في 5 أبريل (نيسان) الجاري، نقلت وكالة «رويترز» عن ثلاثة مصادر ـ قالت إنها مطلعة على سياسة السعودية في مجال الطاقة ـ إن المملكة تهدد ببيع النفط بعملات أخرى غير الدولار، وذلك في حال أقرت أمريكا قانونًا يعرض أعضاء «أوبك» لدعاوى قضائية لمكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة، المصادر تحدثت لوكالة الأنباء العالمية عن أن السعودية ناقشت الخطة مع أعضاء «أوبك»، ولكن السؤال الآن هل السعودية قادرة على تنفيذ هذا التهديد؟

واقعيًا يستبعد المحللون أن تقدم السعودية على تنفيذ مثل هذه الخطوة، لكن الحديث عن الأمر لا يكشف سوى قلق المملكة من التهديدات القانونية الأمريكية المحتملة لـ«أوبك»، مع احتمالات دخول مشروع القانون الأمريكي المعروف باسم «نوبك» حيز التنفيذ، لكن ماذا لو فرضنا أن القانون دخل حيز التنفيذ، فهل السعودية في موقف يمكنها من تفعيل هذا التهديد؟

هل تسقط حصانة «أوبك» في عهد ترامب؟

في يونيو (حزيران) عام 2000، لم يجد السيناتور هيرب كول الديمقراطي دعمًا يذكر لمشروع قانون «نوبك»، إذ فشل أعضاء الكونجرس الأمريكي في تمرير القانون الذي قدمه كول لأول مرة، وذلك بسبب اختلاف وجهات نظر المشرعين ومعارضة الغالبية لهذا القانون، والسيناريو ذاته تكرر في 2007 عندما أعاد جون كونيرز، طرح القانون بصيغة جديدة، لكنه لم يتلق دعمًا قويًا أيضًا، وذلك رغم موافقة غرفتي الكونجرس – مجلسي الشيوخ والنواب – على القانون، لكنه جُمد بعد أن قال الرئيس الأسبق جورج بوش إنه سيمارس حق النقض على التشريع.

مشروع قانون «No Oil Producing and Exporting Cartels» أو «منع التكتلات الاحتكارية لإنتاج وتصدير النفط»، المعروف اختصارًا بـ«نوبك» يهدف إلى إلغاء الحصانة السيادية التي لأعضاء منظمة «أوبك» من أن تتخذ الولايات المتحدة الأمريكية إجراء قضائيًا بحقهم، وهو قانون ظل مصدر جدل لفترات طويلة، لكن منذ بداية الألفية عارض الرؤساء الأمريكيون هذا المشروع، لذلك لم يظهر للنور حتى الآن، إلا أن فرص نجاحه حاليًا تتلقى زخمًا كبيرًا من اتجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كرر عدة مرات انتقاداته وتهديداته لمنظمة «أوبك».

اهتمام الكونجرس بمثل هذا المشروع الذي كانت فرصه ضئيلة في أن يتحول إلى قانون على مدار الأعوام الماضية، بات الآن مختلفًا في ظل وجود ترامب، فبالرغم من معارضة مجموعات أعمال وشركات نفط مشروع القانون خوفًا من قيام الدول الأخرى باتخاذ إجراءات مضادة، وكذلك معارضة غرفة التجارة الأمريكية و«معهد البترول الأمريكي للقانون»، فإن هذه المواقف قد لا تغير في الأمر شيئًا، وذلك كما حدث في قانون «جاستا» الذي واجه معارضه مشابهه.

ويسعى مشروع القانون إلى تغيير قانون مكافحة الاحتكار الأمريكي ليسمح بمقاضاة منتجي «أوبك» بتهمة التواطؤ، وسيجعل تقييد إنتاج النفط أو الغاز أو تحديد أسعارهما مخالفًا للقانون ويزيل الحصانة السيادية التي تقضي المحاكم الأمريكية بوجودها بموجب القانون الحالي، وهو الأمر الذي سيضع دول «أوبك» بقيادة السعودية في مأزق كبير، إذ يقوم قانون مكافحة الاحتكار الأمريكي على منع الاتفاقات التي تنعقد بين الشركات التجارية لـتحديد أسعار السلع أو الخدمات التي تقدمها، كما تُحرّم هذه القوانين المفاوضات التي تُجرَى بين الشركات ويتم بمقتضاها التحكم في سعر المنتج، أو الإبقاء عليه.

ومع التغيير الجديد ستدخل منظمة «أوبك» تحت طائلة القانون، أي أنها ستفقد قيمتها كمؤثر أساسي على الأسعار من حيث التحكم في الإنتاج هبوطًا وصعودًا، إذ تتحكم «أوبك» في إنتاج الدول الأعضاء عبر وضع مستهدفات للإنتاج، ورغم أن ترامب قال إنه يدعم «نوبك» في كتاب نشر في عام 2011 قبل انتخابه للرئاسة، إلا أن ترامب الرئيس بات ينظر للأمور من زاوية أخرى، إذ شدد مرارًا على أهمية العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية، بما في ذلك بيع معدات عسكرية أمريكية.

هل يستطيع العرب إنقاذ نفطهم من فخ القانون الأمريكي «نوبك»؟

4 أسباب تمنع الرياض من التفكير في التخلي عن الدولار

«القول أسهل من الفعل»، ينطبق هذا على الحالة السعودية في هذا الموقف، ورغم القول بأن صعوبة تمرير «نوبك» لكن في الواقع السعودية لا تستطيع تنفيذ هذا التهديد تحت أسوء الظروف، وحتى في ظل الحديث عن أنه من شأن تخلي السعودية عن الدولار في المعاملات النفطية تقويض وضع الدولار كعملة أساسية للاحتياطي العالمي، وتقليص نفوذ واشنطن في التجارة العالمية وإضعاف قدرتها على إنفاذ العقوبات على حكومات الدول، لكن الأسباب التالية تمنع السعودية في التفكير في مثل هذه الخطوة:

1 – السعودية لم تعد المتحكم في سوق النفط

وتشهد أمريكا حاليًا طفرة كبيرة في إنتاج النفط، فوفق إدارة معلومات الطاقة من المتوقع أن يصل متوسط إنتاج الخام الأمريكي إلى أكثر من 12 مليون برميل يوميًا خلال العام الجاري، وذلك بزيادة أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميًا في 2016، وهو ما جعل أمريكا تتفوق على روسيا والسعودية، لتكون أكبر منتجي النفط الخام في العالم في 2018، وبحسب «ريستاد إنرجي للاستشارات» فإن الولايات المتحدة تتجه صوب إنتاج كميات من النفط والسوائل تفوق إنتاج روسيا والسعودية معًا بحلول 2025.

ترامب مع ابن سلمان في اجتماع سابق

وترى ريستاد – شركة أبحاث الطاقة – أن أمريكا على وشك انتزاع عرش أكبر مصدر للنفط في العالم في وقت لاحق خلال عام 2019 من السعودية، التي تتصدر حاليا دول العالم كأكبر مُصدرة للطاقة، وهو ما تعززه حقيقة أنه في ذروة الوقت الذي حاولت فيه السعودية هزيمة النفط الصخري، نجح الأخير فقط في الصمود بل تفوق على إنتاج الرياض وتسبب في إزاحتها من على عرش قمة الإنتاج ويقترب من قيادة أمريكا للتربع على قائمة المصدرين.

تبرز هذه المعطيات أن هناك تحولاً كبيرًا في سوق النفط، فالسعودية التي كانت تحرك السوق باتت تابعه للولايات المتحدة التي كانت مستوردًا كثيفًا للنفط الخام، خلال الأربع عقود الماضية، لكن ذلك تغير منذ ثورة النفط الصخري الأمريكي التي سرعت وتيرة الحفر واستخراج النفط؛ مما ساهم في ارتفاع إجمالي إنتاج الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية، وجعلها حاليًا المحرك الرئيسي لسوق النفط حول العالم، وهو ما يقوض من فرص المملكة بمعنى تقلص الحصة السوقية للسعودية، أي أن تأثير البلاد لم يعد كالسابق.

لكن لا يمكن إنكار مكانة السعودية كذلك، إذ تسيطر المملكة الآن على نحو 10% من إنتاج النفط العالمي، وهي منافس رئيسي لكل من الولايات المتحدة وروسيا، إلا أن الدولتين تفوقا على السعودية مؤخرًا، بينما لا تزال أرامكو تحمل لقب أكبر مصدر للنفط في العالم بمبيعات قيمتها 356 مليار دولار العام الماضي.

بعدما خسرت صدارة النفط أمام أمريكا.. كيف ستتأثر السعودية سياسيًّا واقتصاديًّا؟

 

2- استثمارات السعودية في أمريكا

تعتبر الاستثمارات السعودية في أمريكا أحد أبرز العوائق التي تمنع المملكة من التخلي عن الدولار، وذلك لأنه في حال إقدام البلاد على هذه الخطوة، فهي تحتاج إلى تسييل حيازات المملكة في الولايات المتحدة، إذ تصل ممتلكاتها لنحو تريليون دولار ولديها حيازات تبلغ نحو 160 مليار دولار في أدوات الخزانة الأمريكية، كما أن حجم التجارة بين السعودية والولايات المتحدة خلال العشر سنوات الأخيرة سجل أعلى قيمة له عام 2012 عند 287.1 مليار ريال.

وظلت أمريكا الشريك التجاري الأول للمملكة حتى عام 2013 قبل أن تتقدم الصين عليها في الأربع سنوات الأخيرة، لتحل هي ثانيًا، هذه الأرقام توضح أن المملكة من الصعب أن تقوم بتسييل أموالها بسهولة، فالأمر سيحتاج لفترة طويلة، كما أنها تعرض نفسها لخسارة ثاني أهم شريك تجاري حاليًا، لذلك من المستبعد أن تتجه السعودية لهذه الخطوة في ظل هذه المعطيات.

3- السعودية في حاجة إلى الدولار

وفق المصدر الذي تحدث لـ«ويترز» فإنه إذا نفذت الرياض تهديدها، فعليها أن تتخلى عن ربط الريال السعودي بالدولار، الحاصل منذ عام 1986، إذ اختارت السعودية منذ ذلك الحين ربط عملاتها بالدولار باعتباره عملة التسعير لأهم سلعة وهي النفط، فضلًا عن الذهب وغيرها من المواد الخام الأساسية، وكذلك القبول العالمي بين الدول والمستثمرين في العالم بسبب الثقة التي تحيط بالاقتصاد الأمريكي.

وتهدف الدول من خلال الربط إلى الاعتماد على نظام سعر ثابت لتحقيق الاستقرار السعري في الاقتصاد؛ لأن سعر الصرف المستقر يسمح بالتحكم في التضخم والمستوى العام للأسعار، وفي حال تخلت السعودية عن ربط الريال بالدولار فمن المتوقع أن يشهد سعر الصرف تحركات كبيرة وارتفاع في التضخم وهو ما سيؤدي إلى خلل اقتصادي قد لا تتحمل السعودية نتائجه.

4- السياسة لها رأي آخر

لا يمكن تصور أن تتخلى السعودية عن الدولار في المعاملات النفطي وتظل أمريكا كحالها الآن أكبر الداعمين السياسيين للمملكة، فمن الطبيعي أن تتخلى واشنطن حينها عن دعم السعوديين، ومن المعلوم أن السعودية اكتسبت مكانتها السياسية من ثروتها النفطية الضخمة فغالبًا ما يكون هناك حرص من مستوردي النفط على بناء علاقات سياسية جيدة مع الدولة النفطية الأهم في العالم، فلم يكن هناك بديل عن استيراد النفط من السعودية منذ سنوات، لكن الآن تغير الوضع، فالسعودية بات لها منافسون تفوقوا عليها، بعدما كانوا من قبل أهم مستوردي النفط السعودي، ما يعني تحرر سياسي أكبر للدول المستورة التي بات لديها بدائل متنوعة.

ووفق محللين فالنفط هو بيضة القبان لنفوذها السياسي والاقتصادي عربيًا ودوليًا، وتراجع حصتها السوقية يزعزع مكانة البلاد السياسية والاقتصادية سواء داخليًا وخارجيًا، وتتلقى السعودية دعمًا واضحًا من السعودية في قضايًا إقليمية سواء في حرب اليمن أو الحرب السورية أو فيما يخص الخلافات ما بين السعودية وإيران، وكل هذه ملفات محورية بالنسبة للسعودية لذلك لا تستطيع أن تدفع أمريكا للتخلي عنها من خلال قرار التخلي عن الدولار.

ماذا يمكن أن يحدث للسعودية إذا قررت أمريكا التخلّي عنها؟

هل يمكن أن تتأثر هيمنة الدولار بهذه الخطوة إن حدثت؟

النفط هو السلعة الأكثر أهميةً في العالم، فهو مسؤول عن سد أكثر من ثلث الاستهلاك العالمي من الطاقة، كما أن البلدان الغنية بالنفط تعتمد بشكل أساسي على هذه السلعة لنموها الاقتصادي. ومنذ اكتشافه في عام 1859، لا يزال حتى الآن يشغل مساحة كبيرة من خريطة الصراع العالمي، ويشكّل العصب الرئيس للطاقة، رغم المحاولات العالمية الحثيثة للبحث عن بديل له بأسعار تنافسية، لكن رغم هذه الأهمية من غير الوارد أن يكون لخطوة السعودية أثر بالغ على هيمنة الدولار في حال جاءت الخطو فردية.

لكن لماذا؟ سبق أن سعت روسيا ـ وهي الدولة التي لا تقل مكانتها عن السعودية من حيث صادرات النفط ـ لبيع نفطها باليورو واليوان الصيني، لكن حجم مبيعاتها بالعملتين ليس كبيرًا، بالإضافة إلى فنزويلا وإيران، وهما أيضًا دول تقوم ببيع معظم نفطهما بعملات أخرى، إلا أن هيمنة الدولار في سوق النفط لم تتأثر، بالرغم من أن الدول المذكورة في وضع حرج حيث يتعرضون إلى عقوبات أمريكية.

 

على الجانب الأخر، لا يشكل النفط سوى نحو 2-3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فعند السعر الحالي البالغ 70 دولارًا للبرميل، فإن القيمة السنوية لإنتاج النفط العالمي 2.5 تريليون دولار، ولا يتم تداول كل تلك الكميات النفطية بالدولار الأمريكي فنحو 60% يجري تداولها عبر ناقلات وخطوط أنابيب عالمية تتم غالبيتها بالدولار، بالإضافة إلى أن العقود الآجلة للنفط مقومه بالدولار بشكل أساسي.

وتشير التقديرات إلى أن بورصتي «آي.سي.إي» و«سي.إم.إي»، أكبر بورصتين للطاقة في العالم، تداولت مليار كمية مكافئة من المشتقات النفطية في عام 2018 بقيمة اسمية بلغت نحو 5 تريليونات دولار، ويمكن القول إن الدولار يسيطر تقريبًا على أغلب المعاملات التجارية في العالم، ويجري تسعير معظم السلع بالدولار، وفي مقدمتها النفط، وكذلك الأسهم، وهو يمثل نحو 85% من العملات المتداولة في التجارة الدولية، وقد وصلت الاحتياطات المالية المقومة بالدولار إلى أكثر من 60% في العالم.

كما أن حركة سعر الدولار صعودًا وهبوطًا من الممكن أن تحدث هزة اقتصادية عالمية، بل إن اتجاه الأموال حول العالم حاليًا مرتبط ارتباطًا مباشرًا بقيمة الدولار، وهو الأمر الذي ظهر جليًا عندما بدأ المركزي الأمريكي في تحريك سعر الفائدة على الدولار في الأشهر الأخيرة، ولذلك فإن أي أزمة ستواجه الدولار عالميًا ستتضرر منها السعودية أيضًا.

وينظر كثير من المستثمرين إلى الدولار على أنه ملاذ آمن كالذهب، بل ربما يتفوق عليه مع رفع أسعار الفائدة، وهو ما يلاحظ خلال الأشهر الأخير من 2018، إذا ما جرى مقارنة الذهب بالدولار، فالعملة الأمريكية تستمد كثيرًا من القوة من خلال هذه النظرة، والتي ترفع التدفقات المالية نحو أمريكا، لهذه الأسباب من الصعب أن تتأثر هيمنة الدولار بتوجه السعودية إن حدث.

بعدما خسرت صدارة النفط أمام أمريكا.. كيف ستتأثر السعودية سياسيًّا واقتصاديًّا؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد