سلَّمت السلطات الإسبانية، العسكري الجزائري المنشقَّ محمد عبد الله إلى السلطات الجزائرية، التي كانت قد أصدرت مذكرة توقيف دولية ضدَّه، بالإضافة إلى مجموعة معارضين آخرين ينشطون في أوروبا، وقد شهدت عدَّة سفارات إسبانية في أوروبا وقفات احتجاجية ضد القرار، أمَّا العاصمة الفرنسية باريس فقد شهدت مظاهرة شارك فيها مئات الجزائريين تنديدًا بتسليم السلطات الإسبانية العسكري المنشق إلى السلطات الجزائرية، وعدوا حياته مهددة بالخطر، وقد اتهمت النيابة العامة محمد عبد الله بعد تسلُّمه من إسبانيا بـ«بالانخراط في جماعة إرهابية ووقائع تبييض الأموال في إطار جماعة إجرامية، وكذلك تمويل جماعات الإرهابية» وأُودع السجن المؤقت. 

من مصوِّر مروحية إلى «يوتيوبر».. من هو محمد عبد الله؟

عمل محمد عبد الله البالغ من العمر 33 سنة، في جهاز الدرك الوطني التابع لوزارة الدفاع، برتبة رقيب أوَّل، وكان مسؤولًا عن التصوير داخل المروحيات ضمن وحدة «السرب الجوي 512»، واشتغل ضمن فرقة مكافحة التهريب على الحدود مع تونس. 

وفي نهاية سنة 2018، غادر محمد عبد الله الجزائر نحو إسبانيا مع زوجته وابنته، بذريعة أخذ إجازته السنوية الرسميَّة؛ إلا أنها كانت مجرَّد خطة من أجل مغادرة البلاد دون رجعة، ثمَّ التواصل مع المعارضة في الخارج، والبدء في نشر معلومات متعلِّقة بفساد النظام والمؤسسة العسكرية التي عمل فيها من وجهة نظره، وقال إن سبب فراره من الخدمة راجع إلى الظلم المسلَّط عليه داخل الجهاز العسكري.

العسكري الجزائري المنشق محمد عبد الله

 ومنذ وصوله إلى إسبانيا، بدأ محمد عبد الله في نشر فيديوهات عن المسؤولين العسكريين الذين اشتغل تحت إمرتهم، وعن عمليات التهريب التي تتمُّ في الحدود بين الجزائر وتونس، والتي يقول إنَّها تجري بعلم مسؤولين أمنيين جزائريين يتهمهم بالتورُّط والتربُّح من هذه العمليات؛ إذ اتهم في أحد الفيديوهات مسؤولين عسكريين بتعطيل خروج قوات حرس الحدود المسؤولة عن التصدي لعمليات التهريب، إلى غاية فرار المهرِّبين، ونشر فيديوهات أخرى تكشف هذه العملية، جرى التقاطها من المروحية؛  وتحدَّث عن أسباب سقوط الطائرات العسكرية الجزائرية، والنقص الفادح كما يراه في الصيانة والعتاد وقطع الغيار الذي تشهده الورش العسكرية، بالإضافة إلى انتقاده لمسؤولين في النظام الجزائري.

وكانت السلطات الجزائرية قد أصدرت مذكِّرات توقيف دولية بحقِّ مجموعة من المعارضين السياسيين المعروفين بنشرهم فيديوهات تنتقد السلطات الجزائرية، والمتواجدين في دول أوروبية، من بينهم الدبلوماسي السابق محمد العربي زيتوت عضو «حركة رشاد» التي أعلنتها السلطات الجزائرية حركة «إرهابية»، بالإضافة إلى أمير بوخرص، الناشط على مواقع التواصل الاجتماعي والمعروف بنشر تسريبات وملفات حكومية، والصحافي هشام عبُّود. 

ويعدُّ وضع الدركي المنشق محمد عبد الله مختلفًا عن باقي المعارضين الذين أُصدرت في حقهم مذكرات توقيف دولية، لأنه رجل عسكري ترك وظيفته وغادر إلى أوروبا، عدا عن انتقاده لمسؤولين عسكريين لا يزالون في الخدمة، من بينهم قائد جهاز الدرك الوطني الحالي علي ولحاج، الذي اتهمه محمد عبد الله بارتكاب جرائم قتل خارج إطار القانون.

بالإضافة إلى أن كونه عمل داخل الجهاز العسكري للدولة، يجعله أقرب إلى المجندين والعسكريين من ناحية الخطاب والتواصل والاستماع، ممَّا يخيف السلطات من إمكانية بروز حالات تمرُّد جديدة أو عصيان داخل هذه المؤسسة التي تتَّسم بالصرامة والسريَّة، كما أن بروزه للعلن وحديثه عن قضايا داخل الجهاز العسكري، شجَّع عسكريين آخرين على مراسلته حول ما يقع داخل الثكنات أو عمن يصفونهم بشخصيات فاسدة، وهو بدوره ينشر تلك الرسائل ويعلِّق عليها في قناته على «يوتيوب» وصفحته على «فيسبوك». 

وتتخوَّف السلطات من اختراق الخطاب المعارض لصفوف المؤسسات الأمنية، خصوصًا مع موجة التسريبات التي ينشرها مدوِّنون على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها وثائق أو رسائل أو شكاوى حول الأوضاع داخل المؤسسة. 

وعن ظروف تسليم محمد عبدالله إلى الجزائر، أشار المعارض الجزائري محمد العربي زيتوت في فيديو له على «يوتيوب»، وقد كان على تواصل مع محمد عبدالله من داخل مركز الاحتجاز في إسبانيا، إن القاضية قد ألقت عليه مجموعة من الاتهامات متعلِّقة بانتمائه لـ«جماعات إرهابية» كانت تنشط في الجزائر خلال سنوات الحرب الأهلية في التسعينيات، ليجيبها بأنَّ عمره كان أربع سنوات حينها، لتركِّز بعدها القاضية على إبعاده بذريعة أن «تدريبه العسكري قد يشكِّل خطرًا على الأمن الإسباني»، بحسب رواية زيتوت.

تقارب إسباني جزائري قد يفسِّر سبب تسليم «عبدالله» 

يأتي تسليم المعارض الجزائري محمد عبد الله في سياق تقارب بين النظامين الإسباني والجزائري يتنامى بقوَّة في السنوات الأخيرة، وله عدَّة زوايا اقتصادية وسياسية، فقد كانت إسبانيا أول دولة تهنئ الرئيس عبد المجيد تبون بفوزه بالانتخابات التي جرت في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، والتي أُقيمت في ظروف استثنائية كانت تشهدها البلاد وسط شارع ملتهب باحتجاجات الحراك الشعبي، مما دفع بلدانًا أخرى للتريُّث قبل حسم الموقف من هذه الانتخابات، من بينها فرنسا التي رفضت التعليق عليها على لسان رئيسها إيمانويل ماكرون؛ مما أدى إلى أزمة دبلوماسية بين البلدين حينها. 

رئيس الوزراء الإسباني خلال مؤتمر اقتصادي في الجزائر
وكان رئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز قد صرَّح في زيارته للجزائر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بأنَّ «إمكانات التعاون الثنائي في المجالات الاقتصادية (غير مستغلة) بالشكل الكافي مما يستدعي تكثيف الاستثمار ومشاريع الشراكة والتبادل التجاري» حسب تصريحه. 

وتطمح إسبانيا إلى تجديد عقود الغاز بين شركة «سوناطراك» الجزائرية و«ناتيرجي» الإسبانية خصوصًا مع تقلُّبات أسعار السوق، بالإضافة إلى ملف ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، بالتحديد في إقليم جزر الباليار، بالنظر إلى أن الجزائر قد تتجه إلى استغلال المخزون النفطي في البحر الأبيض المتوسط، مع تزايد المؤشرات على وجود كميات ضخمة من الغاز في غرب المتوسط، وهو ما سيكون محلَّ نزاع في المناطق البحرية الحدودية المتداخلة التي لا تزال تنتظر الترسيم، كما أن ملف الهجرة غير الشرعية أو «الحرقة» يبقى هاجسًا بالنسبة للإسبان، خصوصًا مع عودة هذه الظاهرة بقوة في الآونة الأخيرة، إذ وصل هذه السنة أكثر من 4700 مهاجر إلى الشواطئ الإسبانية عبر قوارب الهجرة. 

الخصومة مع المغرب تتصاعد.. واتهامات بدعم المعارضة

العداوة المحتدمة بين النظامين الجزائري والمغربي دفع بالجزائر إلى المزيد من التقارب مع إسبانيا، إذ جرى مطلع السنة، الحديث عن خطٍّ بحري بين ميناء الغزوات الجزائري ومدينة مليلية المحتلة من طرف الإسبان، والتي يطالب المغرب باسترجاعها؛ لكن هذا المشروع لم يعلن عنه بصورة رسمية، إنما بقي حديث الصحافة وجهات غير رسمية، مما يوحي بأنها عملية جس نبض. 

الملك المغربي محمد السادس 

وكانت إسبانيا قد سمحت لرئيس «جبهة البوليساريو» إبراهيم غالي بالعلاج في مستشفياتها بطلب من الجزائر وباستعمال هوية جزائرية مزيفة؛ وهو ما أثار أزمة دبلوماسية مع المغرب الذي اتهم الإسبان بدعم الانفصاليين، واتهم وزير الخارجية المغربية الجزائر وإسبانيا بـ«التآمر» على بلاده. 

وتتَّهم الجزائر النظام المغربي بدعم المعارضين المتواجدين في الخارج، بالإضافة إلى دعم حركة «رشاد» ومنظمة «الماك» التي تدعو لانفصال «منطقة القبائل»، كما اتَّهم النظام الجزائري رسميًّا المغرب بالتورُّط في الحرائق التي شهدتها البلاد، والتي أدت إلى مقتل أكثر من 100 شخص في محافظة تيزي وزو، دون ذكر الأدلة.

ورغم أن العسكري المنشق محمد عبد الله ليس عضوًا في «حركة رشاد» بصورة رسمية؛ إلا أن قُربه من أحد أبرز رموزها، محمد العربي زيتوت دفع السلطات إلى اتهامه بالانضمام إلى الحركة، والتي تقول السلطات الجزائرية إنها تتلقى دعمًا من الجارة المغرب. 

وتدرس الجزائر موضوع تجديد خط الغاز الذي ينطلق من منطقة حاسي رمل الغازية عبر التراب المغربي، الذي يمدُّ إسبانيا بنحو 30% من احتياجاتها بالإضافة إلى البرتغال، وينتهي عقده في أكتوبر (تشرين الأول) القادم؛ في حين أفادت صحيفة «الشروق» الجزائرية إلى أن الجزائر قد تفرض شروطًا تعاقدية جديدة على المغرب، ويحصل المغرب حاليًا على إمدادات بالغاز تقدَّر بـ600 ألف متر مكعب يعتمد عليها المغرب في توليد الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى حصوله على مبالغ مالية مقابل مرور خط «ميد غاز» على أراضيه.

دولي

منذ 3 شهور
هل يؤثر دخول إسرائيل على الخط في زيادة توتر العلاقات بين الجزائر والمغرب؟

المغرب من جهته يعرف علاقات متوتِّرة مع إسبانيا، فبالإضافة إلى انتقاده للدولة الأوروبية استضافتها زعيم «جبهة البوليساريو»؛ فقد عرفت مدينة سبتة موجةً من المهاجرين المغاربة الذين استطاعوا الوصول إليها بعد تخفيف المغرب لقبضة حرس الحدود، مما اعتبرته إسبانيا فعلاً مقصودًا لإغراق البلاد باللاجئين.

المصادر

تحميل المزيد