نقلًا عن الخليج الجديد

 

العديد من المراقبين الخارجين ينظرون إلى الحشد العسكري الذي تقوم به روسيا في سوريا أنه وسيلة من الرئيس «بوتين» لشق طريقه إلى طاولة المفاوضات مع الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» قبل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. هناك بعض الحقيقة في ذلك. كي تكون أي ديبلوماسية فعالة، فإن عليها أن تكتسب بعض الحقائق على أرض الواقع وتبدو موسكو مشغولة بخلق هذه الحقائق في ظل تزايد المخاوف الأمريكية. ومع ذلك فإن الدبلوماسية القسرية ليست إلا شكلا آخر من أشكال الدبلوماسية.

التزايد الحالي للمشاركة الروسية في سوريا رغم ذلك لا يحتاج أن يكون مرتبطا بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة. حتى بدون ذلك، فإن موسكو ستقوم بإرسال المزيد من الأسلحة والمزيد من المدربين إلى سوريا. وبما أن «الدولة الإسلامية» وسعت سيطرتها على مزيد من الأراضي في سوريا، فإنها صارت تمثل أكثر من تهديد لبقاء النظام الذي تدعمه روسيا في دمشق. ولذلك فإن خطة موسكو الأولى الآن هي مساعدة «بشار الأسد» للحفاظ على معاقله المتبقية. الخطة البديلة هي مساعدته على تأمين الجيب العلوي حول اللاذقية.

ويمكن تفهم تصعيد الكريملين في سوريا بالنظر إلى رؤيته لتنظيم «الدولة الإسلامية» بوصفه تهديدا لروسيا نفسها، ورؤية «بوتين» للأسد كأحد أولئك الذين يقفون في وجه هذا التهديد، لذا ترفض روسيا التخلي عنه. محاربة العدو في الخارج، من خلال دعم حليف هو الأفضل، بطبيعة الحال، من انتقال القتال إلى القوقاز وآسيا الوسطى. من المهم كذلك ألا تبدو ضعيفا تحت الضغط، هناك عبارة لا تنسى لـ«بوتين»: «الضعفاء غالبا ما يهزمون».

توسيع الدور العسكري الروسي في سوريا ينطوي على مخاطر حقيقية. . لا يزال كل من القادة السياسيين والعسكريين الروس والشعب الروسي يذكرون أفغانستان. الكريملين، مع ذلك، من المحتمل أنه يحسب أن المخاطر في سوريا تحت السيطرة. روسيا ترسل المستشارين والفنيين والطواقم لتشغيل أنظمة الأسلحة، وبعض موظفي الدعم، وقد ترسل بعض الطيارين ولكنها لم ترسل قوات قتالية. لذلك فإن المقاتلين الموالين للأسد في ساحة المعركة سيظلون من السوريين والإيرانيين وحزب الله.

هناك خطر آخر هو الصدام المحتمل مع الولايات المتحدة وحلفائها الذين ظلوا لفترة طويلة يقصفون أهدافا للدولة الإسلامية في سوريا ، كما يوجهون ضربات أحيانا لنظام «الأسد» ربما تمس الآن مستشاريه الروسيين. الأسلحة الروسية والطائرات الحربية، إذا وصل الأمر إلى ذلك الحد، ربما تقوم بتوجيه ضربات إلى المعارضة السورية المدعومة من الغرب. وأخيرا، فإن إسرائيل قد لا تتحمل أسلحة متطورة في الترسانة السورية التي يمكن أن تشكل خطرا على أمن الدولة اليهودية.

دبلوماسيا، الصدام قد حدث بالفعل، واشنطن غاضبة من سياسات موسكو. الكرملين، من جانبه، من المرجح أنه يعتقد أن تثبيت أقدامه من شأنه أن يجبر الولايات المتحدة أن تقبل روسيا كلاعب في الصراع والتفاوض معها على ما يلي: إيقاف الصراع بين تدخل البلدين المتزامن أو حتى الاتفاق على تقسيم العمل بين أجندتي عمليات البلدين في سوريا، القبول بالتحالف الأوسع الذي اقترحه «بوتين» للقتال ضد «الدولة الإسلامية»، وفي نهاية المطاف التوافق حول مستقبل ما بعد الحرب سوريا.

تأمل موسكو بالتأكيد أن التعاون مع الولايات المتحدة والغرب في سوريا من شأنه أن يخفف حدة المواجهة حول أوكرانيا، وهي الاهتمام الأبرز للكريملين. ربما هو ليس مجرد صدفة أنه منذ 1 سبتمبر/أيلول،ف قد توقف القصف في دونباس وقد تم تطهير القيادة في دونتيسك من الشخصيات المتمردة، ويتوقع إحراز تقدم في مسألة الانتخابات المحلية الشهر المقبل. مباشرة بعد قرار الجمعية العامة، فإن الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» سوف يجري مشاورات في باريس مع المستشارة الألمانية «ميركل» والرئيس« هولاند» ورئيس أوكرانيا «بترو بوروشينكو».

وحتى الآن فإن ردود الفعل الغربية على النشاط الروسي كانت سلبية إلى حد كبير. عاطفيا، فإن الأمر يبدو مفهوما. تصرفات موسكو بشكل واضح على خلاف مع سياسات واشنطن في قضية حساسة جدا لإدارة «أوباما». روسيا لا تطلب الإذن حين تحرك قواتها على الحدود مع أوكرانيا أو عندما تصعد الدعم العسكري للنظام الذي قالت الولايات المتحدة بشكل واضح أنه يجب أن يرحل. تقوم موسكو بشكل واضح بترقية وجودها السياسي والعسكري لمنطقة الرئيسية من الشرق الأوسط. ومع القيام بذلك، فإن المسؤولين الروس لا يفوتون الفرصة للسخرية في سياسات الولايات المتحدة في العراق، ليبيا، اليمن وسوريا.

ورغم ذلك، ووفق مقاربة أعمق، فإن مصالح الولايات المتحدة وأوروبا والسعودية والصين والهند وروسيا وإيران تقع هذه المرة في صف واحد أمام عدو يتهدد كل منهم. يتفق الجميع على أنه لا بد من هزيمة «الدولة الإسلامية» رغم أنهم يختلفون بوضوح حول كيفية القيام بذلك. إدارة «أوباما» من غير المرجح أن تقبل بخطة «بوتين» لتشكيل ائتلاف مع حكومتي طهران ودمشق لهذا الغرض، ولكنها ستكون مضطرة للقبول بدرجة من التنسيق. للأسف، سوريا كما عرفها العالم على مدى السنوات السبعين الماضية ربما لا يمكن استعادتها، ولا بد أن يتم إعادة رسم طريقها بطريقة جديدة كليا. وهذا يمكن أن يؤدي إلى من المفاوضات بين مختلف الأطراف الفاعلة في الساحة السورية بخلاف «الدولة الإسلامية»، وبمساعدة المجتمع الدولي، بما في ذلك الغرب وروسيا.

المصدر | ناشيونال إنترست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد