في التاسع من سبتمبر 2014، كتب نيل إيروين في صحيفة نيويورك تايمز مقالًا بعنوان ” لماذا تريد اسكتلندا الاستقلال؟”

يقول الكاتب أنه بعد ثلاث مائة سنة من الوحدة، تريد اسكتلندا أن تترك التاج البريطاني. النتائج المترتبة على ذلك ستكون مهولة بالنسبة لإسكتلندا، وكبيرة بالنسبة لباقي بريطانيا. ولكن النقاش حول استقلال اسكتلندا يوضح كيف أن النقاشات القديمة ل”هوبز” و”لوك” حول طبيعة الدولة مازالت مهمة.

يضيف الكاتب أن آخر استطلاع رأى على الاستفتاء يشير إلى تقدم بسيط لمن يريدون الخروج من الدولة التي كانوا جزءا منها منذ عام 1707. ولكن الأكثر إثارة للاهتمام في هذا الانفصال المحتمل هو صعوبة تحديد خلافات كبيرة في السياسات العامة بين اسكتلندا وبريطانيا. فالأمر ليس مشابها لما حدث في الولايات المتحدة عام 1860 عندما أرادت الولايات الجنوبية الانفصال لأنها ترفض تحرير العبيد.

يضيف الكاتب أن هناك بالتأكيد بعض الوعود من القادة الداعمين للانفصال بتحسين الخدمات العامة. ولكن هذا لا يتسق مع حقيقة أن اسكتلندا كإقليم كانت ومازالت تستفيد من أموال الضرائب البريطانية أكثر مما تدفع. ومهما كانت الترتيبات حول الأمور الشائكة في الانفصال مثل حقوق النفط وتقسيم الدين العام وترتيبات العملة بين الدولة المستقلة الجديدة وباقي بريطانيا، فإنه ستكون هناك بلا شك تكلفة كبيرة للانفصال وضرر للاقتصاد على المدى القريب.

يشير الكاتب بعد ذلك إلى أن كثيراً من الاسكتلنديين يشعرون أن مكاسبهم من أن يحكمهم من يشبههم ويتكلم مثلهم تفوق خسائرهم بسبب الانفصال عن دولة كبيرة وقوية. ويشير الكاتب إلى فيديو تابع لحملة الانفصال يتناول هذا المعنى، تقول فيه امرأة اسكتلندية “الاستقلال. إنه كل ما نريده في حياتنا الشخصية. فلماذا لا نريد أن تكون دولتنا مستقلة كذلك؟”.

يضيف الكاتب أن بريطانيا في شكلها الحالي نموذج للدولة الليبرالية الديمقراطية، فالاسكتلنديون ممثلون بشكل جيد في البرلمان ولديهم قدر كبير من التحكم في شئون الحكم اليومية داخل حدودهم. كما أن الحكومة البريطانية قد عرضت أن تزيد من حقوق الاسكتلنديين في التحكم في الضرائب والأمور الإدارية العامة داخل حدودهم إذا رفضوا الانفصال. ولكن، يضيف الكاتب، يبدو أن كل ذلك ليس كافيا.

يقول الكاتب أنه لكي نعرف لماذا يريد الاسكتلنديون الانفصال بالرغم من كل ما سبق، يجب أن نجيب على سؤال “ما الذي يصنع دولة حديثة”. يقول الكاتب أن فلسفة توماس هوبز كما هو واضح في كتابه “لوياثان”، أن الحكومات تنشأ لكي تجلب النظام وتقضي على الفوضى التي تنتشر في غيابها. ويقول الكاتب أنه بطبيعة الحال فإن وجود حكومة يعني أنه الأفراد عليهم أن يتنازلوا عن جزء من حريتهم على أمل أن دولة القانون ستؤدي إلى مجتمع أكثر سلاما ورفاهية. فأنت تتنازل عن بعض الاستقلالية مقابل المزيد من الثروة وطول العيش.

و لكن، يضيف الكاتب، هذا التنازل عن الاستقلالية يكون أسهل بكثير إذا كان لأناس يشبهونك ويتكلمون مثلك. ومع ذلك، فإنه من الصعب على المؤسسات الديمقراطية أن تترجم الرغبات المجمعة لملايين البشر إلى مجموعة متجانسة من السياسات من دون أن تجعل مجموعة منهم غاضبة لدرجة الرغبة في هدم النظام كله.

يرى الكاتب أن فكرة السلطة الحاكمة بدأت على نطاق ضيق أولا في العائلات الكبيرة ثم في القرى الصغيرة التي يحكمها زعيم قوي. ولكن مع الوقت اتجه مسار التاريخ في الغالبية العظمى نحو سلطات حكم تتحكم في كيانات أكبر. ففي القرن الثامن عشر، نشأت ما تعرف الآن بالمملكة المتحدة ممثلة في إنجلترا واسكتلندا وويلز (و معهم في الوقت الحالي إيرلندا الشمالية). وفي القرن التاسع عشر كان توسع الولايات المتحدة لتمتد بعرض القارة الأمريكية وكان أيضا تركز العديد من الولايات الصغيرة فيما يعرف الآن بألمانيا وإيطاليا. وفي القرن العشرين، نشأ الاتحاد الأوروبي الذي جعل مواطنين من فنلندا إلى البرتغال يتقاسمون سوقا مشتركة وعملة واحدة.

يضيف الكاتب أنه بالطبع هناك أمثلة على العكس، مثل تفكك الاتحاد السوفيتى ويوغوسلافيا، ولكن هذه الأمثلة هي لدول كانت تحكمها سلطات استبدادية ولم تستطع التماسك بعد أن ضعفت تلك السلطات. ولكن في الدول الديمقراطية، كان التحرك دائما نحو كيانات أكبر على حساب هوية قومية أقل تميزا. يشير الكاتب أنه كان هناك بعض الانتفاضات الغاضبة في هذه الديمقراطيات الكبيرة، من إقليم كوبيك في كندا إلى الأحزاب المناهضة للاتحاد الأوروبي في فرنسا إلى المطالبين بالانفصال في بعض ولايات الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن لم يستطع أي من هؤلاء أن يقترب من أحلامه مثلما سيكون الحال مع الاسكتلنديين في الأسبوع القادم.

يشير الكاتب إلى أن للدول الكبيرة مميزات اقتصادية وسياسية لا يمكن للدول الصغيرة أن تناظرها. فليس من قبيل المصادفة أن تكون الولايات المتحدة أغنى دولة في العالم وصاحبة النصيب الأكبر من التقدم التكنولوجي. كما أن الدول الأوروبية التي تتحدث لغات مختلفة ولها ثقافات مختلفة لم تجتمع في الاتحاد الأوروبي من أجل لا شيء. ففي البلاد الكبيرة تحصل الشركات على مميزات النطاق الكبير فتبيع منتجاتها في أسواق ضخمة باستخدام نفس العملة وتحت نظام قضائي واحد. وكذلك في المجال السياسي فإن الدول الكبيرة تستطيع أن تتفاوض على شروط أفضل في اتفاقيات التجارة مما يعطيها ميزة عن منافسيها من الدول الأصغر. يضيف الكاتب أن الدول الكبيرة تكون في العادة أكثر قدرة على تحمل الصدمات. تخيل مثلا حجم المشكلة الاقتصادية لولاية لويزيانا في الولايات المتحدة بعد إعصار كاترينا أو لمدينة نيويورك بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر إذا كانتا دولا مستقلة.

يرى الكاتب أنه إذا اختارت اسكتلندا الاستقلال، فإنها ستفقد المميزات التي تأتي من كونك جزء من كيان كبير له ثقل عالمي (تعداد سكان بريطانيا حوالي 64 مليون بينما تعداد سكان اسكتلاندا حوالي 5 ملايين)، مقابل أن يحكمهم أناس يشتركون معهم في الثقافة والتاريخ. وللمفارقة، فإن مؤيدي الاستقلال يدعون أنهم سيستعيدون مميزات الانتماء لكيان كبير بالانضمام للاتحاد الأوروبي. ولكن هذا لن يكون سهلا في رأى الكاتب، فدولة صغيرة مثل اسكتلندا لن يكون موقفها قويا في مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي مقارنة بدولة كبيرة مثل بريطانيا.

يختم الكاتب المقالة بأن هذا الاستفتاء ليس مجرد سؤال عن من سيحكم بضعة ملايين من الاسكتلنديين. ولكنه تعبير عن معركة تدور في العالم حول معنى الهوية وحول الدولة الحديثة متعددة الثقافات التي تجعل التجارة العالمية الحالية واقعا ملموسا.

والآن بعد أن ظهرت نتيجة الاستفتاء وصوت أغلبية الاسكتلنديين برفض الانفصال، فإن بعض الأرقام من استطلاع للرأي قام به اللورد اشكروفت توضح أسباب هذا الرفض. حسب استطلاع الرأي فإن الغالبية العظمى من كبار السن صوتت برفض الانفصال (73% ممن هم أكبر من 65 سنة صوتت بلا) كما أن أهم أسباب التصويت بلا عند رافضي الانفصال هي أسباب اقتصادية. حسب استطلاع الرأي فإن 57% ممن صوتوا بلا كان السبب الأهم لديهم هو لعدم خسارة الجنيه الاسترلينى كعملة لبلادهم، كما أن أهم أسباب التصويت بلا كانت الخوف من النتائج الاقتصادية للانفصال مثل سعر العمل والانضمام للاتحاد الأوروبي والأسعار وفرص العمل. ولكن على الجانب الآخر فنجد أن غالبية الشباب صوتت بنعم. هذه الأرقام تشير إلى أن مشكلة انفصال اسكتلندا لم تنته إلى الأبد وأنه في الأغلب سيحاول الشباب القيام بهذه المغامرة مرة أخرى في وقت قريب.

 


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد