2,188

كون الإنسان عبقريًا يختلف اختلافًا واضحًا عن كونه شديد الذكاء. ربما يكون عدد الأشخاص الذي يملكون ذكاءً فطريًّا ليس بالقليل، لكن الكثير منهم لا يصلون بذكائهم إلى تحقيق إنجازٍ ثوريّ، فما يهم هنا هو الإبداع، والقدرة على استخدام هذا الذكاء وسعة الخيال في اتجاهٍ مفيد.

فرانكلين وأينشتاين وجوبز.. عباقرة رغم البداية المتواضعة

خذ هذا الرجل الذي تجد صورته على الدولار الأمريكي، «بنيامين فرانكلين»، مثالًا. كان هذا الرجل يفتقر إلى قوة المعالجة التحليلية الموجودة عند «هاملتون»، والعمق الفلسفي عند «ماديسون»، والثلاثة هم من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، ولكن مع القليل من التعليم الحكومي، استطاع فرانكلين أن يعلّم نفسه بنفسه، ليكون أفضل مخترع في عصر التنوير الأمريكي، بالإضافة إلى مساهماته في المجالات الدبلوماسية والعلمية والكاتبة والأعمال الاستراتيجية. فقد أثبت فقط من خلال تحليق طائرة ورقية أن البرق هو كهرباء، واستطاع اختراع قضيب لترويضه، كما ابتكر «فرانكلين» مواقد الاحتراق النظيفة، واستطاع تكوين الرسوم البيانية لتيار الخليج، واخترع النظارات ثنائية البؤرة، والآلات الموسيقية الساحرة.

اتبع «ألبرت أينشتاين» عالم الفيزياء الشهير، مسارًا مماثلًا، فقد كان بطيئًا في تعلم الكلام خلال فترة الطفولة، لدرجة أن والديه اضطرا لاستشارة الطبيب. وقد أطلقت عليه العاملة المنزلية في بيت العائلة لقب «dopey one»، والذي يعني الشخص البليد، كما كان أقرباؤه يصفونه بالمتخلّف بسبب مستواه الضعيف في التحصيل الدراسي في تلك الفترة من حياته.

اقرأ أيضًا: 5 حَقائِق لا تَعرِفها عن الفيزيائي «ألبرت أينشتاين»

كان أينشتاين يحمل تمردًا وُصف بأنه «صفيق» نحو السلطة، مما أدى إلى قيام أحد مدرسيه بإرساله لتعبئة المنتجات الصناعية في أحد المصانع عقابًا له، بينما كان مدرس آخر يستهزئ به عند الحديث عن الشخصيات التاريخية، قائلًا إن «أينشتاين» لا يمكن أن يصل إلى أي مكانة كبيرة إطلاقًا. لقد جعلت هذه الصفات كلها أينشتاين بمثابة النموذج لطفل المدرسة الحائر والمشتت.

ولكن ازدراء أينشتاين للسلطة قاده أيضًا للوصول إلى الحكمة التي تلقفها عبر طرق لم يتوصل إليها الأكاديميون ذوو الخبرة في الجامعات والأكاديميات، فبطء تطوره في التحدث اللفظي سمح له أن يراقب عجائب الظواهر اليومية التي كان ينظر إليها الآخرون بوصفها أمرًا بديهيًّا.

Embed from Getty Images

أينشتاين

يقول «أينشتاين» إن الأشخاص الكبار العاديين لا يزعجون رؤوسهم بمشاكل المكان والزمان، وأضاف: «لكنني تطورت ببطء شديد، وهو ما جعلني أبدأ في التساؤل عن المكان والزمان، عندما نضجت ووصلت إلى سن الشباب».

وبعد أن كان مفتشًا من الدرجة الثالثة في مكتب البريد السويسري بعد تخرجه في المركز الرابع من أصل خمسة طلاب في فصله بكلية الفنون التطبيقية في زيوريخ، كانت 1905 السنة التي أحدث فيها أينشتاين ثورة في فهمنا للكون من خلال التوصل إلى ركيزتين أساسيتين للفيزياء المعاصرة: نظرية النسبية والنظرية الكمومية. وقد فعل ذلك برفض أحد الافتراضات الأساسية التي قدمها «إسحاق نيوتن» في بداية كتابه الشهير «مبادئ الرياضيات»، وهو أن الزمن يسير في مسار للأمام ثانية بثانية، بغض النظر عن كيفية ملاحظتنا لهذا. الآن أصبح اسم «أينشتاين» وشكله بشعره المتناثر الغريب، رمزًا للعبقرية.

(وثائقي حول عبقرية أينشتاين)

ثم هناك «ستيف جوبز» مؤسس شركة «آبل»، مثل أينشتاين، الذي كان يسحب كمانه، ويقوم بأداء مقطوعات للموسيقي الشهير موزارت عندما كان يواجه عقبات في السعي وراء نظريات مختلفة، وهذه الموسيقى التي قال إنها ساعدته على إعادة التواصل مع الكون بانسجام. هو يعتقد أن الجمال أمر مهم، وأن الفنون والعلوم والإنسانية يجب أن تكون كلها على اتصال سويًا. بعد تركه الدراسة في الكلية، حضر جوبز دروس في تحسين الخط و والرقص قبل أن يسعى نحو التنوير الروحي في الهند، وهو ما يعني أن كل منتج قدمه، من ماكنتوش إلى أيفون، كان به نوع من الجمال الروحي المتعلق بالطبيعة، على عكس منتجات المنافسين له.

اقرأ أيضًا:مترجم: 5 أمور تثبت أن أينشتاين كان شخصًا عاديًا مثلك

عبقرية جوبز كانت واضحة للعيان من خلال سعيه نحو الإتقان الكامل، وهو ما انعكس بوضوح على منتجات شركة آبل. على سبيل المثال، أغرق جوبز أول نموذج للأيباد قدم له في حوض به ماء، ليستدل بالفقاعات المتصاعدة على وجود فراغات هوائية داخله.

جوبز تمكن من حصد قرابة 141 براءة اختراع حتى وفاته عام 2011، وقدراته التسويقية والإدارية كانت أحد أهم الأسباب وراء إعادة إحياء شركة آبل منذ التسعينات، ليستطيع بأسلوبه الخاص جذب أعداد كبيرة من المستهلكين تجاه العلامة التجارية الأشهر حاليًا.

دافينشي.. العبقرية لا تعني أن تكون أذكى شخص في العالم

تتبع سيرة العباقرة لا بد أن يقودنا إلى «ليوناردو دافينشي»، الذي يوصف بأنه أعظم عبقري إبداعي في التاريخ. مرة أخرى، هذا لا يعني أنه كان أذكى شخص في العالم، فدافينشي لم تكن لديه القدرة العقلية النظرية الخارقة لشخص مثل «نيوتن» أو «أينشتاين»، أو مهارات الرياضيات العبقرية مثل صديقه «لوكا باسيولي».

لكن ما يميز دافينشي هو أنه يمكنه أن يفكر بوصفه فنانًا وعالمًا، مما أعطاه شيئًا أكثر قيمة: القدرة على تصور المفاهيم النظرية بصريًّا. «باسيولي» توسّع في نظريات العالِم الرياضي اليوناني «إقليدس» لإنتاج دراسات مؤثرة في المنظور الرياضي والنسب الهندسية. ولكن الرسوم التوضيحية التي رسمها «دافينشي» هي التي جلبت إنتاجات «باسيولي» إلى الحياة، والتي كانت في نهاية المطاف أكثر أهمية.

على مر السنين، فعل الشيء نفسه في الجغرافيا؛ من خلال الخرائط ثلاثية الأبعاد الجوية التي وجهها إلى أمير الحرب سيزار بورجيا، وفي التشريح؛ من خلال رسوماته التي لا تنسى مثل Vitruvian Man وجنين في الرحم، وهو ما جعله يبتكر بعضًا من أعظم أعمال الفن في العالم.

تمامًا مثل «فرانكلين»، كان دافينشي يعتمد على نفسه في الدراسة إلى حد كبير، وهو المولود خارج نطاق الزواج الرسمي؛ مما يعني أنه لا يمكن أن يتبع تقاليد الأسرة ويحصل على «وظيفة راقية» كأن يصبح كاتبًا للعدل، كما لم يكن مؤهلًا لحضور واحدة من «المدارس اللاتينية» التي تدرس الكلاسيكية والإنسانية إلى أولئك الشباب المهذبين في وقت مبكر من عصر النهضة. ومثل «أينشتاين»، كان لدافينشي مشكلة مع السلطة، وكثيرًا ما بدا حسّاسًا عند وصفه بـ«رجل غير مثقف» كما وصف نفسه ببعض السخرية، وعُرف أيضًا بأنه غير صبور في تعامله مع المتكبّرين.

اقرأ أيضًا: أبرز 10 «عباقرة» عانوا من التوحد

لذلك تعلم دافينشي أن يتحدى التقاليد والعادات التي تعود عليها الناس، معتقدين أنها غير قابلة للنقاش والتساؤل، متجاهلًا نظام التدريس العتيق، وعقائد القرون الوسطى التي تراكمت عبر آلاف السنين منذ تراجع العلم الكلاسيكي، فيصف نفسه بأنه «تلميذ الخبرة والتجربة». وقد كان نهجه في حل المشاكل أقل ما يقال عنه: إنه ثوري، والذي انقلب على المنهج العلمي الذي وضعه منذ أكثر من قرن من الزمان «فرانسيس بيكون» و«غاليليو غاليلي». هذا المنهج الجديد استطاع به «دافينشي» أن يرتقي فوق أذكى أقرانه، أو كما يقول الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور: «إن الموهبة تضرب هدفًا لا يمكن لأحد أن يصيبه. لكن العبقرية تضرب هدفًا لا أحد يستطيع أن يراه من الأساس».

(عبقرية دافينشي)

وتمامًا مثل «أينشتاين»، كانت سمة دافينشي الأكثر إلهامًا هي فضوله، فالآلاف من الصفحات الخاصة بملاحظاته وكتبه التي ظلت باقية حتى يومنا هذا مليئة بالأسئلة، سواء عميقة كانت أو بسيطة، دوّنها كي يحاول الإجابة عنها. لقد أراد أن يعرف ما سبب تثاؤب الناس، وكيف سار الناس على الجليد في منطقة فلاندرز البلجيكية، وما هي الطرق المختلفة لرسم دائرة، وما الذي يجعل الصمام الأبهري (أحد الصمامات الرئيسية الموجودة بين القلب، وشريان الأورطي الذي يضخ الدم لجميع أنحاء الجسم) ينغلق، وكيف تتم معالجة الضوء في العين، وماذا يعني ذلك من منظور اللوحة المرسومة. ثقف «دافينشي» نفسه لمعرفة المزيد عن المشيمة الخاصة بالعجل، وفك التماسيح، وعضلات الوجه، وضوء القمر، وحواف الظلال، بل إنه حتى وصف لسان نقار الخشب. كان طموح «دافينشي» الكبير والنبيل هو معرفة كل شيء، كان يحتاج لمعرفة كل شيء ومحاولة إصلاح أي شيء.

اقرأ أيضًا: كيف تعزينا الفلسفة بشأن انكسارات قلوبنا؟ مؤاساة شوبنهاور للعشاق

لقد كانت الأسئلة الجريئة التي طرحها -حول مواضيع تبدو بديهية- مقدمة لمواضيع علمية بالغية الأهمية. خذ لون السماء على سبيل المثال؛ نحن نراه كل يوم تقريبًا، ولكن بعد فترة الطفولة، توقف معظمنا على التساؤل عن السبب وراء هذا اللون، لكن «دافينشي» ظل يتساءل باستمرار، وكتب صفحة بعد صفحة في دفتر ملاحظاته في محاولة لاستكشاف كيف يتشتت الضوء من بخار الماء فيخلق عدة ظلال ضبابية أو نابضة بالحياة من اللون الأزرق. أينشتاين كان في حيرة حول هذا السؤال أيضًا، حتى تمكن من العمل على صيغة رياضية حول تشتت طيف الضوء.

ما يميّز «دافينشي» أيضًا هو أنه لم يتوقف عن الرصد، فعندما زار الخندق المائي المحيط بقلعة ميلان، قال إنه نظر إلى حشرة اليعسوب الطائرة ذات الأربعة أجنحة، ولاحظ كيف أن أجنحة هذه الحشرة تتناوب على الحركة، وعندما سار في جميع أرجاء المدينة، تتبع كيف أن تعبيرات الوجه الخاصة بالناس الذين يتحدثون تتعلق بمشاعرهم، أيضًا عندما رأى الطيور، لاحظ أن بعضها تستطيع رفرفة جناحيها إلى الأعلى أسرع من الأخرى، ولاحظ من منها تمكنت من التحليق صعودًا أسرع من التحليق هبوطًا، ومن التي فعلت العكس، ولاحظ أيضًا كيفية تناثر الدوامات عندما سكب الماء في وعاء. كان «دافينشي» يلاحظ كل شيء مهما بدا بسيطًا.

Embed from Getty Images

لوحة Vitruvian Man المميزة لدافينشي

ومثل «فرانكلين» الذي أبحر إلى إنجلترا في سن المراهقة هربًا، وقام باستغلال رحلته لقياس درجة حرارة تيارات المحيطات، وبالتالي أصبح أول شخص يرسم تيار الخليج بدقة، لم يتمكن دافينشي من مقاومة دراسة الزوابع الهوائية عندما كان يخرج في رحلاته أيضًا.

وأدت هذه الملاحظات إلى خلق بعض من أكثر لوحاته الفنية الرائعة، فمن تموجات نهر الأردن حول كاحلي يسوع في «معمودية المسيح» إلى رسومات «الطوفان» القوية المزعجة. وقد كان أيضًا أول شخص يشرح كيف أن دوامات الدم في القلب هي التي تتسبب في إغلاق الصمام الأبهري، ولا ننسى رسمته الشهيرة «Vitruvian Man»، وهو العمل التشريحي الدقيق جنبًا إلى جنب مع الجمال المذهل، والتي أصبحت الرمز البارز في اتصال الفن والعلوم.

عبقرية المجال الواحد.. وعبقرية الجمال في كل مكان

بعض الناس عباقرة بالفعل في مجال معين، مثل «ليونارد يولر» في الرياضيات، أو «موزارت» في الموسيقى، لكن هناك عباقرة هم الأكثر إثارة للاهتمام، وهم الذين يرون أنماطًا عبر جمال الطبيعة اللا نهائي. امتد تألق دافينشي لتخصصات متعددة؛ فقام بتقشير اللحم من وجوه الجثث، ورسم العضلات التي تحرك الشفاه ليتمكن من رسم هذه الابتسامة التي لا تنسى في لوحة «الموناليزا». ودرس الجماجم البشرية، وقدم رسومًا لطبقات العظام والأسنان، ليقدم لنا في النهاية لوحة «St. Jerome in the Wilderness». استكشف الرياضيات الخاصة بالبصريات، وأظهر كيف أن أشعة الضوء تضرب القرنية، لينتج لنا هذه الأوهام السحرية من تغيير زاوية الرؤية في لوحة «العشاء الأخير».

Embed from Getty Images

(الموناليزا ليست مجرد لوحة عادية)

يوجد الكثير من ذوي المواهب والاهتمامات المتعددة، وعصر النهضة كان عامرًا بهم في مختلف المجالات؛ لكن لم يتمكن أحد هؤلاء المميزين من تقديم منتج مثل «الموناليزا»، قلة شديدة هم الذين تمكنوا من إنتاج «الموناليزا»، وفي نفس الوقت إنتاج رسومات التشريح غير المسبوقة على أساس التشريح المتعدد الطبقات، وتقديم مخططات لتحويل مجرى الأنهار، وشرح انعكاس الضوء من الأرض إلى القمر، وتصميم الآلات الموسيقية، وتصميم المجلات، واستخدام الحفريات لحسم النزاع على أحد الكتب المقدسة، ثم رسم الطوفان.

اقرأ أيضًا: امرأة أخرى في لوحة الموناليزا.. تعرف إلى أسرار خفية في أعمال فنية شهيرة

كان «دافينشي» عبقريًا، عبقريته هذه لم تكن ببساطة لأنه كان ذكيًا. لكن الأهم من ذلك كله أنّ «دافينشي» كان مثالًا للفضول الذي لا يشبع، والذي يريد معرفة كل شيء، أكثر من أي شخص آخر في التاريخ.

يمكننا القول في النهاية إن الصفات التي تجمع العباقرة معًا تتركز في القدرة على تصور الأمور النظرية تصورًا بصريًّا، وبالتالي منحها بعدًا مميزًا، بالإضافة إلى نهم شديد لا يتوقف في أي لحظة للمعرفة والاستكشاف حتى في أغرب الظروف وأصعبها.