قبل أيام أُقرّت التعديلات الدستورية التي تحول تركيا إلى النظام الرئاسي، وما إن غزت حمّي الحديث عن تلك التعديلات شبكات التواصل الاجتماعي، حتى سارع المؤيدون لها إلى استدعاء سلطات الرئيس في النظام الأمريكي، قائلين إن الرئيس هناك يتمتع بصلاحيات أكبر حتى من تلك التي ستُمنح للرئيس في تركيا، وبالتالي فإنه لا داعي للفزع من «شبح الديكتاتورية»، فتركيا ستصير أكثر ديمقراطية بتلك التعديلات، من وجهة نظرهم.

صلاحيات الرئيس في تركيا بعد التعديلات

تضمنت التعديلات الدستورية 18 تعديلًا، حولت النظام السياسي في البلاد من البرلماني إلى الرئاسي، إذ تم إلغاء منصب رئيس الوزراء، وأصبح منصب الرئيس هو المركز الحقيقي للسلطة التنفيذية، فهو من يعين الوزراء، ويقيلهم، وهو القائد الأعلى للجيش، كما أتاحت له سلطة تعيين أربعة قضاة – فضلًا عن وزير العدل ونائبه اللذين يعينهما الرئيس وبذلك يصير إجمالي العدد الفعلي ستة أعضاء- في أعلى هيئة قضائية للدولة.

وفي حين يبدو للوهلة الأولى أن تلك التعديلات تميل بالمُطلق إلى الرئيس، وتعطيه صلاحيات واسعة، إلا أنها كذلك قد استحدثت آليات جديدة أكثر مرونة من حيث قدرة البرلمان على «محاسبة الرئيس»؛ إذ صار يحق للنواب «طلب فتح تحقيق بحق رئيس الدولة ونوابه والوزراء، ولا يحق للرئيس في هذه الحالة الدعوة إلى انتخابات عامة»، ويحق للبرلمان أيضًا محاكمة الرئيس أو الوزير «لأي سبب» باقتراح ما نسبته «50%+1» من أعضاء البرلمان، وموافقة ثلثي أعضائه على تقديمه للمحكمة العليا.

وبالرغم من أن تلك التعديلات قد قلصت من سلطات البرلمان لصالح منصب الرئيس، إلا أنها قد حرصت فيما يبدو على ضمان انسجام بين الجانبين، إذ تقرر أن تجري الانتخابات البرلمانية والرئاسية في وقت واحد كل خمس سنوات، أي أن السلطتين التنفيذية والتشريعية سيكونان غالبًا من نفس الحزب أو التحالف السياسي.

شملت التعديلات أيضًا بعض النقاط الخاصة بالترشح للبرلمان، بعد رفع عدد أعضائه من 550 إلى 600 عضو، وتم خفض سن الترشح من 25 سنة إلى 18 سنة، كما تقرر إلغاء المحاكم العسكرية تمامًا.

صلاحيات الرئيس في الولايات المتحدة

وبالنظر في الصلاحيات الممنوحة للرئيس في النظام الأمريكي، نجد أنها واسعة بالفعل، فهو المسؤول الأول عن الحكومة الاتحادية، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، بإمكانه أن يعلن حالة الطوارئ، أو يستدعي الحرس الوطني في أوقات الاضطرابات، كما فعل الرئيسان أيزينهاور، وكينيدي.

يتولى الرئيس تعيين المكتب التنفيذي والاستشاري المرافق له، ويعين القضاة في المحكمة العليا – شرط موافقة غالبية مجلس الشيوخ-، وله صلاحيات منح العفو، وإيقاف تنفيذ العقوبات في الجرائم المرتكبة، كما يمتلك حق النقض «الفيتو» على نصوص القوانين التي يقرها الكونغرس، وإن كان يمكن تجاوز ذلك الاعتراض الرئاسي عبر التصويت بثلثي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ.

للرئيس الأمريكي كذلك حق إبرام المعاهدات مع الدول الأجنبية، وتعيين السفراء والبعثات الدبلوماسية، كما أن بإمكانه إرسال قوات عسكرية إلى مناطق خارج البلاد مدة ثلاثين يومًا، يمكن تمديدها بعد الحصول على موافقة الكونغرس.

وفي مقابل الصلاحيات المذكورة أعلاه، يحق للكونغرس الأمريكي – بغرفتيه الشيوخ والنواب- عزل الرئيس، بعد إدانته بالخيانة، أو الفساد، أو أي جرائم وجنح يجرمها القانون الأمريكي.

رغم تشابه النظامين الأمريكي والتركي: لماذا يقلق البعض إذن على مستقبل الديمقراطية في إسطنبول؟

يقول المؤيدون للتعديلات إذن: إذا كانت أمريكا هي أم الحريات، وبها يُضرب المثل الذي تسعى أن تقتدي به كل ديمقراطية ناشئة، فلماذا إذن تقوم الدنيا ولا تقعد من أجل تعديلات دستورية تعطي الرئيس التركي سلطات هي – بنظر البعض- أقل من تلك التي يتمتع بها الرئيس الأمريكي؟ أليس هذا كيلًا بمكيالين وازدواجية في المعايير؟

وفي حين أن الدستور الأمريكي هو أقدم دساتير العالم،
تستمد مواده مضمونها من نظريات الفلاسفة من أمثال جون لوك، وتوماس هوبز، وجان جاك روسو، الذين أدركوا تمامًا أهمية وجود مجتمع مدني تكون لأفراده حقوق وواجبات، وفي حين تتمتع أمريكا بتراث عريق للغاية من التقاليد السياسية، ورسوخ الآليات والمؤسسات الديمقراطية فيها، الأمر الذي يجعل الرئيس مهما توسعت سلطاته، محكومًا بقواعد لا يُمكنه الخروج عليها، أو الانقلاب عليها، في المقابل، فإن «الحالة التركية» تبدو مختلفة كثيرًا.

ثمة ما يُمكن وصفه بـ «روح النظام»، تلك الحقائق التي يُدركها الجميع فيما يتعلق بالأعراف السياسية التي تحكم بلدًا ما، ولكنها ليست مكتوبة أو مسجلة، الدساتير المكتوبة ليست أكثر من «حبر على ورق»، يُمكن الالتفاف عليها أو تجاهلها تمامًا متى ما كان الواقع السياسي يسمح بذلك، بل إن أغلب دول العالم تتمتع بدساتير ممتازة، تُشعرك وكأن شعوبها تعيش في الجنة ذاتها، فيما هي في الحقيقة أقرب إلى بقعة من بقع الجحيم، من فرط الاستبداد والطغيان اللذين تعيش فيهما.

في الحقيقة، فإن مخاوف المعسكر الرافض للتعديلات، كانت مرتبطة في جوهرها بالسياق السياسي المصاحب لها، نُظر للتعديلات بوصفها استفتاء على أردوغان نفسه، وبالرغم من أنها كانت تقضي أن تُجرى أول انتخابات في ظلها في 2019، بعد إتمام التحول إلى النظام الرئاسي، فإن أحدًا لم يَدُر بخلده، أن تلك الصلاحيات الواسعة يمكن أن تكون من نصيب أحد غير أردوغان.

تدريجيًّا، وبعد أن ظل لسنوات طويلة يُنظر إليه باعتباره ليبراليًّا نادر الوجود، صار أردوغان – برأي البعض- ينحو منحى أكثر «تسلطًا» في إدارته، لقبه مؤيدوه ومعارضوه بالسلطان مدحًا وذمًّا، وشيئًا فشيئًا صارت السياسة في تركيا تتمحور حول شخص الرجل، بعد أن كان لا يعدو أكثر من ممثل لتجربة حزبية ديمقراطية متنوعة الوجوه، أو بالتعبير الإنجليزي «الأول بين الأقران First among equals».

قضى أردوغان اثني عشر عاما في رئاسة الوزراء، في ظل نظام برلماني لم يعقه عن تحقيق جل إنجازاته الاقتصادية والسياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي، ويلفت معارضوه إلى أنه لم تتصاعد نبرته بضرورة التحول إلى النظام الرئاسي إلا بعد أن قاربت مدده القانونية على الانتهاء، قال حينئذ إن النظام الرئاسي هو الأنسب لتركيا، ما يثير الكثير من التساؤلات المعلقة، فهل أصبح النظام الرئاسي هو الأنسب للبلاد حين أصبح أردوغان هو الرئيس فقط؟

عززت فرضية رغبة أردوغان النظر إليه نظرة السلطان الشرقي، بعد إطاحة أغلب رفاقه السابقين من المشهد، وعلى رأسهم عبد الله غل، وأحمد داود أوغلو، ولم يعد في المشهد إلا أردوغان، ومن يواليه من «البيروقراطيين» الذين لا يشكل أحدهم منافًسا معقولًا له، وفي حين أن أردوغان – بوصفه رئيسًا للبلاد – كان رسميًّا خارج الحزب الحاكم، فقد ظل هو المتحكم في مقاليد الأمور داخل العدالة والتنمية، ومن ثم داخل الدولة ككل، وهو ما جعل الكثيرين ينظرون للتعديلات بوصفها شرعنة لأمر واقع لم يكن شرعيًّا ابتداءً.

بالنسبة للعديد من الحقوقيين والمراقبين لم تعُد تركيا كذلك «جنة الحريات» كما كان يعتبرها الكثيرون، توالت عمليات سجن الصحافيين بخلفيات سياسية،
سُجن عشرات الآلاف، وفُصل عشرات الآلاف الآخرين من وظائفهم، وعوقب الناس بالشبهة على انتمائهم لجماعة كولن، حتى أولئك الذين لم يتورطوا بشكل مباشر في الانقلاب المُجهض، وكان من المثير للغضب أن تتناقل وكالات الأنباء صورًا لمعلمين ومعلمات في مدارس كولن، والشرطة تقتادهم إلى جهات التحقيق، فقط لأنهم انتموا إلى حركة الخدمة، وهي التي كانت حليفًا لأردوغان حتى وقت قريب.

اقرأ أيضًا: «التعذيب في تركيا».. حين وصلت «ديمقراطية السود» لأفق مسدود

تحدثت التقارير عن عودة كابوس التعذيب إلى تركيا بعد أن ظنت البلاد أنها قد تخلصت منه إلى غير رجعة، وأعلنت تركيا ما يسمى الحرب على الإرهاب، وهو مصطلح يشير في الحالة التركية، لا إلى «تنظيم الدولة الإسلامية» فحسب؛ بل إلى المسلحين الأكراد كذلك، الأمر الذي عنى عودة الاحتقان إلى شرائح اجتماعية كردية كبيرة، ما اعتبره بعض المراقبين يُهدد بنسف الاستقرار القصير الذي نعمت به تركيا حتى وقت قريب.

كل تلك التطورات، قد تعطي مؤشرًا بالنسبة للبعض على «السياق السياسي» الذي يحيط بتحول تركيا نحو النظام الرئاسي، وهي كما يتضح لا تُوفر الكثير من التفاؤل بشأن أن تكون تركيا أكثر ديمقراطية، في نظر العديد من المراقبين، بل على العكس تمامًا، يعتبر الكثيرون أن التعديلات قد فصلت على مقاس أردوغان تمامًا، في البدء كان أردوغان، ثم جاء النظام الرئاسي، لا العكس، وهو ما يلقي بظلال الشك على مستقبل السياسة والحكم في البلاد، بالنسبة للمعارضين.

اقرأ أيضًا: 5 أسباب للتفاؤل بمستقبل تركيا بعد التعديلات

اقرأ أيضًا: 4 أسباب للتشاؤم من مستقبل تركيا بعد التعديلات

الدستور إذن في حد ذاته ليس إلا «حبرًا على ورق» في نظر العديد من المراقبين كما ذكرنا، يتحدد تطبيقه وفقًا لـ «روح النظام»، فإذا كنا نتحدث عن نظام تحكمه أعراف ديمقراطية، أو كان «الخطاب التحرري» يتسيّد الموقف، يجري تبني أكثر التفسيرات «ديمقراطية» للدستور، والعكس بالعكس، فإذا كنا نتحدث عن نظام سياسي يتشح بسواد الديكتاتورية، يجري لي أعناق النصوص، أو يُضرب بها عرض الحائط تمامًا، لإفساح المجال أمام رغبات أولئك الذين يحكمون البلاد بقوة الأمر الواقع.

عرض التعليقات
تحميل المزيد