حلم الحيوانات يوما بيوتوبيا تضمن المساواة بينهم حتى ثاروا على الإنسان المستبد ليخلقوا نوعًا جديدًا من الاستبداد كان له أن ينتهي بقتل بعضهم البعض. صور جورج أورويل في روايته الحيوانات كفشلة وأغبياء يمثلون الطبقة العاملة غير المرتبة والتي تنتهي خططها الثورية عادة بالفشل، لا يعطيهم الحاكم منحة أبدا إلا وبها السم.

خرج شاب صغير للشارع فجأة وبشكل عفوي؛ يعلن عن ملله من رئيس واحد لم يعرف غيره وأبدل بمياه يشربها موادًا حارقة وهو يتلقى قنابل الغاز المسيل للدموع. اجتمع معه الآلاف في الساحات المقدسة ودعوا أنظار العالم لتشاهدهم يسقطون حاكمهم ويحاكمونه بأنفسهم. المشهد تخيلي مع ثورات في أغلب الأحيان تنتهي بالفشل ولا تملك تلك القوة الخارقة في ثني قوس السياسات كي تستحيل عودته للوضع السابق حتى مع اتحاد كامل الشعب.

في رفض تام للوضع تكون ثورات تختلف فيما بينها بقليل من الترتيب الذي لا يجدي في مجتمع اعتبر الحكم منحة من الله. وهو ما واجهته الشعوب في القرن الثامن عشر لتنتهي مسيرات أمريكا لجمهورية واستقلال، لكن تلك الفرنسية أعادت الديكتاتورية التي أسقطتها ثانية. فإن اعتبرنا السلطة الجديدة معيار نجاح وفشل الثورة، فماذا كان السبب؟

الثورات تهدم وقلما تبني من جديد

قطع المتظاهرون في بوركينافاسو رأس النظام منذ أشهر قليلة، لكن بقي لهم جسده لساعات حتى أعلن بليز كومباوري استقالته بضغط من الاتحاد الأفريقي الذي رفض مع الشعب تعديلات دستورية وعد بها كومباوري، ليكثف الجيش استعداداته واستعداد المقدم ياكوبا إسحق لتولي منصب الرئيس المؤقت وتشكيل الحكومة، حيث كان الجيش هو الحل السياسي الوحيد مع ملاحقة أقارب الرئيس ومعاونيه. هذا التحول هو الأمثل للثورات ليخرج الشعب يسقط التماثيل ويقتحم مقرات الحكومة محاولا كتابة القانون لكنه لم يقم بكتابة شيء.

كان هذا السبب وراء قائمة طويلة من الثورات الفاشلة، بداية بثورة الفلاحين 1381 والفلاحين بألمانيا 1525 وفرنسا 1871 والثورة الإسبانية 1936 وغيرهم التي استغلتها الطبقة الرأسمالية دون تلك العاملة، ووراء ثورات برجوازية كانت تقدمية وناجحة لكنها فشلت في تطبيق المساواة وتوزيع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ليعود الفلاح والعامل بعد كل ثورة بالنهاية لمنزله ويترك آخر يقيم المدن ويدير المجتمع.

فقر يتبع الثورات

رغم أن الثورة الروسية كانت الأعظم في القرن العشرين والوحيدة التي نجحت خلالها الطبقة العاملة في الاستيلاء على السلطة، إلا أن واحدًا من الأسباب الرئيسية لفشلها بعد فترة اختبار هي الظروف المادية التي أوجدت نفسها في السنوات التالية منذ 1917 مما دفعها لانحدار شديد لا مفر منه تقريبا. فقبل الثورة كانت القوة الروسية العظمى الأكثر تخلفا اقتصاديا في أوروبا وكانت غالبية سكانها من الفلاحين مع طبقة عاملة تشكل أقل من 10%، وكانت الحرب العالمية الأولى قد أضرت باقتصاد روسيا ثم الحرب الأهلية التي دمرته تمامًا. ففي عام 1921 انخفض الإنتاج الصناعي الروسي 31% عن مستواه في 1913 والإنتاج العام للدولة بنسبة 21%، وزاد هذا الانهيار الاقتصادي من تفشي الأمراض كالتيفود والكوليرا مع خطر المجاعة، وتشرد 7 مليون طفل وفقد 2 مليون مواطن أرواحهم مما سمح للسياسة الشيوعية الحربية باستكمال الخطوات بدلا من الفلاحين دون تهديد لتستمر عسكرة المجتمع.

عصيّ حصول المصريين على الحرية الكاملة بعد ثورتهم بمجرد سقوط الحكومة، وكذلك ليبيا وتونس، لتشترط عليهم الحرية تحقيق مزيدٍ من التحرر الاقتصادي وإصلاحات بالسوق الحر مع نظام حاكم مخصص لذلك، ليضمن للعمال حريتهم مع حصول الدولة على حريتها في قراراتها الخارجية.

فشل الحشود في الساحات

سعت ميادين حول العالم لإنتاج مجتمعات أفضل كالتقسيم التركي والتحرير بمصر وتيانانمن بالصين وبويرتا ديل سول الإسباني، حتى أصبحت تلك الساحات “رموز السياسة الثورية الحديثة” ومعترفًا بقوتها الملهمة التي تدمر ولكن نادرا ما تبني في العصر الحديث. فقد أشعلت الحشود فتيل أنظمة ضعيفة وتركت الدولة تغرق في الظلام، وكانت نادرا ما تتحول للديمقراطية ليكون الدور الوحيد للحشود هو تقديم الأمل في أصعب الأوقات دون سياسة ثورية تحمي من الخيانة والتضليل.

ولا يمكن اعتبار الحشود حاملة لنفس الصفات والفئات والأهداف السياسية والأيديولوجية السائدة في كل حالة؛ فهناك حشد للطبقة المتوسطة وحشد الطبقة العاملة وحشد رجعي وحشود متطرفة وغيرها. فعند خروج طرف يرمز نفسه كحركة ثورية تحتل الساحة مع عدم النظر لعناصرها المفقودة أو القوى الاجتماعية الباقية، وهو ما تسبب في التخوين عندما اقتحمت الثورة الفرنسية سجن الباستيل ومسيرة الثورة الروسية لقصر الشتاء.

في حالة الثورة المصرية أخطأت وسائل الإعلام عند تركيزها بشكل حصري تقريبا على ميدان التحرير، وهو الخطأ الذي تكرر في جميع الاضطرابات الأخيرة رغم وجود صراعات وتحركات هامة في أنحاء البلاد، وخاصة بالإسكندرية والسويس ومزيج من الجماهير في الشوارع انتشرت بسرعة لإجبار حسني مبارك على التخلي عن منصبه، الأمر الذي يؤكد على فشل الثورات التي لا تذهب أبعد من احتلال الأماكن العامة مع تحركات جماعية لا تتجاوز هذه الحدود. ويؤكد أيضا على أن التعبئة الجماهيرية في الشوارع خطوة هامة في أي عملية ثورية، لكن الأهم هو الإضرابات الجماهيرية وإضراب أصحاب المهن في أماكن عملهم، لأن الإنتاج ورأس المال هما نقطة قوة الطبقة العاملة وضعف السلطة.

الثورة فعل مستمر يقتله التوقف

يأتي التغيير الجذري للسلطة أمرًا نادر الحدوث أو مستحيلا لكون التغيير الحقيقي تدريجيا للغاية والحريات تأتي ببطء شديد، والثورات تميل لأن لا تنجح بنفس ثورية اندلاعها لكنها تفضل الصيانة، وهو ما لا يتوفر في كافة الحالات لأمم تتمنى الفوز تدريجيا بحريتها مع نظام استبدادي يمنعها من ذلك.

قليل من الثورات الناجحة كالثورة الأمريكية أواخر القرن الثامن عشر حصل فيها الأمريكيون بالفعل على معظم الحمايات والحريات التي طالبوا بها، وعلى استقلالهم من بريطانيا، ورسموا حدود سلطة الحكومة المركزية عليهم لخلق مزيد من الحرية افتقر لها نظراؤهم البريطانيون. وعلى النقيض من ذلك في حالة الثورة الفرنسية خلقت حكومة أكثر مركزية من بريطانيا رغم أن أهداف الثورة الفرنسية كانت لخلق مجتمع بمزيد من الحرية والمساواة، انتهى أمرها مع سلطة عسكرية وأكثر مركزية تحت حكم نابليون.

المسار الأفضل للحرية ووهم “اليوتوبيا”

وأد أوغستو بينوشيه الشيوعية قبل أن ينتهجها الشعب ويطالبوا بمزيد من الحرية السياسية والاجتماعية بعد مساهمتهم في إصلاح السوق بعد الثورة التشيلية، واعتبر بينوشيه مساره هو “المسار الأفضل” نحو الحرية، فبعدما أطاح بحكومة الليندي الاشتراكية في انقلاب عسكري؛ تميزت سنوات حكم بينوشيه الأولى بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان معترفا بأن التحرر الاقتصادي يدفع للطلب بمزيد من الحريات بعد أن كانت تشيلي واحدة من أكثر دول أمريكا الجنوبية حرية، في تطبيق صريح لـ” التسلسل الهرمي للاحتياجات” لتمثل تشيلي مساري الحاكم والشعب.

“حكمة الحشود” هي تلك التي يعتقد بها الحالمون بكونهم الأذكى والأحق، متجاهلين قدرة الشموليين في التلاعب بالجماهير لينسوهم قدرة الحشود الثورية التي تقف في محل الضعيف باعتبارها تجمعًا عفويًا غير مستقر، ويكون جهدهم بالنهاية هدية للديكتاتوريين، وربما يعيد ضعفهم للديكتاتور السابق شرعية لا يمتلكها المتظاهرون وحقًا لمؤيديه في الثورة مرة أخرى، أو تعود الحشود لعهدها الأول وتميل لنظام تعيد تدويره من جديد، مثل ثورة قام بها المصريون على نظام عسكري أعادوه ثانية بعد 3 أعوام واحتفلوا به في ميدان التحرير.

سعى المنظرون أيضا لإثبات رؤيتهم الخاصة عن المثالية التي انتهت بفشل ثورات انتهجت اليوتوبيا ولم توقظ تلك الدرجة العالية من المسؤولية، ولم تلتزم باحتياجات الجماهير الكبيرة التي عاشت في فقر، ولم تعتمد على العمال لتهيئة الوضع الجديد وتحقيق مزيد من الإنتاج.

الفيسبوك والثورة الافتراضية

“الفوران الجماعي” كما أسماه دوركايم وانبهر به الفلاسفة دومًا لحشود تطلق سراح غضبها العميق بشكل تاريخي، وحتى اليوم فإن الأنظمة ترتعش عندما تواجه الآلاف بالشوارع، لكنها بالضرورة لا تترك مكتبها عندما يثور عليه الملايين على فيسبوك وتويتر. فالدور المفروض لوسائل التواصل الاجتماعي هو كونها وسيلة للاتصال لتحقيق غاية. وهذه الغاية هي جعل الحشود حية في الميدان ووضع أجسادهم على خط المواجهة مع النظام ويتمكن الجميع من أن يصطف ويتحد بوسط أكثر المدن تحضرًا.

العديد من نشطاء اليوم المؤلفين من الطلاب وأبناء الطبقة المتحضرة يمنحون الشرعية لسلطة الشارع دون نظر لفئات مجتمعهم الأخرى، ليرى المراقبون أن هذا ما سهل من قمع المتظاهرين ببكين بتلك القسوة في ساحة السلام، مع مثال آخر مناقض في العاصمة بلغراد عند سقوط صربيا بدت الحشود غير فعالة نسبيا حتى وفد العمال بحافلات من كل المحافظات وانضموا لهم، وهو أيضا ما هزَّ كيان يانوكوفيتش بأوكرانيا عندما بدأ الاحتجاج ينتشر بشكل شعبي ووطني.

أي اضطراب يمكن أن يُقدم على أمل أوقات أفضل. ولكن التاريخ هو دائما المشكك. قبل شهر واحد فقط وتجمع حشد كبير آخر في ميدان التحرير، في تمرين للسخرية، احتفلت الحشود بعودة الجيش إلى السلطة بعد ثلاث سنوات من الفوضى. أحيانا الحشود تتلهف النظام.

حق الفرد مقابل حق الجماعة

في مقارنة واضحة بين الثورتين الفرنسية الفاشلة والأمريكية الناجحة يكمن دعم الأخيرة لحقوق الفرد، فجاء بنص إعلان الاستقلال “سنحمي حقك كفرد حتى لو كنت الشخص الوحيد في البلاد الذي يحتاج هذا الحق ويريده”. في سعى لهدف لم يكن أبدا النزاع بل الدفاع عن الحقوق ومبادئ المساواة وسيادة القانون، على العكس فقد استندت قوة الثورة الفرنسية على مجموعات مجزأة قسمت بينها السلع والحقوق كذلك ومع تتابع الثورات الفرنسية أصبحت جماعة الثورة الأولى عدو الثورة القادمة حتى فشلوا في إيجاد أرضية مشتركة.

أحدهم يدَّعي الحكمة والمعرفة

سبب آخر اشتركت فيه الثورات الفاشلة ارتبط بمن قادوا الثورة وادّعوا حقهم في القيادة والحكم استنادا لبعض المعرفة الخاصة التي يمتلكونها؛ فقد زعم أتباع ماركس في الصين وروسيا حقهم في الحكم لفهمهم القوانين، لكن تلك الحكمة التي ادعوها كانت قوة غير منضبطة ولم تكن نتيجة عهدهم تلك الفترة الذهبية التي وعدوا بها بل فساد وانهيار، وهو الحال أيضا مع الثورة الإيرانية ليصبح المرشد الأعلى آية الله مسؤولًا لقدرته الخاصة في تفسير أوامر الله، وهو ما يظهر مدى تعارض الثورات أحيانا بوثيقتها الخاصة التي تنص على المساواة بين البشر والحرية والرفاهية التي تبدو بديهية، لكنها تظل متاحة لعدد قليل من الأمم تتبع عادات وتقاليد مختلفة قد يمنع بها الحاكم الجديد الحشود من التجمهر ثانية ويبدأ التشكيك بالثورة.

الديمقراطية هذا المسار الملغوم

مع تلك الموجة الثورية التي بدأتها تونس نهاية 2010 وتبعتها مصر افترض أن تكون نهاية لعهد ديكتاتوري لأنظمة عربية وبداية للديمقراطية لدول انتهت بها الثورة تقريبا مثل مصر وتونس واليمن وليبيا، لكنها تعثرت في طريقها لتلك الديمقراطية المنشودة؛ فقد انخرطت القوى الثورية الإسلامية والعلمانية في صراع أيديولوجي زاد من تفككها وأنتج حالة من الاستقطاب عسرت العملية الديمقراطية. ثانيا لم تنجز تلك الثورات مهمتها في القضاء الكامل على النظام القديم وتركته يمتد بأجهزة الدولة الإدارية لعرقلة مسار الديمقراطية لتتلقف المؤسسة العسكرية الحكم بعد ثورة 25 مباشرة وتتلكأ في تسليم رموز الفساد لمحاكمات سياسية مستعينة بالسلطة القضائية والدينية وأجهزة الإعلام.

المسار العنيف الذي تبعته الثورة الليبية نشر السلاح بأيدي الجميع وحول الفاعلين به لمسلحين في ظل غياب مؤسسات الدولة، لتشابهها الحالة اليمنية لواقعها القبلي العنيف ووجود تنظيم القاعدة وحضور أركان النظام القديم في المشهد السياسي ما بعد الثوري، هذا التخبط الديمقراطي حال بين أول رئيس منتخب بمصر وبقائه لأكثر من عام، لتنجو تونس وحدها وإن كان مسارها بطيئًا بعدما استطاعت كتابة دستور جديد أجبر الفرقاء السياسيين على إدارة خلافاتهم الأيديولوجية والتوافق بدرجة كبيرة ليساعدهم ضعف الثورة المضادة.

تعدد الأهداف وتناقضها أحيانا

يلهم الشعور الثوري اعتقادًا بوحدة الهدف بين المشاركين، لكن في الواقع نادرا ما يتوفر الهدف. ففي الثورات العربية اتحد المتظاهرون على الإطاحة بالفاسدين لكنهم مختلفون حول الديمقراطية مقابل الحزب الواحد، والعلمانية مقابل الحكومة الدينية، ووضع المرأة، مما يوفر فرصًا للمتطرفين لاستغلال هذا الخلاف لتحقيق أهداف خاصة. ومثال على ذلك ما حدث بالاضطرابات في أيرلندا الشمالية وحركة الحقوق المدنية السلمية التي طالبت بالمساواة بين الكاثوليك والبروتستانت  لتتحول حركتهم لصراع لعقود طويلة.

وصول المعتدلين في الثورات لحل وسط مع الشعب يشكل بالضرورة خطرًا على قاعدة المتطرفين الذين يسعون بدورهم للتخلص من المعتدلين. جاء هذا واضحًا في الثورة الإيرانية عندما قام الشيوعيون بالتعاون مع الأصوليين الدينيين للقضاء على الديمقراطيين والعلمانيين، وعند إنجاز المهمة قام الدينيون بتهميش الشيوعيين وتأمين قوتهم وحدها.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد