يعبِّرُ الشعراء غالبًا عن ارتباطهم الوجودي بالكتابة؛ فالكتابة غالبًا ليست مهنة، وليست عادة، إنها شيءٌ يعبِّر عن استمرارهم في الحياة

يعبِّرُ الشعراء غالبًا عن ارتباطهم الوجودي بالكتابة؛ فالكتابة غالبًا ليست مهنة، وليست عادة، إنها شيءٌ يعبِّر عن استمرارهم في الحياة، بينما التوقف عنها دون إرادة ذاتية هو معادل للانتحار، أو نهاية قصة الحياة التي يمكن روايتها.

العرب في «الجاهلية»، ولشدَّة جهلهم بالكيفية التي تجعل واحدًا أو اثنين من أفراد القبيلة قادرين على استخدام اللغة ذاتها في نظم كلام ذي وقعٍ سحريٍّ في النفس، اعتقدوا أن لكل شاعرٍ شيطانًا يلهمُهُ الشعر، أي إنهم جعلوا العملية الإبداعية غيبيّة تمامًا، مرتبطةً بما يتجاوز القدرة البشرية، وهكذا ظل الشعراء على مدى العصور يعتقدون بسحر كتابة الشعر، ووقعه في حياتهم.

لكننا في هذا التقرير سنسرد مجموعةً من الحكايات حول شعراء اعتزلوا الشعر بإرادتهم، إلى الأبد أحيانًا، ولفتراتٍ طويلة أحيانًا أخرى. لماذا قد يهجر الشعراء كتابة الشعر؟ هذا هو السؤال الذي نحاول الإجابة عنه.

لبيد بن ربيعة.. من كلام الناس إلى كلام الله

لبيد بن ربيعة شاعرٌ مخضرم شهد الجاهلية والإسلام، يرجع نَسَبه إلى قبيلة هوازن، وهي القبيلة التي اكتنفته في مراعي الصبا، فأنشأته فارسًا وشاعرًا. تردَّد لبيد كغيره من الشعراء على الملوك، فوفد على النعمان بن المنذر وأسمعه شعره. وثمَّة روايات كثيرة عن بدايات لبيد الشعرية، إحداها تروي وقوفه بين يدي النعمان لأول مرة، وأخرى تروي لقاءه بالنابغة الذبياني، الذي وصفه بـ«أِشعر العرب» بعد سماع بيتينِ من شعره، هذان البيتان سيكونان أول بيتين في قصيدته التي ستحتفي بها العرب، وتعدُّها إحدى ذخائرها في الشعر، لتكون إحدى المعلقات الشهيرة.

قصة إسلامه كبدايته مع الشِّعر، فيها أكثر من رواية، أكثرها غرابة تلك التي تروي قدومه على النبي بنية قتله، ولغايةٍ في نفسه علق لبيد قصيدة على جدار الكعبة كان مطلعها:

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ *** وكل نعيمٍ لا محالة زائلُ

فلما رأى إعجاب الناس بها، وانبهارهم بفصاحتها، شعر بالفخر، غير أنه رأى بعد أيام آيات من سورة معلقةً إلى جانب قصيدته، فاندهش لفصاحتها وبلاغتها، وتوصَّل إلى أن هذا الكلام بالغ الفصاحة لا يمكن أن يكون بشريًّا، وأنه لا بد أن يكون إلهيًّا، فاعتنق الإسلام. وبغض النظر عن صحة هذه القصة المروية في كتب السير، فإنها وإن كانت تنبئنا بانبهار لبيد ببلاغة القرآن، فهي لا تنبئنا باعتزاله قول الشعر إلى الأبد.

في تلك اللحظة التي تذوَّق فيها لبيد هذه البلاغة «الإلهية»، تراجعت بلاغته البشرية، وانزوت في ظلالٍ عميقة، فترك شاعرُ المعلقات شيطانَ شعره، ولم يكتب سوى بيتٍ واحد:

ما عاتب المرء الكريم كنفسه *** والمرء يصلحه القرينُ الصالح

ويروى أن عمر بن الخطاب سأله يومًا أن ينشده شيئًا من شعره، فأجاب‏:‏ ما كنت لأقول شعرًا بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران.

عبد الرحمن شكري.. من معارك الكتابة إلى زهدٍ وديع

عبد الرحمن شكري شاعرٌ مصريٌّ حديث، ولد في بورسعيد في 18 أكتوبر سنة 1886م، وأتمّ تعليمه الابتدائي والثانوي، ثم التحق بمدرسة المعلِّمين العليا وتخرَّجَ فيها عام 1909م، وأرسل إلى إنجلترا في بعثة لمدة ثلاث سنوات.

لو أردنا مفتاحًا للدخول إلى هذه الشخصية فلن يكون أكثر من «الحساسية المفرطة»، لشكري روحٌ شاعرة قبل أن يكون له لسانُ شاعر، ربما هذا ما جعله هشًّا في مواجهة متاعب الحياة وتقلباتها، وضعيفًا في مجال العلاقات الإنسانية التي لم ينجُ من تقلباتها.

بدأت قصة شكري مع اثنين من الشعراء النقاد وهما عباس العقاد وإبراهيم المازني، هذان العلمان اللذان أسسا معه مدرسة الديوان، التي ثارت على تقاليد المحافظين في نظم الشعر، وأرادت أن تؤسس لنفسها نمطًا شعريًّا جديدًا قائمًا على التعبير عن الذات الإنسانية، بعيدًا عن الاجترار لتقاليد الشعر القديمة في اللفظ والمعنى.

شكري

في البداية كان كلُّ شيءٍ على ما يرام، وتبادل الشعراء الثلاثة مدح بعضهم بعضًا، مشكِّلين نمطًا ثائرًا على أحمد شوقي وغيره من الشعراء المحافظين، وبدأ شكري بنشر دواوينه الشعرية التي يفصل بين الواحد منها والآخر فترة قصيرة تدل على حيوية إنتاجه الشعري وغزارته، ففي العام 1915 نشر ديوانه الثالث، وفيه إهداءٌ للمازني، وفي عام 1916 نشر ديوانيه الرابع والخامس، وكانت المعارك الأدبية قد بدأت، فختم مقدمة ديوانه الخامس بهجومٍ على المازني يتهمه فيه بالسرقة من الشعر الإنجليزي.

لم يصمت المازني في هذه المعركة الكلامية، بل خصص فصلًا كاملًا من كتاب الديوان عنونه بـ«صنم الألاعيب» لنقد شكري، اتهمه فيه بالاضطراب النفسي والجنون، يقول المازني: «وقد سبق لنا أن نبهنا شكري إلى ما في شعره من دلائل الاضطراب في جهازه العصبي، وأشرنا عليه بالانصراف عن كل تأليفٍ أو نظمٍ ليفوز بالراحة اللازمة له أولًا، ولأن جهوده عقيمة، وتعبه ضائع ثانيًا».

بعد هذا النقد اللاذع الذي لم تحتمله روح شكري المرهفة، بدأ نشاط شكري الأدبي يقلُّ كثيرًا؛ إذ لم يعد يسعى للظهور في الوسط الأدبي، فأصبحت الفترة السابقة الممتدة ما بين عام 1910 وعام 1920 هي فترة إنتاجه الشعريّ الغزير، أما في ما تلاها، فلم يتوقف شكري عن كتابة الفصول الأدبية ونظم الشعر، لكنه لم يفكر خلال الفترة الممتدة من عام 1920 وحتى وفاته (عام 1958) في إصدار كتابٍ مستقل، وهذا ما يوحي بأنه تنازل عن صفته شاعرًا، أو لم يعد يرى أن هذا ما يمكنه فعله في الحياة.

لم يكن حال شكري في حياته المهنية والشخصية أفضل من حاله في معركته الأدبية، فقد عُيِّن مدرسًا للتاريخ واللغة الإنجليزية والترجمة، ثم ناظرًا فمفتشًا، ثم تقاعد راغبًا سنة 1938، ولقد كان تقاعده بسبب ظلمٍ وظيفي منعه من الترقِّي، فقد غضب عليه رؤساؤه بسبب قصيدة «أقوام بادوا» التي ظنوا أنه يقصدهم بها، وقد أمضى حياته بلا زواج، ويُروى أنه أحرق جميع ما لديه من نسخ مؤلفاته ودواوينه، وأصيب بضغط الدم ثم بالشلل الذي زاد من يأسه، فظل معتزلًا الناس حتى موته.

يبدو أن هناك أسبابًا كثيرة يمكن أن نجعلها حجة لاعتزال شكري الحياة الأدبية، مرضه وانسحابه الوظيفي ومعاركه الكتابية مع المازني واتهامه بالجنون، لكنّ ثمة سببًا يجمع بين هذه الحجج جميعها ألا وهو «الهشاشة» من جهة، و«الكبرياء المجروح» من جهةٍ أخرى.

يقول المازني في مقاله الذي كتبه يظهر فيه ندمه على ما قال في حق شكري: «وشكري وحده هو المظلوم المغمور، ولا نكران أنه هو الذي حجب نفسه عن العيون وطوى آثاره، وكفَّ عن نشرها، وأصر على ذلك سبعة عشر عامًا، حتى نسيه الناس».

المازني

فبينما يعترف المازني بمغالاته في جرح شكري، إلا أنه يذكِّر بأن خيار الانسحاب كان يعود لشكري نفسه، وهذا حقيقي، فإن هشاشة روحه لم تساعده على الاستمرار أو الدفاع عن الذات، وهو ما يعترف به شكري نفسه، حين قال ردًّا على مقالة المازني: «قد تنحيت عن الاشتغال بالأدب نحو سبعة عشر عامًا من غير قاهرٍ يقهرني، وإنما تنحيت زهدًا في أن أكيد أو أُكاد».

بالإضافة إلى هذه الهشاشة فإن كبرياءً مجروحًا من عدم القدرة على تحقيق الأستاذية التي تفوَّق فيها صاحباه دفعه إلى اليأس، والخروج من هذه المنافسة، يقول شكري: «وأنا لا أتكسَّبُ بالكتابة، ولم أحترف الأدب والصحافة، ولا أعدّ نفسي من المحترمين أديبًا إذا عُدَّ الأساتذة». نظرة استضعاف الذات هذه ربما هي التي قادته إلى الخروج من الحلبة باكرًا، وفي موضعٍ آخر يقول نافيًا أستاذيته على المازني والعقاد أنه كان يمكن أن يكتسب «شيئًا من الخلد بسبب خلود اسميهما، ولكن لم يكن لي حتى هذا الفضل».

وفي بيت شعرٍ حزين ويائس، يقول شكري ملخِّصًا هذا الحزن كله:

أألقى الموت لم أنبه بشعري *** ولم يعلم جميعُ النَّاسِ أمري؟

هل كان اعتزاله إذن لأنه شَعَر أنه منسيّ، وأنه لا طاقة له بالخلود، أو المنافسة على ذاكرة الجمهور كما صاحبيه؟

آرثر رامبو.. من ليالي باريس إلى جحيم عدن

لا يمكن أن نجد مثالًا واضحًا على تعقيد النفس البشرية وتناقضاتها «المتطرفة» كما يمكن أن نجدُهُ في سيرة هذا الشاعر «غريب الأطوار». لقد نشأ في إحدى نواحي الريف الفرنسيّ في منطقة تدعى شارلفيل، لأمٍّ كاثوليكية وأبٍ عسكريّ وأعمامٍ مدمنين للخمور، بينما هو الفتى المسحور بصوتٍ لا يسمعُهُ أحد، ورؤىً غيبية لا يراها من حولها، تمليها عليه الطبيعة المترامية حوله، والآداب القديمة التي اطلع عليها في سنٍ مبكرة.

كان في السادسة عشرة من عمره حين غادر شارلفيل إلى باريس العاصمة بدعوةٍ من الشاعر الفرنسي «بول فيرلين» الذي ستربطه به علاقة معقَّدة فيما بعد، في باريس عاش بصحبة فيرلين متشردًا باحثًا عن حريةٍ لا تُرى، لكنها تملأ كيانًا متوهجًا داخله، ممتدًا وغير محدود، حرية في الحصول على الرغبات والتمنُّع عنها في الوقت ذاته، أن يذهب مع رغباته إلى أبعد حد، دون أن يكون عبدها.

لم تكن حريته باهظة الثمن معيشةً في حياته فقط، بل كانت مسموعة في وسوسات شعره المليئة بعنف التحدي لكل ما يمكن أن يكون معقولًا، لا الإيقاع ولا عقلانية الصورة أو المعنى كانت تهم رامبو، كل ما يهمه أن تشرق القصيدة بروحِ الرؤية، الرؤية المتجاوزة للحواسِّ والمنطق وأي قيدٍ كان، وهو ما جعل قصيدته الفوضوية المتناقضة، بصورها الصادمة، وألفاظها البذيئة المحكية، نبوءة جديدة لشعرٍ جديد، سيعتبر فاصلًا في تاريخ شعر الحداثة الفرنسي والعالمي.

وإذا أردنا أن نختصر موقفًا يوضِّح ثورة رامبو على كل معنىً فلن يكون سوى وقوفه في أحد الصالونات الأدبية في باريس محتجًّا على قصيدة شاعر كبير، ثم قيامه بالتبول فوقها وهو في حالة سكر كما معظم أوقاته.

روايات كثيرة تُروى عن العبث الشعري الذي مارسه رامبو في صالونات باريس برفقة فيرلين، مثل أنه كان يلعب لعبة كتابة القصيدة الجماعية عن طريق صف كلماتٍ عفوية من كل شاعر، أو أن يبعثر الأوراق ويلصقها لتكوِّن قصيدة، كان يبحث عن آخر حدود «العبث»، كأول خطوة للحرية!

تمثال لرامبو.. فرنسا

لكن هذه الحياة العابثة لم تدم طويلًا، فقد عاش عالة على صديقه فيرلين الذي بدأ يضيق به بسبب علاقتهما المشبوهة، وبدأت هذه الخلافات الحادة تزداد بمرور الوقت، وانتهت بإطلاق فيرلين رصاصتين على رامبو، كانت هاتان الطلقتان نهاية علاقته بفيرلين، وربما بالقصيدة أيضًا.

بعد رحلة تنقلات عابثة في نيويورك بحثًا عن العمل والمال، توجه رامبو إلى الشرق، وفي رحلته الشهيرة إلى عدن الحارة أصبح رامبو تاجرًا للعبيد الأفارقة، تلك التجارة التي مكنته من جمع مبلغ مالي جيد، ومنذ ذلك الحين لم يكتب رامبو قصيدة واحدة، لقد ألقى الشعر وراءه، وأصبح تاجرًا معنيًا بالحصول على المال لتلبية رغباته في الترحال الدائم.

هكذا انقطعت حياة رامبو انقطاعًا حادًا، فقد تحول من شاعر راءٍ، يصعد بالقصيدة نحو عوالم جديدة، إلى تاجر مغامر، ربما يبدو هذا الانقطاع حادًا بالفعل، لكن وفي أعماقه، فهو يحمل الفكرة ذاتها عن حرية يتم ملاحقتها بحس المغامرة، يقول شارل بودلير في يومياته: «نحن مسحوقون في كل دقيقة بفكرة الزمن والإحساس به. ولا توجد إلا وسيلتان للنجاة من هذا الكابوس، لنسيانه: المتعة والعمل. المتعة تستهلكنا، العمل يقوينا، لنختر. كلما استخدمنا إحدى هاتين الوسيلتين، ازداد قرفنا من الأخرى، نحن لا نستطيع نسيان الزمن إلا باستخدامه. لا شيء يتم، إلا شيئًا فشيئًا». ربما هذه العبارة هي اختزال لحياة رامبو، ومحاولته للخروج من الزمن، مرة بالمتعة غير المحدودة، ومرة بالعمل غير المحدود.

لماذا ترك رامبو الكتابة؟ هذا هو السؤال

ربما لأنه كان شاعرًا حقيقيًّا، شاعرًا في الحياة كما في اللغة، لذا فإن ابتعاده عن الكتابة لم يكن سوى خطوة نحو اقترابه من روح الشعر الذي عرفه، الشعر كحالة متمثِّلة في حرية المغامرة، أو بعبارةٍ أوضح: في القدرة على التخلي عن حياتنا الكبرى ببساطة، والانتقال إلى حياةٍ مضادَّة، حياة غير قيمية، وشرسة في الحريق الأفريقي.

سيليا دروبكن.. ماذا يفعل الشاعر حين تموت اللغة؟

ولدت سيليا دروبكن عام 1887 في روسيا البيضاء لأسرةٍ فقيرة، فقدت عائلتها في وقتٍ مُبكِّر، مما اضطرها إلى الاعتماد على الأقارب الأغنياء الذين برغم ما وفَّرُوهُ من تعليمٍ جيِّد لسيليا، فقد أشعروها بالتبعيَّة، بينما كانت هي بروحها الشاعرة ترغب في أن تكون مستقلَّة.

أحبت سيليا الشعر الروسي وبدأت بكتابة أشعارها باللغة الروسية، ولكنها وبعد زواجها وانتقالها إلى نيويورك فضَّلت الكتابة بلغةٍ غير اللغة الروسية، فاتجهت إلى اليديشية كونها شاعرة يهودية، واليديش هي لغة اليهود قبل ظهور العبرية واعتمادها لغةً رسمية، حتى إنها ترجمت قصائدها من الروسية إلى اليديشية، وبالرغم من انشغالاتها الكثيرة في تلك الفترة، انشغالات الأمومة مثلًا؛ حيث أنجبت ستة أطفال، بقي منهم خمسة على قيد الحياة، إلا أنها تمكنت من نشر أولى مجموعاتها الشعرية عام 1935.

لاقت دروبكن هجومًا شرسًا من النقاد بعد نشرها مجموعتها الأولى، ذلك أنها لم تتطرق إلى أية قضايا عالمية في شعرها، كانت تصغي لصوت جسدها الأنثوي، ولوسوسات الغريزة، متمردة على القيد الاجتماعي الذي يمنع المرأة – آنذاك – من الانهماك في شؤون الرغبة والتعبير الشعري عنها.

رغم هذه الانتقادات إلا أن سيليا استمرت في الكتابة، وبجرأةٍ أكبر، لكنها توقفت عن الكتابة في عام 1943، وقد علَّق النقاد على اعتزالها الكتابة باحتمالاتٍ متعددة، كنهاية الوجود اليهودي في أوروبا، أو وفاة زوجها وصعوبات الحياة والعلاقات والحب في حياتها بعد ذلك، أو رؤيتها لنهاية لغة اليديش في الأفق.

ربما يكون التحول اللغوي في حياة سيليا دروبكن هو نقطة المحكّ بالفعل، في البداية اضطرت إلى التحول من الروسية إلى اليديشية، ربما كانت ترى مستقبل أدبها اليديشي سيصبح غير مقروء بالفعل في غضون سنوات، لم يكن الوقت مناسبًا للهجرة إلى لغةٍ أخرى، كان خيارها الأفضل هو الهجرة إلى الرسم، حيث اللوحات تُرى، ولا يمكن أن تنقرض كما اللغات التي خانت سيليا مرتين!

جورج أوين.. سؤال عن سحر الشعر ووحشية الواقع

ولد الشاعر جورج أوين في نيويورك في 13 أبريل 1881 لعائلة يهودية ثرية، مما جعله يعيش طفولة مرفهة على ما فيها من منغصات الحياة الاجتماعية غير المستقرة، والتي أدَّت إلى انتحار والدته وهو في الرابعة من عمره.

أمضى أوبن حياة تعليمية غير مستقرة، ثم تزوج بماري أوبن، التي تنقل معها في بعض ولايات أمريكا، حيث تعرف على مجموعة من الشعراء الذين أسسوا المنهج الموضوعاتي في الشعر، وكان على رأسهم لويس زوكوفيسكي.

نشر أوين مجموعة من قصائده الأولى عام 1935، لكنَّه سرعان ما عاد وتساءل عن جدوى الشِّعر في وسطٍ كانت تتوسَّعُ فيه النزعة الفاشية، وتساءل سؤالًا عميقًا: «ما هو الأهم: كتابة الشعر أم ممارسة الفعل السياسي؟» ونحن نعلق على هذا السؤال بسؤالٍ آخر: لماذا كان على أوبن أن يضع الشعر والسياسة كنقيضين، ولماذا قارن في الجدوى بين الفعل السياسي والكتابة؟

يخبرنا في مذكراته أن الكتابة في هذه الفترة كانت غير مجدية، ليست غير مجدية فحسب بل هي «خطأ»؛ لأنها لن تغير شيئًا في الواقع، وفي إحدى رسائله لأصدقائه التي يبرر فيها اعتزاله الكتابة، يقول أوبن: «هناك بعض الحالات التي يكون من السخافة فيها كتابة الشعر.. إذا أنا لم أقاوم، أقاوم بقوةٍ تساوي قوة هتلر، سيتدمر كل شيء. هذه حالة لا يمكن أن يلتقي فيها الشعر بالشرف». لقد انتصر الواقع على السحر في روحه.

تساءل النُّقاد فيما بعد عن هجر أوبن للكتابة، وتوجُّههُ للعمل في صفوف الحزب الشيوعيّ، والمشاركة في الحرب العالمية الثانية، بعض النقاد اعتقدوا أن الحزب الشيوعي كان قد أملى على الشعراء طريقةً وموضوعًا واحدًا للكتابة، وهذا ما دعا أوبن لاعتزال الكتابة، بدلًا من كتابةٍ جبريَّة غير مرضية له من ناحية جمالية وموضوعية.

تنقَّل أوبن برفقة زوجته في عدَّة بلدان مارس خلالها عمله السياسي، وفي عام 1958 كان قد قرر العودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما سبَّب قلقًا لزوجته التي بدأت بالتردد على طبيب نفسي. في إحدى جلسات العلاج روى أوبن حلمًا رآه للمعالج، فأخبره أن الحلم يحمل خفايا نفسية عميقة، يقال إن هذا الحلم كان أحد أسباب عودة أوبن لكتابة الشعر بعد هجره لمدة 25 عامًا!

قصة أوبن قصة مثيرة، فعلى الرغم من عدم الإيمان بجدوى الشعر أثناء الحرب، وفورات الشباب، إلا أن هذه العودة القوية للكتابة في عمرٍ متأخر كانت بمثابة انتصار لسحر الشعر على وحشية الواقع.

في هذه الندوة تحليل لحياة أوبن وشعره:

هذا هو الشعر الذي يلمسُ الروح فلا يغادرها حتَّى وإن غادر الشاعرُ شعرَه، كان هؤلاء الشعراء قد اجتنبوا الكتابة، وغيرهم حاولوا اجتنابها فأعلنوا اعتزالهم، غير أن فورة الشعر لم تتركهم للمغادرة، بلند الحيدري وأدونيس قرروا ذات يوم الهجرة إلى الأبد، ثم عادوا، ربما هذه هي الطاقة السحرية للشعر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد