«لطالما صَلَّى الإيغور للشعوب الإسلامية، للفلسطينيين، والكشميريين، والروهينجا، وجميع المضطهدين في العالم الإسلامي، ولكنّ عندما يتعلق الأمر بنا، نحن شعبُ الإيغور، فعندما نُضطهد، يصمت العالم الإسلامي، ليتبين لي بأنّ هذا العالم، ليس مسلمًا حقًا. فالعالم الإسلامي لا يؤمن ولا يعبد الله، الرحمن الرحيم، بل يعبد دولارات الحزب الشيوعي الصيني»

قائل هذا الكلام هو طاهر أمين، ناشط إيغوري، وسجينٌ سياسي سابق، و«إرهابي» في نظر الحزب الشيوعي الصيني، قال هذه الكلمات بنبرة حادة يملؤها الحزن.

تعيش الدول المسلمة اليوم حالةً غير مسبوقة من الصمت تجاه مأساة إنسانية كبيرة، فرغم كلُّ الانتهاكات والاضطهاد ضد الإيغور من اعتقالاتٍ جماعية، ومعسكرات اعتقال مليونية، ونقل قسري للأطفال، ومحاولات طمس للهوية والثقافة الإيغورية، لا يسمع اليوم من الدول المسلمة حتى تصريحات التنديد والاستنكار الدبلوماسية، على عكس ما كان عليه الحال قبل عقود، على الأقل على المستوى الرسمي.

يذكر تقرير لمؤسسة راند البحثية، المموّلة من وزارة الدفاع الأمريكية، بأنّ إحدى أكبر مخاوف الحزب الحاكم في الصين هو أنّ تصبح «قضية الإيغور» قضية إسلامية عالمية كقضية المجاهدين في أفغانستان منذ الغزو السوفيتيّ. ويطرح هذا التقرير السؤال التالي: لماذا لم تتحوّل قضية الإيغور لقضية «جهاد عالمي» مثلما حصل مع أفغانستان إبّان غزوها من قبل الاتحاد السوفيتيّ؟ ولماذا لم يولّد هذا الصراع ردّ فعل عالميّ «جهاديّ» مسلّح ضدّ الصين؟

وقبل الإجابة عن السؤال، سنحاول أن نلقي نظرة معمّقة على قضية الإيغور وسياقاتها الدولية، وكيف حاولت السلطات الصينية قمع وإنهاء أيّ احتمال لنشوب مواجهة بين الدولة والإقليم الذي يشغل بال دوائر الحكم في بكين.

المسألة الإيغورية في عيون الحزب الشيوعي الصيني

مع تسلُّم الحزب الشيوعي الصيني لمقاليد الحكم بالكامل عام 1949، كانت الصين بجغرافيتها الحالية تحوي مناطقَ وأقاليم مترامية الأطراف، تعيش فيها أقليات وإثنيات متعددة. اضطر الحزب للاعتراف بهذه الأقليات لتثبيت يديه في الحكم، وتعامل مع كل أقلية بحسب خصوصياتها المناطقية، واعترف حينها بـ55 قومية، إضافة إلى قومية الهان، وأُسست حينها مناطق إدارة حكم ذاتية في الأقاليم التي يوجد فيها أغلبية من غير قومية الهان.

كان لا بُدَّ للحزب عن تبنِّي هذه السياسة التوافقية، فقد كان لإقليم شينجيانج عقودٌ من النزاع على السيادة على الإقليم مع الجمهورية الصينية التي عاشت بين 1912 إلى 1949، وشهد الإيغور قمعًا شديدًا وسياسات سلبٍ ونهب من قبل أمير الحرب «جين شورن»، من إثنية الهان، والذي كان حاكمًا لشينجيانج آنذاك. وفي فترة الجمهورية، حاول سكان الإقليم تأسيس جمهورية تركستان الشرقية مرتين، ولكنّ استطاعت الحكومة المركزية الصينية إفشال هذه المحاولات بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي.

تعامل ماو تسي تونج، زعيم الثورة الصينية ومؤسس الجمهورية الجديدة، مع إقليم شينجيانغ بحذرٍ شديد، فسمّاه في عام 1995 بـ«منطقة شينجيانج الإيغورية ذاتية الحكم»، وعزّز هذا الاعتراف الهوية الإيغورية، وبفضل سهولة التنقل، وانتشار تقنيات جديدة تسهل التواصل مع الآخرين، تعززت هويتهم بالاشتباك مع الدول المجاورة التي تتحدث لغات مشابهة، واللغة الإيغورية لغةُ تركية تُكتب بحروفٍ عربية، سمحت للإيغور بالتواصل مع محيطهم الحيوي من الشعوب الناطقة باللغات التركية في المنطقة.

نصب يعكس لحظة مصافحة قربان تولوم (سياسي إيغوري) لماوتسي تونج، تعبيرًا عن الوحدة الصينية مع شينجيانج. مصدر الصورة: فليكر

استمرّت السياسة المنفتحة تجاه إقليم شينجيانج حتى عام 1979، العام الذي وقع فيه حدثان رئيسان قلبا المعادلة السياسية. الحدث الأول هو قيام الثورة الإسلامية في إيران، ومعها قَلِقَ الحزب الشيوعي من انعكاسات الثورة الإسلامية على منطقة وسط آسيا، وعودة الإسلام ليصبح قوة سياسية كبيرة في محيط الصين، وما سيترتب على ذلك من تعزيز قوة الإيغور بسبب انتمائهم للإسلام، والحدث الثاني كان الغزو السوفيتي لأفغانستان، الذي كان أكثر خطورة وتهديدًا للصين.

تزعّم الصين حينها دينج شياو بينج، عراب الانفتاح الاقتصادي للصين ومهندس تقاربها مع واشنطن، وتحرك للاستجابة للخطر السوفيتي في الحرب الأفغانية؛ إذ كان عليه التفاعل سريعًا لردّ هذا الخطر، وكانت بوابته لذلك هي واشنطن، وشهدت تلك الفترة زيارات ثنائية لوزراء الدفاع بين أمريكا والصين، وفي نفس العام زار الصين ستانسفيلد تورنر، مدير «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)»، لمناقشة خطة إنشاء محطتين للمراقبة الأمريكية، في إقليم شينجيانج المتاخم للحدود الصينية الأفغانية، وفي ممر واخان الذي يربطُ بين الصين وأفغانستان، ويفصلُ بين دولتي طاجاكستان وباكستان.

ويذكر مايكل كلارك، أستاذ تاريخ الإيغور وإقليم شينجيانج، في كتابه «تاريخ شينجيانج وصعود الصين في وسط آسيا»، أنّ الصين جنَّدت ودرَّبت مجموعات من الإيغور للانضمام إلى المجاهدين في أفغانستان، وأعدوا لهم معسكرات تدريبية، وحتى لو لم تكن هذه المعلومات دقيقة فقد كانت السلطات الصينية على الأقل على علمٍ بذهاب أفراد من الإيغور للمشاركة في الحرب.

ومع وصول الاتحاد السوفيتي نهاياته مع خاتمة القرن العشرين، افتتحت الصين حدود إقليم تشيجيانج مع الدول المجاورة عام 1987 لتنهي بذلك عزلة استمرت 40 عامًا، وكانت هذه الخطوة نواة إحياء مبادرة طريق الحرير التي نراها اليوم، والتي أعلن عنها الرئيس الصيني شي جين بينج عام 2013.

عزّز هذا الانفتاح الحدودي التجارةَ في إقليم شينجيانج، وأحيا قوىً اقتصادية واجتماعية جديدة في الإقليم، وكان انهيار الاتحاد السوفيتي، ونشوء دول من أصول تركية في جوار الإقليم، مثل طاجكستان، بمثابة حافزٍ جديد للإيغور يدفع الإقليم لمزيد من الاستقلال عن الدولة الصينية المركزية التي ظلت توسّع نفوذها وسيطرتها على الإقليم والأطراف شيئًا فشيئًا، وبالطبع كان للغزو السوفيتي لأفغانستان دروسه عند الإيغور: فقد هزم المجاهدون الأفغان الجيش الأحمر، وكان لهذا الانتصار رمزية خاصة شكّلت وعيًا جديدًا عند بعض الإيغوريين الذين رأوا في ذلك طريقًا للاستقلال عن الصين.

وفي منتصف التسعينات، اعتبر بعض المؤرخين منطقة شينجيانج «مركز ثقل عالمي جديد»، وبالرغم من أنّ البعض اعتبر هذا الوصف فيه قدرٌ كبير من المبالغة، إلّا أنّ أحداث اليوم تثبت ذلك فعلًا، فبوابة الصين البرية إلى العالم تمر من غربها حيث يُوجد الإقليم، وبعد تسلّم دينج للسلطة خاتمة عام 1978 وتطبيق سياساته الاقتصادية الانفتاحية، أصبحت مدينة أورومتشي، عاصمة شينجيانج، مدينة اقتصادية مركزية بالنسبة للدولة الصينية.

ومع تحول الصين من اقتصاد مركزي اشتراكي بالكامل إلى اقتصاد السوق، تبنت الصين بداية الألفية سياسة «الزحف إلى الغرب – xibu da kaifa»، كان هذا بعد دخول الصين لمنظمة التجارة العالمية عام 2000، ومع هذا الدخول تضاعفت أهمية إقليم شينجيانج، وصار لا بد لحكومة بكين أنّ تخضعه لقبضتها الأمنية، وتسارع قمعها لإسكات أيّ صوت يُنادي بالاستقلال.

حرب الصين الخاصة على «الإرهاب»

يصف بعض الإيغوريون الثمانينات بأنّها كانت «الفترة الذهبية» للحريات الدينية في الصين، ويقول البروفيسور الأمريكي شون روبرت في كتابه «الحرب على الإيغور: حملة الصين ضد مسلمي شينجيانج»، بأنّه لو استمرت هذه السياسات لكان الإيغوريين على استعداد للاندماج مع المجتمع الصيني، ولكنّ المعادلة لدى الحزب الشيوعي الصيني كانت بسيطة: تعزيز وزيادة الفرص الاقتصادية، وقمع الحريات الدينية والسياسية.

استغلّ الحزب الشيوعي الصيني لحظةَ الحرب العالمية على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة المتشوّشة بعد هجمات سبتمبر 2001، ووضع شعب الإيغور على قائمة أعدائه، واستخدم شعارات «الإرهاب» مبررًا للقمع والتعامل الأمني مع الإقليم، وبذلك قضت الصين على أية آمال لأيّ مشروعٍ سياسي في الإقليم.

لوحة جدارية لمكافحة الإرهاب في قرية قريبة في إقليم شينجيانج. تقول اللوحة: «إنّ استخدام الإنترنت لتنزيل ونشر محتويات صوتية أو فيديوهات للإرهاب العنيف سيخضع لعقوبات قانونية شديدة». مصدر الصورة: كتاب الحرب على الإيغور

ومع إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن حربه العالمية على «الإرهاب»، رتّبت بكين وجهزت كل ما تحتاجه لتبدأ بتصنيف الإيغور بالإرهاب، ففي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2001، في المجلس العمومي للأمم المتحدة، تعهد وزير الخارجية الصيني، تانج حياكسوان، بالتزام الصين بتقديم دعمها لدحر «الخطر الإرهابي الدولي»، وتحدث عن الخطورات التي تواجهها الصين من هذا الإرهاب، خاصةً من مجموعة «التركستانيين الشرقيين» أي الإيغور.

وبعدها بأسبوع أعلنت البعثة الدائمة للصين في الأمم المتحدة عن تقريرٍ يضمُّ حوالي 40 منظمة تابعة لحركة التركستانيين الشرقيين وروابطها مع أسامة بن لادن وطالبان، وضم التقرير منظمات ليس لها علاقة بأيّ روابط جهادية، مثل «لجنة منظمات الإيغوريين – Ittipaq» وهي مظلة للقوميين والعلمانيين من الإيغور، ولم يكن من بين هذه المنظمات سوى حركة تركستان الشرقية الإسلامية التي قد يكون لها روابط بتنظيم «القاعدة» إذ كانت تنشط في أفغانستان، وصنفت الأمم المتحدة والولايات المتحدة، الحزب الإسلامي التركستاني على قائمة المنظمات الإرهابية.

وأثناء حملة الاعتقالات العشوائية التي شنّتها السلطات الأمريكية بدايةَ غزو أفغانستان، اعتُقل إيغوريّون رُحلوا إلى معتقل جوانتانامو، دون أيّ دليلٍ يثبت تورطهم بأعمال اعتبرتها أمريكا «إرهابية»، وكان ذنب بعضهم أنّهم فروا إلى باكستان، ومن ثم إلى أفغانستان، لينتقلوا إلى العيش في قرية تعيش فيها مجموعات إيغورية بالقرب من مدينة جلال آباد بأفغانستان.

فيديو يوثّق قصص ستة سجناء إيغوريين سابقين في معتقل جوانتانامو ومعاناتهم بعدها لعيش حياة طبيعية

قبل هجمات سبتمبر رفضت واشنطن تبني رؤى بكين حول الإرهاب في إقليم شينجيانج، ولكن الهجمات دفعت واشنطن لتبينها لاحقًا لتعتقل وتلاحق الإيغوريين بتهمة الانتماء للحزب الإسلامي التركستاني، وهي منظمة تدعو لإقامة دولة إسلامية للإيغور بالتمرد المسلح على الصين.

وعلى المستوى الإقليمي وثّقت الصين علاقتها مع الدول المجاورة لها، وأسس عام 1996 مجموعة «شنجهاي الخمسة»، المكونة من الصين، وروسيا، وكازاخستان، وقيرجيزستان، وطاكجستان، والهدف الأساسي من هذه المجموعة حلّ مشاكل ترسيم الحدود، وتعميق الروابط الدبلوماسية بين هذه الدول، ولكن بعد هجمات سبتمبر زاد التركيز على الشؤون الأمنية، وذلك بسبب تواجد الإيغور الكبير في كل هذه الدول.

سوريا تؤزّم المشهد.. محاولات بكين للتأمين الخارجي

وسّعت الصين اليوم من نطاق مفهومها للإرهاب، فاليوم يحارب الحزب الشيوعيّ ما أسماه بـ«قوى الشر الثلاثة: الإرهاب، التطرف، الانفصالية»، وتبرر في هذا الإطار سياسة معسكرات اعتقال الإيغور، ومحاولات مسح الهوية الإيغورية، وفرض اللغة الصينية ومناهجها عليهم.

وفي عام 2015 مررت الحكومة الصينية قانون مكافحة الإرهاب، ليعطي بعدًا جديدًا يسمح للجيش الصيني بتنفيذ مهام خارج حدود الصين بهدف «مكافحة الإرهاب»، ومن ذلك الحين تغير التوجه الإستراتيجي للصين، فبعد أنّ استمرت لعقود بملاحقة المتمرّدين عليها داخل الحدود الصينية أو في القارة الآسيوية، تريد بكين اليوم ملاحقتهم أينّما كانوا وحول العالم.

يعيش الكثر من الإيغور في الشتات، ويوجد الكثير منهم في دول وسط آسيا، وفي تركيا والسعودية، وحول أوروبا وفي الولايات المتحدة. هذا الانتشار دفع بكين لزيادة التعاون الأمني مع الدول المجاورة، خاصةً أفغانستان وباكستان، ولكنّ الحرب في سوريا أعطت القضية بعدًا عالميًا؛ إذ انتقل بعض المقاتلين الإيغور الذين كانوا في أفغانستان وباكستان إلى سوريا، أحد هؤلاء مثلًا أبو عمر التركستاني، العضو في الحزب الإسلامي التركستاني، وقد شاركَ في حرب أفغانستان مع القاعدة، وانتقل إلى سوريا ليُقتل هناك عام 2017 بضربةٍ من طائرةٍ مسيرة أمريكية، وتختلفُ التقديرات على عدد الإيغور المقاتلين الموجودين في سوريا، وتتراوح التقديرات بين ألف و5 آلاف.

وتهدد بعض المنظمات الجهادية الصين باستمرار ردًا على قمعها المستمر للمسلمين عندها، فعلى سبيل المثال في عام 2017، أعلنت مجموعة «الملحمة التكتيكية» أنها ستعمل لضرب أهداف في إقليم شينجيانج، وأعلنت أنّها جندت ودربت مقاتلين من الإيغور والهان، وهي مجموعة جهادية من خبراء عسكريين جهاديين، يعملون في سوريا، ويقدّمون خدمات قتالية وتدريبية.

واستعدادًا لهذه التهديدات المستمرة، وامتدادًا لسياسة قمع الإيغور، توقّع الصين اتفاقيات تسليم المجرمين منذ عام 1993 مع دول مختلفة حول العالم، لتوقّع حتى اليوم 36 اتفاقية، آخرها مع تركيا وكينيا، ولم يبدأ تنفيذ الاتفاقيات حتى اليوم مع الدولتين.

كانت سياسة باكستان تجاه الإيغور الفارين إليها مُنفتحة، حتى نهاية التسعينات عندما اضطرت للتقارب مع بكين، وبحسب سيجفريد وولف، الباحث في شؤون جنوب آسيا، فإنّ إحدى «المخاطر التي تنظر إليها بكين هي استخدام الإيغور للمناطق الباكستانية لزعزعة الاستقرار في غربي الصين، وبالتالي تتوقع الصين من باكستان التصرُّف بطريقة أكثر حزمًا ضد الميليشيات» الإيغورية، ولباكستان علاقة خاصةٌ بالصين، ومنذ عام 2010 كانت باكستان أكبر مشترٍ للأسلحة الصينية بحصة وصلت إلى 39% من سوق السلاح الصيني.

واليوم تعدُّ تركيا إحدى أهم ملاجئ الإيغور، ومع بداية عام 2021 انتشرت أخبار عن وصول الصين وتركيا لاتفاق لتسليم الإيغور، مقابل شحنات من اللقاح الصيني لفيروس كورونا، ولكنّ لم يصدق البرلمان التركي حتى الآن على اتفاقية التسليم التي وُقِّعت بين البلدين عام 2017 وصدَّقت عليها الصين نهاية عام 2020.

وقد صرّح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بأنّه حتى في حال مصادقة البرلمان فهذا «لا يعني أنّ تركيا سترحِّل أفرادًا من الإيغور إلى الصين»، ولكنّ تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تقل حدةً تجاه الانتهاكات الجارية في شينجيانج مع مرور الوقت، فبعد أنّ وصف أحداث القمع عام 2009 في شينجيانج بـ«الإبادة الجماعية»، نشرت وكالة الأنباء الصينية الرسمية أنّ أردوغان قال للرئيس الصيني – في زيارة له للصين عام 2019 – إن الأقليات الإثنية تعيش بسعادة في شينجيانج، ولم تنقل التصريح وسائل إعلام أخرى، ولكن لم تنفه السلطات التركية، وقد سبق هذه الزيارة بشهور تصريحٌ لوزارة الخارجية التركي يصفُ الوضع في الإقليم بأنه «عار كبير على الإنسانية».

Embed from Getty Images

الرئيس التركي رجيب طيب أردوغان مع الرئيس الصيني شي جينبينج عام 2015

ولكن الحقائق على الأرض تُعطي أحيانًا تفسيرات متضاربة للتصريحات التركية الأخيرة، فالقوات الإيغورية في سوريا تتلقى دعمًا من تركيا، وتوطِّن تركيا بعض أقليات الإيغور عندها بإعطائهم جوازاتٍ تركية، وربما يأتي هذا «التضارب» في السياسة الخارجية لأنقرة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، والتي تُحاول الموازنة بين الغرب، ممثلًا في الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، والولايات المتحدة، وبين الشرق: الصين وروسيا.

مشكلة بكين مع المقاتلين الخارجيين مُركَّبة، فالإيغور الصينيّون والهانيّون الذي انضموا للجماعات الجهادية في سوريا يمتلكون جوازاتٍ صينية، ويوجد إيغورٌ مجاهدون لا يحملون جوازات صينية وليسوا مسجَّلين في الصين، ويوجد جهاديون من دول وسط آسيا، بإمكانهم استهداف المصالح الصينية في الخارج، إما ردًا على الانتهاكات الصينية ضدّ الإيغور أو لتعزيز المشروع الانفصالي. الجنرال الصين «قين تيان»، نائب قائد قوة الشرطة المسلحة الشعبية الصينية، وهو جهاز مسؤول عن الأمن الداخلي و«مكافحة الإرهاب»، يقول إنّ مشكلة المقاتلين الخارجيين: متعددة المراكز ومشتتة.

متلحفةً بشعار «مكافحة الإرهاب»، تسعى بكين لزيادة مرافقها وقواعدها العسكرية في العالم، وأهم قواعدها تتواجد في جيبوتي، حيث يتواجد أيضًا على الأراضي الجيبوتية قواعد عسكرية لدولٍ أخرى مثل أمريكا، وفرنسا، واليابان. ووفقًا لماثيو داشتيل، وهو باحثٌ مختصٌ بالسياسات الأمنية الصينية، في كلمة له في جلسة حوارية عن تأمين طريق الحرير الصيني الجديد فإنّ التواجد العسكري لدول أخرى كان سبب اختيار بكين لجيبوتي، وتوجد قاعدة عسكرية للصين في طاجكستان لا تتحدث عنها بكين كثيرًا، وهدفها مراقبة الحدود بين أفغانستان وطاجكستان، فإحدى السيناريوهات التي تستعد لها الصين هي الهجمات «الإرهابية» على دول طريق الحرير، وكيف يجب على بكين التعامل مع مثل هذه المواقف لحماية مصالحها، وإثبات أنّها قادرة على قيادة المنطقة وتأمين تجارتها.

لماذا لم تصبح قضية الإيغور قضية جهاد عالمي؟

نعود إلى سؤالنا الأساسي: لماذا لم تصبح قضية الإيغور حرب جهاد عالمية؟ ربما لا نستطيع الإجابة بشكل شامل، ولكنّنا نستطيع أن نضع هذه النقاط الرئيسة التالية:

  • تحالفت الصين مع أمريكا عام 2001 في «الحرب على الإرهاب»، وبينما حاربت واشنطن الجهاديين في كل مكان بلا هوادة، ركّزت بكين ضغطها على الإيغور مستخدمةً نفس الذريعة، وساعدها الحرب على الإرهاب في إحكام قبضتها الأمنية على إقليم شينجيانج، ومع حدوث «تشوّش» في السياسة الدولية بعد غزو أفغانستان والعراق، تشتَّتت أنظار العالم، وخاصةً الولايات المتحدة، عن الإقليم الإستراتيجي الذي يتوسع منه نفوذ الصين نحو جواره.
  • كما يشرح التقرير، كان لجوّ الحرب الباردة أثرهُ على قضية الإيغور، وعلى غزو أفغانستان. فالغزو الروسي استدعى ردًا أمريكيًا بالدعم العسكري والمادي للمجاهدين الأفغان، وأيضًا بحثّ حلفاء واشنطن، مثل السعودية، على تمويل ودعم حركات جهادية جديدة للقتال ضد السوفيت، وفي حينه تعاونت الولايات المتحدة مع الصين الشيوعية على الأقل أمنيًا، لتحقيق مصالح مشتركة للدولتين. واليوم يختلفُ السياق الدولي بشكل كبير.
  • تحالفات أمريكا اليوم في الشرق الأوسط، وحولَ الصين، اختلفت عن تحالفاتها أثناء الحرب الباردة. إذ تشهد اليوم تذبذبًا مع حلفائها التقليديين الذين كانوا مستعدين للمساعدة والمشاركة في مغامراتٍ أمريكية ضدّ السوفيت، فدول مثل السعودية، وتركيا، توازنان اليومَ ضغوط واشنطن بالتقرُّب من بكين، وأحيانًا من روسيا، وأيضًا خسرت واشنطن حلفاء مهمين في منطقة شرق آسيا والشرق الأوسط، مثل إيران وباكستان، اللتين تميلان اليوم أكثر لصف بكين. على عكس الحالة في أفغانستان إبان الغزو السوفيتيّ، لا يتوفر اليوم دعمٌ إقليمي أو دوليّ للـ«حركة الجهادية» مثلما توفّر لها دعمٌ أمريكي وسعوديّ آنذاك.
  • دعم الولايات المتحدة للحركات الجهادية العالمية ارتدّ عليها؛ إذ بدأت علاقتها بهذه الجماعات في أفغانستان، وانتهت في هجمات سبتمبر داخل الولايات المتحدة، وضدّ الأمريكيين، لتدخل بعدها أمريكا في أطول حروبها في أفغانستان، بالتوازي مع غزو كبير في العراق.
  • استطاعت الصين تعميق تعاونها الأمني والتجاري مع دول المنطقة لتعزّز تأمين الإقليم ومنعًا لأي مواجهة محتملة فيه، وبالإضافة للاتفاقيات الأمنية التي ذكرناها في التقرير، وقَّعت 15 دولة آسيوية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 اتفاقية «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة»، ومن هذه الدول: الصين، واليابان، وأستراليا. بالإضافة لاتفاقية التعاون الاقتصادي الأخيرة مع إيران التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار، ومشاريع اقتصادية أخرى عديدة مثل إنشاء موانئ على شواطئ عُمان، ومضيق هرمز، وبعدما كانت طهران تلتزم الصمت تجاه انتهاكات الإيغور، تُشيد اليوم بعد توقيع الاتفاقية بمعاملة الصين لهم.

ختامًا انتهجَ الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب سياسةً صارمةً مع الصين، وكانت تصريحاته هو ووزير خارجيته مايك بومبيو لاذعة وناقدة لبكين في ملفات عدّة من بينها الانتهاكات ضد الإيغور، وقبل خروجه من وزارة الخارجية، ألغى بومبيو تصنيف حركة تركستان الشرقية من قائمة المنظمات الإرهابية، ويحاول الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن اتباع ذات النهج الصارم ضد بكين، فقد فرضت إدارة بايدن عقوباتٍ على مسؤولين صينيين بسبب «الإبادة الجماعية» ضد الإيغور، ولكن الظرف العالمي اليوم لا ينبئ بأن الولايات المتحدة مُقبلةٌ على دعم أي مغامرة «جهادية» أخرى اليوم.

وفي سياقِ إعلان بايدن موعد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في 11 سبتمبر (أيلول) 2021، عبَّرت الصين عن قلقها بسبب ما يمكن أنّ يؤديه الانسحاب من انفلاتٍ أمني في المنطقة عن طريق ما وصفته بكين بـ«القوات الإرهابية»، فكيف يبدو مستقبل المنطقة بعد انسحاب واشنطن؟ وهل ستوظف الولايات المتحدة قضية الإيغور للضغط على الصين، وإبطاء مشروعها التوسعي في المنطقة؟

تاريخ

منذ 7 شهور
أول جمهورية إسلامية.. قصة تركستان الشرقية التي قمعتها الصين والاتحاد السوفيتي

المصادر

تحميل المزيد