شكلت العواصم على مر التاريخ مركزًا سياسيًا واقتصاديًا لدولها، ونالت عناية كبرى في اختيار أماكنها، وتعزيزها عسكريًا وأمنيًا باعتبارها رأسًا للدولة، ومركزًا لصنع القرار.

ونظرًا لما تمثله العاصمة للدولة، فقد شهد التاريخ القديم والحديث العديد من حالات نقل العواصم من مدينة لأخرى كاستجابة لمتغيرات عدة: منها ما هو جاد وملحّ ومؤثر في مصالح الشعوب، ومنها ما لم يكن إلا إمضاء على صفحة التاريخ يقول قد مرّ فلان من هنا. وفي عالم اليوم، هناك 40 دولة أعلنت خططًا لتغيير عواصمها، منها دول حشدت المصادر وشكلت لجانًا فعلية لدراسة الأمر وفي طريقها للتنفيذ.  

لماذا العاصمة؟

تختار الدول مدينة من مدنها لتكون مركزًا لنشاطها السياسي، وملتقى لسلطاتها التشريعية والإدارية والقضائية وتسميها عاصمة لها. وعادة ما تكون العاصمة هي مكان سكن الحاكم أو الملك، ومقر للبرلمانات والوزارات وغيرها من مقرات حكومية.

فهي إذن مركز صنع القرار، ومقر الشخصيات الفاعلة، والثقل الاقتصادي والتجاري الأهم في الدولة، وحلقة الوصل بين باقي المدن. إضافة إلى ذلك، تحمل العاصمة في العموم بعضًا من الإرث الثقافي لدولها، فتشتمل على نصب تذكارية ومبانٍ أثرية وبصمات أخرى خطها التاريخ على أرضها.

نظرًا لما تشكله العواصم من معانٍ بالنسبة للدول، واستجابة للتغيرات التاريخية والاجتماعية والبيئية، فقد كان تغيير العواصم سمة أساسية في التطور السياسي، وجزءًا من تاريخ الكثير من الدول. ففي القرن الأخير غيرت 30 دولة عاصمتها منها: تركيا وأستراليا وباكستان والبرازيل وكازاخستان وميانمار.

الإمبراطورية العثمانية من سووت إلى إسطنبول

بدأ تأسيس الدولة العثمانية من هذه المدينة الصغيرة سووت، فهي العاصمة الأولى للإمبراطورية العثمانية كما يعتبرها العديد من المؤرخين. انتقلت بعد ذلك العاصمة إلى مدينة بورصة على ضفاف بحر مرمرة لموقعها الجغرافي، وبسبب انتشار النَفس التوسعي للدولة. ثم كانت أدرنة إلى أن استقرت أخيرًا العاصمة في إسطنبول التي تتمتع بموقع جغرافي مميز، وتعتبر مركزًا اقتصاديًا مهمًا.

كازخستان.. تغيير حديث

غيرت كازخستان عاصمتها عام 1997 من مدينة ألماتي إلى أستانا. أرادها الزعيم نور سلطان أن تكون أيقونة معمارية؛ فجمع المصممين من أنحاء العالم وحولها من بلدة صغيرة هي ثاني أبرد مدينة في العالم إلى تحفة فنية. وفي هذا العام، صوت البرلمان لصالح تغيير اسم المدينة من أستانا إلى نور سلطان تكريمًا لزعيم البلاد الذي أنشأها.

برازيليا.. من العدم في أربع سنوات

عام 1956، قرر كوبيتشيك نقل العاصمة من ريو دي جانيرو الساحلية إلى مدينة برازيليا التي تم بناؤها من الصفر في مسعى لتوزيع أفضل للثروات والسكان المتمركزين في المدن الساحلية. استغرق بناء المدينة أربع سنوات وحققت الكثير من الأهداف المرجوة من إنشائها.

على الرغم من الانتقادات العديدة التي رافقت إنشاء برازيليا وحتى اليوم، لا تزال برازيليا مثالًا ناجحًا للمدن الناشئة من الصفر. فقد قرَّبت برازيليا بين أطراف البلاد بفضل شبكة الطرق التي رافقت إنشاءها وبالتالي حققت أهدافًا اقتصادية وتنموية كثيرة من بينها وقوف البرازيل مصدّرًا للكثير من المنتجات الزراعية في المنطقة.

Embed from Getty Images

أكسبت برازيليا البرازيل مكانة عالية في دول المنطقة حين أصبحت عاصمة لجنوب أمريكا كلها، الأمر الذي دفع بالأرجنتين إلى نقل عاصمتها من بيونيس ايرس إلى الداخل في باتاغونيا.

ألمانيا.. برلين تحسم التصويت

بعد اتحاد ألمانيا الشرقية بعاصمتها برلين وألمانيا الغربية بعاصمتها بون، خضعت تسمية عاصمة البلاد المتحدة للتصويت لاختيار إحدى المدينتين حيث حسمت برلين التصويت، وأعلنت عاصمة لألمانيا عام 1999.

نيجيريا.. من لاجوس إلى أبوجا

انتقلت عاصمة نيجيريا في عام 1991 إلى أبوجا ذات الموقع الوسيط في الدولة، بعيدًا عن الساحل، ونقطة متوسطة بين الجماعات الإثنية التي تتكون منها البلاد، في تأكيد على وقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع مكونات المجتمع.

باكستان.. إلى إسلام أباد

حطت حكومة باكستان رحالها في إسلام أباد بعد كراتشي لتكون العاصمة الجديدة للدولة عام 1963. وقع الاختيار على إسلام أباد لموقعها الذي يربط عددًا كبيرًا من المدن الباكستانية، إضافة إلى أمانها النسبي بعيدًا عن الهجمات المحتملة من بحر العرب.

ميانمار.. من يانغون إلى نايبيداو

ظلت يانغون عاصمة لميانمار منذ عام 1948 وحتى 2005 حين قرر الحاكم العسكري أن ينقل العاصمة إلى نايبيداو. لم ترفق الحكومة قرارها بأية أسباب رسمية للانتقال. فالبعض توقع أن يكون استجابة لتهديدات عسكرية، والبعض الآخر قال ربما هو مشروع يهم القائد العسكري فقط.

بوليفيا.. بلد بعاصمتين

للبلد عاصمتين سوكري ولا بازن. كانت سوكري هي العاصمة حتى 1899 عندما خسرت الحرب الأهلية مع لاباز وانتقل البرلمان والخدمات المدنية إلى لاباز وبقيت السلطة القضائية في سوكري. فشلت العديد من المحاولات للعودة بالعاصمة إلى سوكري لتبقى بوليفيا بعاصمتين حتى اليوم.

روسيا.. من سانت بطرسبيرغ إلى موسكو

في عام 1918، اتخذ البلاشفة بعد انتزاعهم حكم روسيا في أعقاب ثورة أكتوبر قرارًا بنقل العاصمة من سانت بطرسبيرغ إلى موسكو التي استمرت عاصمة للدولة حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. 

نيويورك ففيلادلفيا ثم واشنطن

تنقلت العاصمة الأمريكية عددًا من المرات قبل أن تستقر في نيويورك عام 1785. بعد خمس سنوات تقرر نقل العاصمة إلى فيلادلفيا مؤقتًا إلى حين الانتهاء من بناء العاصمة الجديدة واشنطن والتي شهدت أول اجتماع للكونجرس الأمريكي بها باعتبارها عاصمة للولايات المتحدة عام 1800.

هل تحقق «العاصمة الإدارية الجديدة» نبوءة رواية «يوتوبيا»؟

لماذا تغير الدول عواصمها؟

تتعدد الأسباب التي تدفع الدول لتغيير مكان حكمها المتمثل بالعاصمة. فبينما كانت الأسباب في الماضي تتركز بشكل أساسي على تعزيز الأمن من الاعتداءات الخارجية، أو الاستراتيجيات العسكرية، أو موقع جغرافي أفضل، إلا أن التحديات التي تواجهها العواصم في العصر الحديث تختلف عما كانت عليه الحال في السابق.

توحيد أطياف الشعب

العديد من الدول التي غيرت عواصمها كانت نتيجة لتاريخ من الحركات الانفصالية التي عصفت بالبلاد مثل: نيجيريا في إقليم البيافرا، وكازخستان في إقليم الشمال، وميانمار في أقاليم كارين وشان وقبائل الجبل.

ودول اليوم التي تتداول نقل عواصمها لها تاريخ مع الحركات الانفصالية مثل: النزاعات في آتشيه وغرب بابوا والنزاعات الحدودية مع ماليزيا في إندونيسيا. ميندانو في الفلبين، وحركات هنجاريا الانفصالية في رومانيا. من أجل ذلك تُعلق الآمال على العاصمة الجديدة لتجمع شمل أطياف الشعب وتنزع فتيل النزعات الانفصالية.

الابتعاد عن خطر الكوارث الطبيعية

عواصم مثل جاكرتا في إندونيسيا والتي تواجه خطر الغرق حيث يتراجع سطح المدينة من 5-12 سم سنويًا تسعى بلدانها إلى تغيير مقر الحكم إلى مدينة أكثر أمنًا وبعدًا عن المخاطر البيئية. والحال كذلك في العديد من العواصم كطهران وكاراكاس ونيروبي ودكا ومانيلا التي تواجه خطر الكوارث الطبيعية الأمر الذي يجعلها مجبرة على التفكير في نقل عواصمها.  

الكثافة السكانية والازدحام المروري

هي سمة لكثير من عواصم الدول النامية، حيث يتركز جزء كبير من الناتج المحلي في العاصمة، وتتوفر الفرص التي تجعل منها قبلة لكل المواطنين الذين يطمحون إلى عيش أفضل. عندما تعجز الخطط والتعديلات عن معالجة هاتين المشكلتين، تسعى بعض الدول إلى تغيير العاصمة بحثًا عن تخطيط أفضل منذ البداية.

الموقع الجغرافي والبعد عن الهجمات المحتملة

يجب أن تتمتع العاصمة بمكان آمن بعيدًا عن الهجمات المحتملة، فالمدن الساحلية ليست خيارًا جيدًا لتمركز العاصمة، كما فعلت باكستان حينما نقلت عاصمتها إلى إسلام أباد بعيدًا عن بحر العرب.

توزيع الثروات واستثمار أراضٍ جديدة

كما في نموذج البرازيل حيث نقلت الثقل الاقتصادي والكثافة السكانية من السواحل إلى منطقة داخلية بعد اختيارها برازيليا عاصمة لها وتشيدها من الصفر لتكون المركز الحيوي الجديد في البلاد. بطرسبيرغ وواشنطن وأستانا وكانبيرا وميكسيكو سيتي أمثلة أخرى على هذا النهج.

ليس حلاً سحريًا

في تاريخ انتقال المدن يكتنف التخطيط والتنفيذ الكثير من التحديات التي لا تبدو جلية إلا وقت النزول الفعلي للمشروع على أرض الواقع، الأمر الذي يجعل من اقتراح تغيير العواصم أكثر تعقيدًا وحاجة للنظر في بدائله.

  • التواريخ المقترحة لإنجاز الانتقال لم تكن موفقه في كثير من تجارب التاريخ، فانتقال العاصمة الاسترالية إلى كانبيرا على سبيل المثال بدأ في 1911 ونُفذ أخيرًا في 1980.
  • في حالة برازيليا لم يستغرق الأمر وقتًا وانتهى المشروع بوقت قياسي نسبيًا، ولكنه زاد من مديونية الدولة بشكل كبير. والأمر ذاته في ماليزيا عندما اضطر رئيس الوزراء إلى التراجع عن خططه في بناء المدينة متعددة الوسائط بسبب الميزانية المتعثرة.
  • يحكي تاريخ المدن بأن المصممين كثيرًا ما يبتعدون في تصاميمهم عن الأخذ بالاعتبار الموقع الجغرافي والمناخ العام واحتياجات الناس حقيقة من المدينة الجديدة. ففي أستانا عاصمة كازخستان، يخيم المناخ المثلج والعواصف الرملية على المدينة الناشئة. بعض المدن عززت تعزز التقسيم الطبقي أو تحظى برفاهيتها فئة قليلة من الناس كما هي الحال في واشنطن.

هل هناك حلول يمكن اتباعها وتسبق قرار الانتقال؟ لنأخذ العاصمة الإندونيسية  مثالًا: يبدو المصير الذي ينتظر جاكرتا سببًا منطقيًا للبحث عن عاصمة جديدة ولكن ما يطرحه المراقبون للمشهد أن الانتقال لن ينقذ جاكرتا من مصيرها، وربما الحل يكمن في تأمين شبكات صرف جيدة، وتوعية المواطنين بعواقب تراكم النفايات التي تفاقم من الأزمة.

Embed from Getty Images

كما أن انتقال العاصمة إلى مدينة أخرى لن ينقذ جاكرتا من أزماتها المرورية لأنها ببساطة لا تمتلك شبكة مواصلات جيدة. وضع المزيد من الجهد في تأمين شبكة مواصلات جيدة سينقذ جاكرتا من ازدحامها المروري الأكثر على مستوى العالم. ولا يبدو أن مشكلة الازدحام السكاني ستزول بمجرد انتقال العاصمة إلى مكان جديد، فكما هي حال العديد من العواصم جاكرتا ليست فقط العاصمة وإنما مركز المال والأعمال في البلاد وستبقى نقطة جذب للمواطنين لوفرة الفرص فيها مقارنة بباقي المدن.

قد يبدو الانتقال إلى مكان جديد تصفير للمشكلات وبداية جديدة لتخطيط أفضل، ولكن كثيرًا ما تكون المشكلة الرئيسية التي نتج عنها تفاقم الوضع العام في العاصمة الحالية هو سوء التخطيط وعدم القدرة على حل المشكلات. فالخطوة الأولى تكمن في النظر في آليات التخطيط واختيار المقاربات الاكثر قدرة على حل أكبر عدد من المشكلات.

هل تحتاج الدول في عالم اليوم إلى عواصم؟

مع انتقال دول العالم تدريجيًا من الحكم الملكي إلى مؤسسات الحكم الديموقراطية هل ما زالت الحاجة ملحة لوجود مركز واحد لأعمال الحكومة ورجالها؟ فجنوب أفريقيا تمارس نشاطها السياسي اليوم من ثلاث عواصم مختلفة: السلطة الإدارية في بريتوريا، السلطة التشريعية في كاب تاون، السلطة القضائية في بلومفونتين.

والاتحاد الأوربي وزع وظائفه بين بروكسيل وستراسبورغ ولوكسمبيرغ. واليابان وأثيوبيا لديهما تاريخ حافل في نقل العواصم مع كل قائد جديد يحكم البلاد.

تقسيم السلطات بين المدن قد يعطي الفرصة للتنمية وتقاسم الفرص بين أفراد البلد ويمنع أيضًا التحالفات بين السلطة ورجال الأعمال، الأمر الذي يضيع على باقي المدن فرصها في التنمية. كما مكنت ثورة الاتصالات والمعلومات الشخصيات السياسية وصناع القرار من التواجد والاجتماع بمرونة وسهولة.

فهل من الممكن أن تصبح العواصم المركزية شيء من التاريخ؟ العقود القادمة وحدها تملك إجابة هذا السؤل.

«نيوم» والعاصمة الإدارية الجديدة.. هل تنقذ مدن «يوتوبيا» اقتصاد مصر والسعودية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد