظن العام بأن هبوط عدد الفقراء سيكون نتيجة طبيعية للنمو الاقتصادي، لكن في الواقع لا يحدث ذلك غالبًا، بل قد يتسبب النمو أحيانًا في زيادة عدد الفقراء، فكيف يحدث ذلك؟

نظريًا.. ما العلاقة بين النمو والفقر؟

الأكاديمي المصري، محمد يوسف، الباحث والخبير في التنمية الاقتصادية، يرى أن السبب الذي يجعل هناك خلط بين تزامن حدوث نمو اقتصادي وبين انتشار ظاهرة الفقر، يحدث في الأساس، نتيجة لوجود قصور في تعريف كل من النمو الاقتصادي وظاهرة الفقر، ولذلك، وحتى يمكن التحرر من هذا الخلط، يجب تحديد المعنى الدقيق لهذين المتغيرين.

ويقول يوسف خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إن النمو الاقتصادي، يعني ببساطة ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد بين سنة وأخرى. والناتج المحلي الذي يرتفع ويسبب النمو الاقتصادي هو صافي ما تنتجه عناصر الإنتاج في الاقتصاد، وهي العمل ورأس المال والموارد الطبيعية.

ويضيف: «من تعريف النمو الاقتصادي، يمكن القول أن حصة كل عنصر من عناصر الإنتاج الثلاثة السابقة تحدد نصيبها النسبي من عوائد هذا النمو، فلو زادت حصة العمال في النمو الاقتصادي، لظهرت آثار هذه الحصة في نمو أجورهم السنوية. أما لو زاد نصيب رأس المال أو نصيب الموارد الطبيعية من هذا النمو، سيعود هذا النمو بالفائدة على ملاكهما».

على الجانب الآخر، وبحسب يوسف، فإذا نظرنا لتعريف ظاهرة الفقر، فسنجد أنها تعني أولئك الذين لا يمتلكون دخلا من الأساس، أو يتحصلون على دخل لا يكفيهم لإشباع حاجاتهم الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، وهناك حدود تقترحها دراسات ومنظمات اقتصادية للدخل الذي يفصل بين الفقراء وبين غيرهم من السكان ودون هذا الحد، يقبع الفقراء ولا يتمكنون من إشباع حاجاتهم الأساسية.

وبالتالي عندما نقارن بين تعريف النمو الاقتصادي وتعريف الفقر، يمكننا الإجابة عن سؤال يلح كثيرًا على أذهان البعض، وهو كيف يزيد معدل النمو الاقتصادي ويزداد معدل الفقر في نفس الوقت؟، والإجابة البسيطة، بحسب الخبير في التنمية الاقتصادية، هي أن تزامن النمو مع الفقر سيرجع عندما يكون نصيب العمال من هذا النمو يقل عن نصيب الموارد الطبيعية ورأس المال.

لكن هل يتسبب النمو الاقتصادي في حدوث الفقر؟، يجيب يوسف، قائلاً إن النمو إذا عادت فائدته على ملاك الموارد الطبيعية ورأس المال، وتسبب ذلك في تشوه هيكل الادخار والاستثمار، وذهب لقطاعات منخفضة القيمة المضافة، ستكون موجات النمو المستقبلية غير مفيدة للعمال، وهو ما يقلل من فرص خروجهم من دوائر الفقر. ولذلك فإن إمكانية أضرار النمو الاقتصادي بمعدلات الفقر سيكون بطريقة غير مباشرة.

ويتابع: «يمكن القول كذلك أن النمو الاقتصادي قد يزيد من معدلات الفقر إذا ترتب عليه زيادة قدرة ملاك رأس المال من التهرب والتأخر الضريبي، وهو سيضعف من أنشطة الضمان الاجتماعي للحكومة مستقبلاً، وهو أيضًا تأثير غير مباشر للنمو على الفقر».

مفاهيم اقتصادية مغلوطة.. معدل النمو والتنمية الاقتصادية بين الواقع والشائع والمستقبل

 

عمليًّا.. ماذا يحدث على أرض الواقع؟

في الغالب لا يتم تطبيق الشق النظري في معظم البلدان خاصة النامية، إلا أن خطط تسريع النمو الاقتصادي باتت هدفًا أساسيًا للحكومات، وذلك بسبب الاعتقاد السائد بأن تحقيق نمو اقتصادي أعلى يؤدي إلى مستويات معيشة مرتفعة، إلا أنه في الواقع لا تعني زيادة النمو بالضرورة تحسن مستويات المعيشة؛ لأن ثمار النمو لا تتوزع بصورة عادلة، وغالبًا ما تستأثر القلة بمعظم منافع النمو، أو من الممكن أن يكون هذا النمو زائفًا وغير حقيقي.

لكن كيف نعرف أن معدل النمو الاقتصادي زائف أو غير حقيقي؟ كي يتضح هذا الأمر يجب أن نعرف أولًا كيف يتم حساب النمو؟، يعتمد الأمر على دراسة التغيرات الظاهرة بقيمة الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات، فمعدل النمو الاقتصادي هو الفرق بين الناتج المحلي الإجمالي الجديد والناتج المحلي الإجمالي القديم، مقسومًا على الناتج المحلي الإجمالي القديم.

هذه هي الطريقة الأشهر والمستخدمة في معظم دول العالم حاليًا، لكن هذا المقياس قد لا يكون دقيقًا بالشكل الكافي، فقد كشف بعض الاقتصاديين عن الكثير من القيود والمشاكل في حساب الناتج المحلي الإجمالي، فقبل نحو خمسة عقود قال روبرت إف كيندي: «الناتج المحلي الإجمالي بمثابة أقفال خاصة لأبوابنا والسجن لكل من يجرؤ على كسرها، لكنه لا يأخذ بعين الاعتبار صحة أطفالنا، وجودة تعليمهم، أو سعادتهم في اللعب».

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع كيندي، فالواقع يقول إن الإحصاءات والبيانات الرسمية لا تعكس دائمًا تجارب ورفاهية المواطنين، ففي النهاية يأخذ الناتج المحلي الإجمالي المتوسطات وحاصل المجموع، وبالتالي فهذا الأمر ينتج عنه تجاهل الفروق الدقيقة وعدم المساواة بين المواطنين.

ويقول محمد عبد الحكيم، رئيس قسم البحوث بـ«شركة فيصل لتداول الأوراق المالية»، ومحلل أسواق المال، إنه قد يحدث نمو مدفوع بقطاعات لا تستفيد منها الطبقات الفقيرة بشكل يتناسب مع معدلات النمو، ومع التضخم الذي يصاحب النمو عادة، ينتبه الفقراء ليجدوا أنفسهم قد ازدادوا فقرًا.

ويوضح عبد الحكيم خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أننا قد نجد زيادة في دخول الطبقات الفقيرة جراء النمو واتساع حجم الأعمال، لكن تلك الزيادة لا ترقى لمجاراة معدلات النمو تلك ومعدلات التضخم الناتجة عنها، ويحدث ذلك عند استهداف النمو عن طريق تنمية القطاعات التي تعتمد على العمالة كمًا لا كيفًا، أو بشكل متقطع يفتقر إلى الاستمرارية والاستدامة.

وتابع محلل أسواق المال، أن الفارق بين معدلات النمو ومعدلات زيادة دخول الطبقات الفقيرة يذهب إلى الطبقات الغنية عوائد على الاستثمار مثلا وما إلى ذلك، وهو ما قد يعبر عنه بسوء توزيع الثروة، فضلًا عن مشاكل الفساد بالطبع، وهو جانب يمنع بشكل أساسي استفادة الفقراء من النمو الاقتصادي.

برنامج السيسي لإصلاح اقتصاد مصر يقترب من نهايته.. 15 مؤشرًا يكشف هل نجح أم فشل

 

المعضلة المصرية.. نمو قياسي لم يمنع الفقر من الزيادة

يذكر ممدوح الولي، الكاتب الصحافي المتخصص بالشأن الاقتصادي أن «الأهم من نسبة النمو هو نوعية النمو، فهناك نمو رديء، وهو الذي تزيد معه معدلات الفقر، والنمو بلا فرص للعمل، أي الذي تزيد معه معدلات البطالة الحقيقية، والنمو الأخرس، أي الذي تزيد معه معدلات قمع الحريات، والنمو بلا مستقبل، أي الذي يبني الحاضر على حساب المستقبل، فيتوسع في الاقتراض على حساب الأجيال القادمة».

وبحسب رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي فإن الاقتصاد المصري نما بنسبة 5.6% في السنة المالية 2018-2019، بينما حصدت مصر المركز الثالث عالميًا في ارتفاع معدل نمو الاقتصاد خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي، بقائمة مجلة «الإيكونوميست» الدورية للنمو الاقتصادي حول العالم، وذلك خلال الربع الأول من عام 2019، بنسبة 5.5%.

وعلى الجانب الآخر لم يستفد الفقراء من هذا النمو، بل كان الأثر سلبيًا، بعد أن أعلن «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» ارتفاع معدلات الفقر في البلاد لتصل إلي 32.5% من عدد السكان، بنهاية العام المالي 2017/ 2018، مقابل 27.8% لعام 2015/ 2016، وأرجعت الحكومة زيادة الفقر إلى بواقع 4.7%، خلال الفترة بين عامي 2016 إلى 2018، لتطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي في الفترة ذاتها.

هذه النسبة تبلغ أكثر من ضعفي النسبة العالمية التي تقل عن  10% حاليًا، وفق تقديرات «البنك الدولي»، الذي أصدر بيانًا في شهر مايو (أيار) الماضي، قال فيه إن نحو 60% من سكان مصر إما فقراء أو عرضة للفقر، مشيرًا إلى أن الإصلاحات أثرت على الطبقة المتوسطة، كاشفًا عن وجود تفاوتات جغرافية هائلة في معدلات الفقر.

وهذا الإصلاح هو ذاته الذي أعلنت الحكومة أنه السبب في صعود النمو الاقتصادي، كما يقول يوسف، في مقال له نشر بجريدة «الشروق» المحلية في 8 يونيو (حزيران) الماضي، فإن الاقتصاد المصري يمتلك شجرة من النوعية شحيحة الثمار على مستوى النمو الاقتصادي، وبالتالي فهي ضعيفة الفائدة ومحدودة الأثر.

ويقول عمرو عدلي، الأستاذ المساعد بالجامعة الأمريكية في القاهرة، في مقال رأي نشرته وكالة «بلومبرج»، إنه عندما يتخلف النمو، تتحمل الفئات الأكثر فقرًا وطأة التدابير التقشفية، ورغم أن تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي هي بالتأكيد علامات على أن الدولة تمضي في الطريق الصحيح، لكن تلك المؤشرات تفشل في إحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي.

هل هناك مقياس أكثر واقعية؟

إذًا من الصعب الاعتماد على النمو الاقتصادي بوصفه رقمًا لتحديد الفوائد الاقتصادية التي يحصل عليها المجتمع، فقد يكون النمو كبيرًا لكن الزيادة السكانية أكبر، لذلك يعتمد علماء الاقتصاد على قياس رفاه البلدان اعتمادًا على الدخل الفردي الحقيقي، فكلما ازداد هذا الدخل تمكن الفرد من الحصول على كمية أكبر من السلع والخدمات، وبالتالي حقق مستوى معيشة أفضل.

ولمقياس أكثر دقة دمج برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عدالة توزيع الدخل في ترتيب البلدان ضمن سلّم التنمية البشرية، وهذه الخطوة كان لها تأثير كبير على ترتيب الدول العربية في مؤشر التنمية البشرية، حيث تراجعت بنسبة 27% نظرًا إلى سوء توزيع الدخل في هذه البلدان مقارنة بالمتوسط العالمي.

وبالتطبيق على مصر سنجد أنه في الوقت الذي ارتفع معدل النمو الاقتصادي، تراجع نصيب الفرد من الدخل وهو ما يوضح أكثر لماذا تراجع الفقر عندما ارتفع النمو، وفق بيانات «البنك الدولي».

جدير بالذكر أن بعض التقديرات تشير إلى أن تحسين توزيع الدخل بنسبة 10%، يطيل فترة استقرار النمو بنسبة 50%، كما أن مساهمة عدالة توزيع الدخل في دعم نمو اقتصادي مرتفع ومستدام أهم كثيرًا من مساهمة الاستثمار الأجنبي أو الانفتاح التجاري، الذي عادة ما تركّز عليه الدول العربية في سياساتها الاقتصادية.

هل فات أوان إنقاذ تركيا من دوامة الركود؟

 

الإصلاحات الاقتصاديةالبنك الدوليالفقرالناتج المحلي الإجماليالنمو الاقتصاديمصر

المصادر