تثير المجر مشكلة تلو الأخرى داخل الاتحاد الأوروبي منذ سنوات، وتبتعد تدريجيًّا عن القيم الجامعة والمؤسسة للتكتل، بل تنتهكها على نحوٍ ممنهج، وفي مواجهة هذا السلوك الشاذ تقف بروكسل مكتوفة الأيدي؛ بسبب التوازنات الداخلية تارة، وجمود القانون الداخلي تارة أخرى.

تستمر المجر في سلوكها هذا، بينما يطالب البعض بتطبيق المادة السابعة من القانون الأوروبي عليها وتعليق بعض الحقوق الممنوحة لبودابست بموجب العضوية في التكتل، ويطالب البعض الآخر بفرض عقوبات عليها؛ بل تذهب فئة ثالثة إلى المطالبة بتعديل القانون الداخلي للسماح بطردها نهائيًّا من التكتل.

لكن ما لا يعرفه كثير من المتابعين؛ هو طبيعة الخيارات الحقيقية التي يملكها التكتل في مواجهة انتهاكات المجر.

المجر تضرب بالقيم الأوروبية عرض الحائط

مثَّل تفشي فيروس كورونا المستجد فرصة عظيمة للأنظمة الديكتاتورية في أنحاء العالم؛ إذ لجأت العديد من الدول إلى إغلاق الحدود وفرض الرقابة الرقمية الجماعية في محاولة للحد من انتشار الفيروس، لكن هذه الإجراءات صُنفت على أنها  توسعات خطيرة لسلطة الدولة على حساب الحقوق والحريات الأساسية.

يوجد خط رفيع بين اتباع إجراءات استثنائية في حالات الطوارئ مثل تفشي الأوبئة، والاستبداد الممنهج، والمجر عبرت هذا الخط حين أقرت قبل أسابيع قانونًا يستغل تفشي الجائحة لإلغاء أي رقابة على الأجهزة التنفيذية وإسكات أصوات المعارضة، وبات بإمكان رئيس الوزراء فيكتور أوربان أن يحكم بمرسوم (أي يمرر القوانين دون موافقة السلطة التشريعية) لفترة غير محددة من الوقت.

حقوق إنسان

منذ 8 شهور
«ذي أتلانتك»: دولة الاتحاد الأوروبي التي تقمع الصحافة والإعلام دون عواقب

تسبب هذا التآكل للديمقراطية في قلب أوروبا في إحداث ضجة كبيرة، وتساءل كُثر عما يمكن للاتحاد الأوروبي فعله لمنع أي دولة عضو من تقويض القيم الأساسية التي يستند إليها التكتل.

لكن في الحقيقة، لم تكن المجر منارة للديمقراطية قبل أن تبدأ الجائحة، فمنذ تولي أوربان السلطة في عام 2010م، أشرف على التفكيك المستمر للمؤسسات الديمقراطية في البلاد، وصادر الحريات الصحفية تدريجيًّا، وقوَّض نظامها التعليمي، وحدَّ من سلطة القضاء.

والنتيجة أن باتت المجر هي الدولة الوحيدة، العضو في الاتحاد الأوروبي، التي تعد «حرة جزئيًا» بحسب تقييم مؤسسة «فريدوم هاوس».

خلال الأعوام الماضية، لم يحاول أوربان أبدًا تلطيف أهدافه الاستبدادية، وتذرع بالسيادة الوطنية والأمن القومي، بل وصف معارضيه ومؤسسات المجتمع المدني بـ«العملاء»، وشن حملة تشهير إعلامية ضدهما، وخلق مناخًا يعوق عمل منظمات المجتمع المدني.

ومع تفشي فيروس كورونا المستجد، وجد أوربان ذريعة مثالية لاستيلائه على السلطة، ومرر قانون طوارئ جديد في البرلمان يُمكِّن حزبه اليميني المتطرف من أن يحكم بسلطات واسعة، ودون منازع متجاوزًا البرلمان والقوانين القائمة.

أيضًا، يسمح قانون الطوارئ للحكومة بإصدار أحكام بالسجن لمن ينشرون معلومات مضللة، في استهداف واضح للصحافة. وعلى الرغم من إصرار الحكومة المجرية على أن هذه الإجراءات تستمر فقط خلال أزمة كورونا، فإن قانون الطوارئ لم ينص على مدة محددة لسريانه، ولم يربط وجوده بأزمة كورونا، ونصَّ فقط على أن وقف العمل به يتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، وهي الأغلبية التي يملكها أوربان.

الأمر لا يتوقف عند مصادرة الديمقراطية؛ إذ سعت حكومة أوربان خلال الأعوام الماضية للسيطرة على جميع مناحي الحياة، بما في ذلك الحياة الأكاديمية ومؤسسات البحث العلمي، وأقر البرلمان قانونًا جديدًا يتيح لسلطات الدولة تشديد سيطرتها على مجالات البحث العلمي، ويفرض هيئة معينة من قِبل أوربان والحكومة، لإدارة الأكاديمية المجرية للعلوم.

وبالمخالفة لقيم الاتحاد الأوروبي، تضطهد حكومة أوربان الأقليات، ومثليي الجنس، والمهاجرين، والغجر، وحولت وسائل الإعلام والصحف إلى أبواق يسيطر عليها حزب «فيديس» الحاكم.

ويعادي أوربان المهاجرين، خاصة المسلمين، وأحاط حدود البلاد الجنوبية بسياج محكم لمواجهة تدفقهم. وبصفة عامة، يرى رئيس الوزراء المجري أن تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين المسلمين يهدد الثقافة الأوروبية.

Embed from Getty Images
أوربان أثناء خطاب ألقاه أمام أنصار حزبه قبيل الانتخابات البرلمانية في عام 2018م.

غضب أوروبي من عدم التزام المجر بالاتفاقيات الأوروبية

هذه المواقف التي تتبناها المجر في ملف الهجرة ورفضها تلقي حصة معينة من المتدفقين على الاتحاد الأوروبي، أثارت العديد من الأزمات مع باقي الدول الأوروبية.

منذ فرض قانون الطوارئ في المجر، لم تتوقف الانتقادات الأوروبية لبودابست؛ إذ طالبت الأمينة العامة لمجلس أوروبا، ماريا بيجينوفيتش بوريتش، البلدان الأعضاء، بالحفاظ على المبادئ الديمقراطية. وتابعت «فرض حالة طوارئ غير محددة زمنيًّا لا يمكن أن يضمن حماية الديمقراطية».

وقالت بيجينوفيتش إن القانون الجديد في المجر يعاقب بالسجن، حتى الصحافيين، على نشر معلومات «غير صحيحة» عن كورونا، ونتخوف من أن يتعرض الصحافيون ووسائل الإعلام «للعقاب أو المنع».

واعترضت منظمة الحقوق المدنية التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا على قانون الطوارئ، فيما حذرت اللجنة المعنية في البرلمان الأوروبي من تأثير الإجراءات المتخذة لمواجهة أزمة كورونا، على الحقوق الأساسية ودولة القانون والمبادئ الديمقراطية في المجر، مضيفة، أن المفوضية الأوروبية تتحقق الآن مما إذا كانت بودابست ما تزال تفي بالتزاماتها بموجب الاتفاقيات الأوروبية.

«نظرية الدومينو».. هل تتسلل السلطوية المجرية إلى بقية التكتل الأوروبي؟

في خمسينيات القرن الماضي، ظهرت نظرية الدومينو التي كانت تفيد بأن أي دولة في منطقة معينة تقع تحت نفوذ الشيوعية والاتحاد السوفيتي، فإن الدول المحيطة بها ستخضع للنفوذ نفسه عبر تأثير الدومينو.

منذ هذا التاريخ، تستخدم هذه النظرية على نطاق واسع لوصف تأثير حدث قوي ما على المحيط الإقليمي. وفي الوقت الحالي، تتخوف الدول الأوروبية من انتشار التوجهات السلطوية التي تتبعها المجر، إلى دول أخرى في التكتل، وفق تأثير الدومينو.

وعبَّرت نائبة رئيسة البرلمان الأوروبي، كاتارينا بارلي، في تصريحات سابقة، عن مخاوفها أن يقلد زعماء دول أخرى ممارسات المجر. وقالت بارلي إن المجر تحولت إلى نموذج يحتذى بالنسبة لقوميين وشعبويين آخرين في الاتحاد الأوروبي.

وأوضحت أن «بعض الزعماء في بولندا وليتوانيا ودول أخرى يعتقدون أنه بوسعهم اتباع المثال المجري»، مضيفة: «على المؤسسات الأوروبية تقديم المجر للمحاكمة أمام المحكمة الأوروبية العليا».

Embed from Getty Images
معارضون بولنديون يتظاهرون ضد إجراءات الحكومة الاستثنائية بعد انتشار جائحة كورونا.

تردد بروكسل.. تقاعس أوروبي أم خيارات محدودة؟

ينظر الاتحاد الأوروبي إلى نفسه منذ فترة طويلة على أنه كيان قوي للغاية، وقادر على وضع القواعد التي يجب على البرلمانات الوطنية في الدول الأعضاء الامتثال لها، لكن أزمة المجر تثبت عكس ذلك.

رغم انتهاك المجر الممنهج لقيم الديمقراطية وحماية الحقوق الأساسية وحريات الصحافة والتجمع التي يقوم عليها الاتحاد الأوروبي، يتردد التكتل في توجيه ضربة قوية لمشروع أوربان، لأسباب متعددة.

أول تلك الأسباب هو عضوية حزب «فيديس»، الذي ينتمي إليه أوربان، في حزب الشعب الأوروبي، وهو تجمع لأحزاب يمين الوسط في البرلمان الأوروبي، ويضم المستشارة أنجيلا ميركل، ورئيس الوزراء الأيرلندي، ليو فارادكار، والرئيس الحالي للمفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين.

وحتى اليوم، يبدو حزب الشعب الأوروبي متحفظًا في معاقبة حزب «فيديس» أو أوربان، ويتخوف بشكل أساسي من أن فرض عزلة سياسية على رئيس الوزراء المجري أو معاقبته بأي طريقة أخرى، يمكن أن يلحق الضرر بالمجموعة كلها.

وفي هذا الإطار، نقلت «ذي أتلانتك» عن مجتبى رحمن، الخبير في الشئون الأوروبية، قوله: «في حزب الشعب، هناك وجهة نظر قوية مفادها أن أوربان يضمن عددًا كبيرًا من الأصوات للحزب في الانتخابات الأوروبية»، مضيفًا أن «عزل أوربان عن طريق إلغاء عضويته في حزب الشعب الأوروبي، على سبيل المثال، من شأنه أيضًا أن يتعارض مع رؤية أغلبية الدول الأوروبية».

وأوضح مجتبى: «يرى العديد من القادة الأوروبيين أن إبقاء الأعداء قريبين، يمكن أن يقود في النهاية إلى تحسن في سلوكهم»، مضيفًا: «يحبذ الموقف الألماني، على سبيل المثال، منذ فترة طويلة العمل وحدة واحدة. بولندا كانت تنجرف، المجر تنجرف، لكن في النهاية سيعودون إلى الحظيرة الأوروبية، وفق اعتقاد الساسة في برلين».

Embed from Getty Images
مجريون يتظاهرون ضد أوربان أثناء زياة ميركل للمجر عام 2015م.

أما السبب الثاني، وهو الأقوى، لتردد الاتحاد الأوروبي في توجيه ضربة سياسية قوية للمجر، يتمثل في أنه لا يملك خيارات. فعلى عكس اعتقاد بعض السياسيين الأوروبيين، لا يمكن للاتحاد طرد دولة عضو من جانب واحد، فلا توجد مادة في لائحته تنظم هذه العملية.

كل ما يستطيع الاتحاد فعله هو تعليق حقوق وامتيازات معينة لعضو ما، بموجب المادة السابعة من معاهدة لشبونة، إذا كان يمثل «خطرًا واضحًا» على القيم الأساسية للتكتل الأوروبي، التي تشمل الديمقراطية والمساواة وسيادة القانون والحريات الأساسية.

كما أن تفعيل المادة السابعة ضد عضو بعينه، يتطلب إجماع كافة الأعضاء الآخرين على تفعيلها دون اعتراض أي دولة عضو. وفي حديثه مع «ذي أتلانتك»، يقول الخبير جارفان والش إن «تفعيل المادة السابعة ضد المجر صعب الحدوث».

وتابع: «المجر وبولندا يدعمان بعضهما بعضًا، وسيعترض أحدهما في حال التصويت على تفعيل المادة السابعة ضد الآخر»، مضيفًا: «كلا البلدين أثيرت ضدهما مطالبات بتفعيل المادة السابعة دون تأثير يذكر».

«نمر من ورق».. خيارات محفوفة بالمخاطر أمام الاتحاد الأوروبي

أما الخيارات الأخرى المتاحة أمام الاتحاد الأوروبي، فهي أيضًا محفوفة بالمخاطر، وقد تترتب عليها نتائج سلبية. فعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يملك قانونًا حق تقليل أو تعليق المساعدات المالية المخصصة لبودابست، لكن الأمر لا يبدو بهذه البساطة من الناحية العملية، إذ يتطلب قرارًا من هذا القبيل موافقة رؤساء دول الاتحاد وتصويت أغلبية البرلمان الأوروبي.

وإذا نجح الاتحاد في تأمين موافقة مؤسساته، فإن قرارًا مثل الحد من المساعدات للمجر أو منعها تمامًا، يمكن أن يثير كثيرًا من المخاوف بين الدول الأعضاء، ويدفع البعض للتساؤل: «هل يمكن أن أتعرض للمصير نفسه يومًا ما؟»؛ لذلك يتردد التكتل في اتخاذ مثل هذا القرار.

دولي

منذ شهرين
دروس مستفادة لدعاة الوحدة العربية.. هذا ما يعاني منه الاتحاد الأوروبي

يبقى الخيار الأخير أمام الاتحاد الأوروبي؛ وهو تقديم المجر للمحاكمة، عن طريق إحالة المفوضية الأوروبية ملف انتهاكات المجر للديمقراطية وقيم التكتل الأخرى إلى محكمة العدل الأوروبية، وهي أعلى هيئة قانونية في الاتحاد.

وفي حال إدانة المجر، يمكن أن تفرض المحكمة عقوبات مالية عليها تصل إلى 100 ألف أو 110 ألف دولار أمريكي في اليوم، حتى تتوقف عن الانتهاكات، لكن هذا المسار يأخذ وقتًا طويلًا للغاية، ويمنح أوربان وقتًا كبيرًا للقيام بمزيد من الانتهاكات، واستكمال تحويل البلاد إلى دولة استبدادية.

وفي هذا الإطار، قالت أستاذة القانون والباحثة في جامعة أوروبا الوسطى، بيترا بارد: «الوقت في صف الحكومات الاستبدادية»، موضحة؛ «بمجرد إتمام الاستيلاء الكامل على السلطة، من الصعب للغاية التراجع عنه».

وتابعت: «يبدو أن الاتحاد الأوروبي نمر من ورق»، مضيفة: «ما رأيناه في السنوات العشرة الماضية في المجر؛ هو التراجع المستمر عن الديمقراطية. أعتقد أن الاتحاد الأوروبي تخلى بالفعل عن المجر منذ فترة طويلة».

المصادر

تحميل المزيد