على غير عادتها في التعامل مع فلسطينيي الداخل أو «عرب 48» من حيث الاشتراطات الأمنية والحرمان من أداء مناسك الحج والعمرة، قررت المملكة العربية السعودية مؤخرًا أن تفتح الباب لهم من أجل العمل في مرافقها الاقتصادية.

هذا القرار الذي بدا غريبًا أثار التساؤل حول الذي جّد، وجعل السعودية تستثني فلسطينيي الداخل المحتل من حسابات الأمن والسياسة السابقة، حتى وصل الأمر لحد نشر لافتة ترحيب بالعبرية قرب المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة في السعودية؟

نافذة التوظيف السعودية تُفتح لـ«عرب 48»

في الثامن من مايو (أيار) 2019، وافق مجلس الشورى السعودي على مشروع «الإقامة المميزة» في السعودية والذي يهدف إلى الدفع بعجلة الاقتصاد والنشاط التجاري للتوسع والشفافية، وذلك بموافقة 76 عضوًا من أعضاء مجلس الشورى على المشروع ومعارضة 55 عضوًا.

وحسب المشروع فإن هذه الإقامة تنقسم إلى قسمين: إقامة دائمة وإقامة مؤقتة، ويمنح صاحبها عددًا من المزايا من ضمنها ممارسة الأعمال التجارية وفق ضوابط محددة، وذكر بيان صادر عن السفارة السعودية في القاهرة، أنه «يمنح النظام للمقيم مزايا، منها الإقامة مع أسرته، واستصدار زيارة للأقارب، واستقدام العمالة، وامتلاك العقارات، وامتلاك وسائل النقل، نظير دفع رسوم خاصة تحددها اللائحة التنفيذية»، وكذلك يتيح النظام الجديد «حرية الخروج من السعودية والعودة إليها ذاتيًا، ومزاولة التجارة، على أن تكون الإقامة إما لمدة غير محددة، أو محددة بسنة قابلة للتجديد. كما يشمل المشروع إنشاء مركز يسمى مركز الإقامة المميزة يختص بشؤون هذا النوع من الإقامة».

المفاجئ أن مجلة «غلوبس» الإسرائيلية، التي تُعنى بالشؤون الاقتصادية، نشرت تقرير يؤكد على أن الخريجين العرب في الجامعات الإسرائيلية والذين وصفتهم بالمحترفين؛ قد فُتحت نافذة التوظيف لهم في المملكة العربية السعودية، وذكرت المجلة أنه «كجزء من التغيير (التطبيع العلني) في العلاقات بين الرياض وتل أبيب، سيُمكّن نظام الإقامة المميزة العرب الإسرائيليين (فلسطينيي 48) من العمل في السعودية التي ترى في خرّيجي الجامعات الإسرائيلية مهنيين نوعيين».

وتابعت المجلة «الآن النافذة السعودية التي كانت ولا تزال مفتوحة أمام الملايين من مواطني الدول العربية ستكون مفتوحة أمام العرب من مواطني إسرائيل، إذ يشكل اجتذاب هؤلاء جزءًا من الخطة الاقتصادية التي ستقرّها السعودية قريبًا، والتي يفترض أن تستجلب مهندسين ومستثمرين أجانب للعمل في البلاد، واستلام مناصب رفيعة في الشركات، وستسمح لهم بامتلاك عقارات وسيارات وغيرها، وأيضًا الحصول على إقامات دائمة».

ويُعزي المحامي خالد زبارقة، أحد المهتمين بالقضايا القانونية الخاصة بفلسطيني الداخل المحتل أو ما يعرف بـ«عرب 48»؛ دوافع هذا القرار إلى سياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان القائمة على الانفتاح على إسرائيل، إذ إن القرار الأخير يجيء تتويجًا لجهوده السابقة للتطبيع الكامل بشكل فعلي مع إسرائيل، معقبًا خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «اليوم السعودية تجاوزت مبادرة السلام العربية وبدأت بخطوة فعلية بالتطبيع مع الكيان الإسرائيلي دون تنفيذ اشتراطاتها».

لماذا تُغرق إسرائيل الداخل الفلسطينيّ في مسلسل الجرائم الجنائية؟

جسر تطبيع وورقة ضغط على الأردن

ويستكمل المحامي خالد زبارقة، المقيم في حيفا الحديث لـ«ساسة بوست»؛ فيصف تعامل السلطات السعودية مع فلسطينيي الداخل المحتل، بأنه تعامل فظ قائم على التمييز بسبب اضطرارهم للتعامل بهوية تُحَمّلهم الجنسية الإسرائيلية، ويوضح: «لم تسمح لنا بالذهاب إلى العمرة والحج إلا بعد قيام المملكة الأردنية الهاشمية بإصدار جوازات سفر مؤقتة لنا».

عامل في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية

ويعتقد زبارقة أن القرار السعودي يأتي في إطار خطة ابن سلمان الاقتصادية التي يُريد بها للمملكة ازدهارًا اقتصاديًا بالانفتاح على العالم، تحت إمرة المال والسياسة بعيدًا عن احترام القضايا المصيرية للعرب وتعاملهم مع القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المحورية للصراع العربي الإسرائيلي.

ويتابع: «الآن في قانون سطوة المال وتسخير السياسية لخدمته لم يَعد بن سلمان يُمانع التطبيع ولا ينظر له على أنّه خيانة. فهو يُريد تحويل السعودية إلى سوق عالمي يقبل المبادرات الفردية كما يقبل الاتفاقيات الدولية لتنظيم اقتصاده وتطويره وتحقيق رخاء مملكته، وفتحه مجال العمل لفلسطينيي الأراضي المحتلة إنما هو للاستفادة من الطاقات الاقتصادية لهم وخاصة – اليهود منهم – ونفوذهم الاقتصادي على مستوى الشرق الأوسط».

زبارقة الذي يؤكد أن فلسطينيي الداخل المحتل واجهوا القرار بالرفض التام، معتبرين أنه يخدم أجندات دولية في إطار انهاء الوجود الديموغرافي العربي في الداخل، يرى أن الرفض الشعبي لمثل هذه القرارات في الداخل الفلسطيني يأتي في إطار عدم السماح للمملكة السعودية باستعمالهم من أجل تطبيق سياساتها في التطبيع الفعلي مع إسرائيل، بالإضافة إلى تفويت الفرصة عليها بتفريغ الداخل الفلسطيني من الوجود العربي، من أجل إرضاء إسرائيل التي ابتهجت بقرار السعودية منح الإقامة الدائمة لـ«عرب 48».

ويتابع القول: «لم يكن  قرار بن سلمان عشوائيًا أو مجرد بالونة اختبار لقياس القبول أو الرفض، سواء العربي أو الفلسطيني لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، بل جاء خطوة فعلية ابتدائية لاستمرار الشراكة وتحقيق أقصى استفادة اقتصادية تمنح بلاده الرفاهية المفرطة، وتُشغل شعبه عن قضايا الأمة وتُنهي أي شعور لديهم تجاه فلسطين وقضية الصراع الأزلي على الحق في المقدسات».

كما لا يستبعد زبارقة أن يكون من أهداف القرار الضغط على  المملكة الأردنية الهاشمية في إطار ما يعرف بـ«صفقة القرن»، إذ من المعروف أن ملف الحج والعمرة لفلسطيني الداخل، وما يرافقه من إيرادات، يصب في خزينة المملكة الأردنية الهاشمية لدورها في تنظيم الموسم، ويوضح زبارقة: «هذا المخطط المطروح في الآونة الأخيرة للضغط على المملكة الأردنية الهاشمية اقتصاديًا، حتى تُذعن لتنفيذ قرار سفر الحجاج والمعتمرين من مطار تل أبيب إلى مطار جدة أو المدينة المنورة مباشرة دون الدخول إلى الأراضي الأردنية، وبذلك تتجاوز إسرائيل والمملكة السعودية الدور الأردني، وبالتالي التمهيد لقبولها بصفقة القرن».

هكذا ينظر فلسطينيو الداخل لقرار السعودية

صدم فلسطينيو الداخل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بقرار لجنة التنسيق العليا للحج والعمرة بإلغاء عمرات فصل الشتاء بعد إتمام وزارة الأوقاف الأردنية كافة المعاملات والإجراءات، وجاء القرار تحت ذريعة عدم الجاهزية وضيق الوقت ووقوع خلل تقني من قبل السلطات السعودية.

لافتة تندد بسياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

لكن المراقبين رأوا في هذا القرار خطوة تأتي في إطار محاولات الرياض رفع الوصاية الأردنية عن الحج والعمرة لـ« عرب 48» والمعمول بها منذ 1978، وكذلك في إطار توظيف الحج والعمرة جسر للتطبيع العلني، عبر السماح لهم بالحج والعمرة بالجواز الإسرائيلي من مطار «بن غوريون» مباشرة لمطارات السعودية.

ويرى الكاتب والصحافي المقيم في الناصرة، حامد أغبارية، أن سماح السعودية لـ«عرب 48» بالعمل في أراضيها يأتي ضمن سلسلة من التحركات التي تشهدها العلاقات السعودية بشكل خاص والخليجية بشكل عام مع تل أبيب، وهي خطوة لا يمكن فصلها عن مجمل التطورات التي تشهدها المنطقة منذ نحو 10 سنوات، والتي تمكنت فيها تل أبيب من إحداث اختراق في جدار سرية العلاقات مع دول عربية.

ويقول أغبارية لـ«ساسة بوست»: «طبعًا من حيث المبدأ فإن من حق الفلسطيني – مثل غيره من العرب – أن تفتح أمامه أبواب الدول العربية ليكسب لقمة الخبز بشرف وكرامة، لكن في هذه القضية بالذات فإنه لا شرف ولا كرامة، بل هو العار الذي تتراكم أوساخه يومًا بعد يوم جراء سياسات هؤلاء الحكام».

ويشدد أغبارية على أن ما يجعلهم، فلسطينيي الداخل المحتل، يضعون ألف علامة استفهام حول هذه الخطوة أن إعلانها جاء من تل أبيب، وفي الإعلام الإسرائيلي أولًا، وأن طلب فتح مجال العمل أمام «عرب 48»، جاء من الطرف الإسرائيلي، ويفسر ذلك بالقول: «واضح أن لتل أبيب مصلحة غير نظيفة من وراء هذه الخطوة، وهي تسعى إلى تحقيق أهداف تتعلق بمستقبل المشروع الصهيوني في بلاد العربية، وفي جزيرة العرب تحديدًا».

ويشدد أغبارية على أنه عندما يبدأ التنفيذ، وتفتح أبواب العمل في أرض الحجاز أمام الفلسطيني الذي يحمل الهوية الزرقاء وجواز السفر الإسرائيلي، فإنه «لا شك أن أول دفعة من (العمال) سيكون نصفها من عملاء المخابرات، ومن الضالعين في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، خاصة أن الشرفاء من فلسطينيي الداخل لن يقبلوا أن تكون لهم إصبع ولا ضلع ولا دور في إنجاح هذه المؤامرة، بل ستفتح المجال أمام عملائها من فلسطينيي الداخل، كي يؤدوا دورهم القذر بغطاء اقتصادي، على شكل شركات ورجال أعمال وخبراء فنيين وغير ذلك من التخصصات التي تشكل غطاء يتستر وراءه عملاء إسرائيل».

«واشنطن بوست»: هل يشارك «عرب 48» في انتخابات إسرائيل المقبلة ومن ينتخبون؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد