أنا مستعد لملء الفراغ في القيادة العالمية الناجم عن تحول الولايات المتحدة الأمريكية للداخل أكثر من كونها قوة عالمية.

هكذا عبّر الرئيس الصيني شي جين بينج صراحةً عن نيته لوضع الصين في قيادة دول العالم، مُعلنًا طموحاته للهيمنة على المستوى الدولي، وذلك في يناير (كانون الثاني) 2017؛ إذ تسعى الصين لفرض سيطرتها، والهيمنة على المجتمع الدولي؛ فهي تعلم أنه بتحسين علاقاتها مع الدول الأخرى، وخاصةً الدول الأوروبية مثل فرنسا على سبيل المثال، فإنها بذلك تعمل على تحسينها مع الاتحاد الأوروبي بأكمله، خاصةً في ظل التنبؤات لماكرون بقيادة الاتحاد في الوقت القريب، متفوقًا حتى على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

الصين والولايات المتحدة الأمريكية، كلتاهما قوتان عظميان اقتصاديًّا، وسياسيًّا، ودوليًّا، ولكنهما مختلفتان في العديد من الأمور الخاصة بالنظام الدولي، والمحلي، والعسكري، والاقتصادي، والقدرة والسعي إلى الهيمنة، وهو ما سبَّب عددًا من الأزمات بين البلدين على مدار السنوات.

ومع قدوم الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، فإن هذه الأزمات ما زالت موجودة ومتجددة، وفي هذا التقرير، يحاول «ساسة بوست» أن يوفِّر لقراءه ملخص العلاقة بين الولايات المتحدة والصين في الوقت الحاضر، مع الإجابة على التساؤل الخاص بأسباب كره الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، للصين والخوف منها.

1- تثبيت سعر صرف اليوان الصيني وغزو الأسواق العالمية

من المعروف عن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أنه يتخذ العديد من قراراته من منطلق مهنته الأولى قبل أن يصبح رئيسًا للوليات المتحدة؛ إذ إنه ينطلق في أحيانٍ كثيرة من مصلحته الشخصية، القائمة بالأساس على رأس المال، وذلك نظرًا إلى كون ترامب رجل أعمال في الأساس، قبل أن يكون رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي، فإنه ينظر إلى الصين باعتبارها قوة اقتصادية منافسة بقوة للولايات المتحدة الأمريكية من الناحية الاقتصادية.

في الحادي عشر من أغسطس (آب) 2015، قرر البنك المركزي الصيني -المسمى بنك الشعب الصيني-، تخفيض قيمة العملة الصينية «اليوان» بنسبة 2% في مقابل الدولار الأمريكي، لأول مرة منذ ثلاث سنوات، وذلك من أجل تعزيز صادراتها، واتخاذ خطوة أكبر وأقرب إلى أن يصبح اليوان عملة رسمية احتياطية في العالم.

وكانت بيانات الإنتاج الصناعي والاستثمار، وبيانات مبيعات التجزئة حينها في الصين، قد وصلت إلى أضعف مستوياتها؛ أضعف مما كان متوقَّعًا حينها؛ إذ تراجعت قيمة الصادرات الصينية قبل القرار بنسبة 8.3%، وهو الانخفاض الأكبر خلال السنوات الست الأخيرة، بعد سلسلة من النجاحات، وزيادة أرقام نمو الناتج الصيني خلال عام 2014. هذا الانخفاض واجه السلطات الصينية بضغوطات مكثفة لمعالجة تباطؤ النمو الاقتصادي لثاني أكبر اقتصاد في العالم، وعمل تغييرات جذرية في السياسات الاقتصادية، وهو ما أنتج القرار الصيني بخفض قيمة عملتها أمام الدولار.

وبعد ارتفاع قيمة الدولار بشكل عام في 2014 لأول مرة منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، أثر ذلك في المنتجات الصينية المحلية، والدولية؛ فقد أدى إلى زيادة الاحتياج إلى المنتجات المحلية أكثر من الصادرات الصينية، مما أثر في قيمة صادرات الصين مع حلفائها الآخرين، خاصةً كوريا الجنوبية واليابان.

ومنذ حملته الانتخابية، لم يُفوِّت الرئيس الأمريكي مناسبة تخص الاقتصاد الأمريكي من أجل انتقاد الصين، وسياساتها الاقتصادية والتجارية، فبعد تثبيت سعر صرف اليوان أمام الدولار الأمريكي في يناير 2017، فإن الصين بذلك عملت على تثبيت قوة العملة الصينية وسيطرتها مقابل الدولار؛ إذ إن بكين التي تتحكم في اليوان، لا تسمح له بالهبوط أو الارتفاع، بأكثر من 2% يوميًّا، وذلك لمنع تقلبات العملة، والاحتفاظ بالسيطرة عليها.

تخفيض سعر العملة، أو حتى تثبيت سعر الصرف، شكَّل تخُوفًا رئيسيًّا للرئيس ترامب، ومن قبله الرئيس أوباما؛ إذ إن الصين بذلك تدعم منتجاتها المختلفة في الأسواق العالمية، وذلك من أجل غزوها؛ فذلك يؤدي إلى زيادة صادرات الصين باعتبار أن منتجاتها ذات أسعار أرخص من مثيلتها الأمريكية، كما أنه يؤثر بشدة في الصادرات الأمريكية، ويقلل العائد من صادرات الولايات المتحدة، وهو ما سبب تخوُفًا للرئيس ترامب، وذلك نظرًا إلى أنه يزيد من قيمة العجز التجاري بين البلدين.

ووفقًا لعدد من التقارير الاقتصادية التى توضح حجم التبادل التجارى بين أمريكا والصين، بلغت قيمة الواردات من الصين إلى أمريكا خلال العام الماضى 463 مليار دولار، مقابل صادرات 116 مليار دولار، بعجز تجارى وصلت قيمته إلى 347 مليار دولار، أي بنسبة 60% من إجمالى العجز التجارى الأمريكي.

وكان ترامب قد ذكر في أبريل (نيسان) 2017 أنه يجب تسمية الصين بدولة «تتلاعب بالعملة»، بالإضافة إلى شروعه في إصدار رسوم جمركية عقابية تُقدَّر بـ45% على الواردات الصينية، وهو ما كان قد وعد به أثناء حملته الانتخابية ضمن وعوده في أول 100 يوم من رئاسته للولايات المتحدة الأمريكية.

2- التحالف الصيني الفرنسي.. اتفاقية باريس للتغير المناخي

في الأول من يونيو (حزيران) 2017، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للتغير المناخي، وهي الاتفاقية المهمة التي وُقعت في 2015 لمكافحة تغير المناخ، مُنفذًا بذلك وعدًا رئيسيًا قطعه خلال حملته الانتخابية، غير أن القرار قوبل بإدانات من العديد من دول العالم، بما فيهم حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية أنفسهم.

وقال ترامب، مستخدمًا عبارته الأكثر شيوعًا «أمريكا أولًا» التي رددها عندما فاز بالرئاسة العام الماضي، إن اتفاقية باريس ستقوض الاقتصاد الأمريكي، وستكلف الولايات المتحدة وظائف، وستضعف السيادة الوطنية الأمريكية، وستضع البلاد في موقف سيئ دائم مقارنة بباقي دول العالم، قائلًا: «لا نريد أن يهزأ بنا الزعماء الآخرون والدول الأخرى بعد اليوم».

اقرأ أيضًا: الصين تعطي ترامب درسًا في التاريخ.. الاحتباس الحراري ليس خدعة صينية

وعن الصين، أكد ترامب حينها أن: «نفس الدول التي تطلب من الولايات المتحدة الأمريكية البقاء في الاتفاقية هي الدول التي تكلف الولايات المتحدة تريليونات الدولارات من خلال ممارسات تجارية قاسية»، وذلك في إشارة إلى الصين، وانتقد ترامب الاتفاقية التي تشارك فيها 195 دولة، والتي بموجبها كانت على الولايات المتحدة الحد طوعًا من انبعاثاتها الكربونية. وكان ترامب قد صرَّح في عام 2012، أن التغير المناخي يشكل مفهومًا اخترعته الصين لجعل الشركات الأمريكية أقل قدرة على المنافسة. وقد أدى انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية، ومعارضتها لاتفاقية باريس، إلى حدوث العديد من التوترات بينها وبين عدد من الدول الأوروبية، والقوى الكبرى، وعلى رأسها فرنسا، والتي كانت منبع الاتفاقية.

اقرأ أيضًا: هل يتحالف ماكرون مع «التنين الصيني» لإنهاء زمن الهيمنة الأمريكية؟

الجدير بالذكر أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عمل خلال الشهر الماضي على الاتحاد مع الصين، وذلك من أجل عدة قضايا، أبرزها أزمة خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاقية، بل عملت فرنسا والصين على انتقاد الرئيس الأمريكي خلال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي جرى في نهاية الشهر الماضي بسبب ذلك الأمر، وبذلك تنضم الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدولتين الوحيدتين اللتين لم توقعا على الاتفاقية؛ وهما: سوريا، ونيكاراجوا.

3- الملكية الفكرية.. الصين تربح المليارات من الإبداع الأمريكي

في 14 أغسطس 2017، قرر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فتح تحقيقات تجارية في الممارسات المتعلقة بالملكية الفكرية في الصين، ونقل التقنيات الأمريكية إلى الصين دون مراعاة حقوق الملكية الفكرية الأمريكية، وهو ما أنذر حينها بحرب تجارية بين البلدين.

وقد وجَّه ترامب طلبه إلى الممثل التجاري للولايات المتحدة الأمريكية، روبرت لايتهايزر، والذي أكد أن الرئيس ترامب طلب منه «النظر في القوانين والسياسات والممارسات الصينية التي يمكن أن تضر بحقوق الملكية الفكرية والابتكار والتطور التقني الأمريكي».

ومنذ أغسطس الماضي، وحتى منتصف يناير 2018، لم نسمع بنتائج هذا التحقيق، إلى أن أعلن الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة تدرس فرض غرامة كبيرة على الصين، وذلك بعد انتهاء التحقيقات حول انتهاك الصين حقوق الملكية الفكرية الأمريكية، وأوضح ترامب أن إدارته ستتخذ إجراءً تجاريًا انتقاميًا ضد بكين في وقتٍ قريب.

اقرأ أيضًا: تستحوذ الصين على ثلثها، ما هي الدول الأكثر طلبًا لبراءة الاختراع في العالم؟

وفي مقابلة مع وكالة رويترز، قال ترامب، ومستشاره الاقتصادي، جاري كوهن، إن بكين أرغمت شركات أمريكية على نقل ملكيتها الفكرية إلى الصين في إطار تكلفة تنفيذ أعمال هناك، ولم يحدد ترامب تفاصيل هذه الغرامة أو قيمتها، غير أن البند 301 من القانون التجاري الأمريكي الصادر عام 1974، والمتعلق بالملكية الفكرية، والذي كان يستخدم بكثافة في ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، يسمح للرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية أو قيود تجارية أخرى بشكل أحادي ضد دول أجنبية.

الجدير بالذكر أن عددًا من الشركات الأمريكية خسرت مئات المليارات من الدولارات، وملايين الوظائف، والتي ذهبت إلى شركات صينية استولت على أفكارها أو برمجياتها، أو أجبرتها على تسليم حقوق للمكلية الفكرية لتنفيذ الأعمال في الصين. من جانبه، قال ترامب إنه يريد أن تكون للولايات المتحدة علاقة جيدة مع الصين، لكن يجب على بكين أن تعامل الولايات المتحدة بإنصاف.

4- الصين تساند طهران.. الاتفاق النووي الإيراني

من أحد أبرز النقاط الخلافية بين الولايات المتحدة والصين هي أزمة الاتفاق النووي الإيراني؛ إذ إن الاتفاق الذي عُقد عام 2015، جرى بين إيران وست قوى عالمية رئيسية، هي: الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، والصين، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، وبالتالي فإن الصين جزء من هذا الاتفاق، في الوقت الذي يعارض فيه ترامب الاتفاق بأكمله.

(قادة الدول الكبرى وقت توقيع الاتفاق النووي مع إيران- المصدر: وكالة الأنباء الفرنسية)

وقد عارض ترامب الاتفاق منذ بدايته، وقبل توليه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ إنه أعلن رفضه للاتفاق حتى من قبل بداية حملته الانتخابية؛ واصفًا إياه بالمُحرج للولايات المتحدة الأمريكية، فبالرغم من اعتبار الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، أن الاتفاق هو أحد إنجازاته، إلا أن ترامب لا يعتبره كذلك؛ إذ صرَّح ترامب في السادس والعشرين من أغسطس 2015، بأن إدارة أوباما عجزت عن التفاوض مع إيران، وأنها أرسلت مفاوضًا «شارك في سباق للدرجات الهوائية وكسر رجله وعمره 73 عامًا»، وذلك في إشارة إلى وزير الخارجية الأمريكي السابق، جون كيري. كما أكد ترامب أن العالم كله بسبب الاتفاق سيتعاون مع إيران، ويتبادلون الكثير من التجارة، وسيجنون جميعًا الكثير من الأموال، ولن تجني الولايات المتحدة شيئًا من كل هذا بسبب هذا الاتفاق.

اقرأ أيضًا: كل ما تريد معرفته حول الاتفاق بشأن برنامج إيران النووي: 7 أسئلة تشرح لك

وقال ترامب في التاسع من سبتمبر (أيلول) 2015: إنه «لطالما أبرمت العديد من الاتفاقات الممتازة على مدار سنوات حياتي، ولكني لم أجد أي اتفاق على الإطلاق كانت فيه تنازلات كبيرة مثل تلك التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الاتفاق»، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية السابقة جعلت الأمريكيين يبدون كالحمقى، قائلًا حينها، وقت حكم الرئيس أوباما وتوقيع الاتفاق: «يحكمنا في الولايات المتحدة مجموعة من الأغبياء».

وقد وعد ترامب مؤيديه أنه سيعيد النظر في الاتفاق في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية عام 2016، وهو ما يحدث الآن؛ فلم يستقر ترامب حول رأي معين بخصوص الاتفاق، ولكنه عاد في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ليهاجم الاتفاق، ويؤكد أنه «اتفاق سيئ للغاية»، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لم تجنِ منه شيئًا، وأنها «أبرمته من منطلق ضعف، في حين أننا نتمتع بالكثير من القوة».

اقرأ أيضًا: من سيكون الخاسر الأكبر إذا ألغى ترامب الاتفاق النووي مع إيران؟

غير أن المفاجأة أن ترامب أبقى على الاتفاق في 13 يناير 2018، حيث أكد أنه أعطى الاتفاق «فرصة أخيرة»، وذلك بالموافقة على استمراره، مع استمرار تجميد العقوبات السابقة بموجب الاتفاق، لكنه قرر في الوقت نفسه فرض عقوبات جديدة مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، وبرامج تطوير الصواريخ على 14 فردًا وكيانًا إيرانيين.

وأكد ترامب أن هذه هي المرة الأخيرة التي سيوافق فيها على قرار تجميد العقوبات بموجب الاتفاق النووي، إذ يحتاج القرار إلى تجديد الموافقة عليه كل 120 يومًا؛ قائلًا: «رغم رغبتي الشديدة في الانسحاب من الاتفاق، إلا أنني لم أفعل ذلك بعد، وحددت مسارين للتقدم: إما إصلاح الأخطاء الكارثية في الاتفاق، وإما تنسحب منه الولايات المتحدة».

وكانت الصين قد عارضت بشدة تهديدات ترامب المتكررة بالانسحاب من الاتفاق؛ إذ أكدت أنها تأمل أن يبقى الاتفاق النووي مع إيران ساريًا، وذلك نظرًا إلى أنه يلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على السلام؛ إذ قالت هوا تشون ينج، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية في بكين، إن الاتفاق النووي مع إيران يعد مثالًا جيدًا على كيفية حل مشكلة بشكل سلمي عن طريق المحادثات، مشيرةً إلى أن الاتفاق لعب دورًا إيجابيًّا مهمًّا في ضمان منع الانتشار النووي، وحماية السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

5- بحر الصين الجنوبي.. صراع الجبابرة

تعتبر أزمة بحر الصين الجنوبى إحدى أبرز قضايا الخلاف بين الصين والمجتمع الدولي، كما أنها تمثل واحدة من أكثر القضايا الإقليمية والعالمية تعقيدًا في الوقت الحالي، وذلك بسبب تضارب المصالح بين أطرافها، وتدخل قوى عظمى كالولايات المتحدة وأستراليا واليابان في الأزمة لفرض السيطرة والتضييق على الصين.

(خريطة توضح مناطق النزاع في بحر الصين الجنوبي- المصدر: بي بي سي)

وتتنازع ست دول مطلة على بحر الصين الجنوبي، وهي: الصين، وفيتنام، والفلبين، وتايوان، وماليزيا، وبروناي، على سيادة البحر، والممرات المائية المختلفة فيه؛ إذ إن هذه الأزمة قد اندلعت منذ عدة قرون، ولكن التوترات في المنطقة تصاعدت في الآونة الأخيرة.

التوترات الأخيرة جاءت بسبب استمرار وإصرار الصين على تأكيد سيادتها على أجزاء واسعة من البحر؛ إذ أعلنت أحقيتها بنحو نصف البحر الجنوبي، والذي يشكل ممرًا لما قيمته 5 تريليونات دولار من التجارة البحرية العالمية السنوية، كما يُعتقد أيضًا أنه غني باحتياطي النفط والغاز، مما دفعها لبناء عدد من الجزر الصناعية في أماكن مختلفة في البحر لفرض سيطرتها عليه.

اقرأ أيضًا: بحر الصين الجنوبي: الصراع البارد بين الصين والولايات المتحدة

وتصطدم مطالبات الصين بمطالبة كل من فيتنام والفلبين وماليزيا وبروناي بحصص في المنطقة، وهي الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروفة باسم «آسيان»، وفي هذا الوقت، تدخل عدد من القوى الكبرى لدعم الدول المتنازعة ضد الصين؛ إذ استنكرت كل من الولايات المتحدة وأستراليا واليابان بناء بكين الجزر.

يأتي ذلك بالرغم من تأكيد الولايات المتحدة أنها لا تنحاز لطرف ضد آخر في النزاعات الإقليمية، غير أن واشنطن أرسلت عددًا من السفن الحربية، والطائرات العسكرية إلى المناطق القريبة من الجزر المتنازع عليها، في عملية أطلق عليها اسم «عملية حرية الملاحة»، في الوقت الذي اتهمت فيه الصين الولايات المتحدة بأنها تعمل على «عسكرة بحر الصين الجنوبي»، وهو ما رفضته واشنطن.

وقد بررت الولايات المتحدة ذلك بأن هذه العملية تهدف إلى إبقاء طرق الملاحة البحرية والجوية مفتوحة للجميع، غير أن هذا الأمر رفضته بكين بشدة، وترى أنه بمثابة تهديد للأمن والسلم في المنطقة، في وقت ينظر فيه مراقبون إلى الأزمة باعتبارها اختبارًا رئيسيًّا للمنافسة الصينية الأمريكية من الدرجة الأولى، إذ تتصاعد القوة العسكرية للصين، خاصة قوتها البحرية، وتحاول الولايات المتحدة تقييد تلك القوة للحفاظ على تفوقها الإقليمي والعالمي.

من جانبه، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في يوم 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، استعداده للتوسط بين الأطراف المطالبة بالسيادة في بحر الصين الجنوبي، مؤكدًا أن موقف الصين بشأن بحر الصين الجنوبي، ومطالبة بكين بالسيادة عليه كله تقريبًا يعد مشكلة كبيرة، مشيرًا في الوقت نفسه أنه «وسيط ومحكم جيد جدًا».

6- محاولة تحييد الصين.. أزمة كوريا الشمالية

تعتبر أزمة كوريا الشمالية هي أكثر القضايا التي تُؤِّرق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وتشغل باله؛ إذ إن العالم في ترقب طوال الوقت لقرارات ترامب تجاه كوريا الشمالية، التي قد تؤدي في أي لحظة إلى اندلاع حرب نووية لن يسلم منها أحد.

وبخصوص هذه الأزمة، فإن الولايات المتحدة تعمل على تحييد خلافاتها السياسية مع الصين، ولو مؤقتًا، من أجل حل أزمة كوريا الشمالية، فبالرغم من وجود العديد من الخلافات بين الولايات المتحدة والصين كما ذكرنا في هذا التقرير، إلا أن الأولوية تأتي لأزمة كوريا الشمالية، مما قد يدفع ترامب للتنازل عن الحديث عن القضايا الخاصة بالولايات المتحدة والصين على حساب التركيز على القضية الأكبر ذات الأولوية له، وهي قضية الأسلحة النووية الخاصة بكوريا الشمالية.

الأزمة النووية بين الولايات المتحدة، وكوريا الشمالية كانت قد بدأت منذ سنوات، غير أن ظهورها على الساحة مرة أخرى أثناء حكم ترامب لم يكن بسبب الولايات المتحدة، وإنما جاء من طرف كوريا الشمالية، إذ أجرت كوريا الشمالية في 22 مارس (آذار) 2017 الماضي تجربة صاروخية جديدة مُنيت بالفشل، في الوقت الذي أعلنت فيه بيونج يانج أن هذه التجربة كانت تمرينًا لقصف القواعد الأمريكية في اليابان.

وبالرغم من فشل هذه التجربة، وبرغم التقارب بين الصين وكوريا الشمالية، إلا أن وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيليرسون، أعلن خلال زيارته الصين، المجاورة لكوريا، أن التحالف مع الصين ضد كوريا سيصل إلى أقصى درجاته، في مواجهة كوريا الشمالية؛ محاولًا إقناع الصينيين بتعزيز الضغط على كوريا الشمالية، ومشيرًا إلى أن الخيار العسكري مطروح دائمًا في مواجهة عائلة كيم يونج أون، الرئيس الكوري الشمالي.

(وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيليرسون، والرئيس الصيني، شي جين بينج)

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنت في التاسع من أبريل 2017، توجه حاملة طائراتها كارل فينسن مع سربها الجوي إلى منطقة شبه الجزيرة الكورية، والتهديد بضربة عسكرية أحادية الجانب ضد كوريا الشمالية، وهو ما دفع الصين، المقربة من كوريا الشمالية، وكوريا الجنوبية، المقربة من الولايات المتحدة، لإجراء محادثات عاجلة لمناقشة هذا التحرك، ومناقشة برنامج التسلح النووي لبيونج يانج، والذي يشكل مصدر قلق لجميع الأطراف في المنطقة؛ إذ اتفقوا في الأخير على فرض عقوبات أكثر صرامة على كوريا الشمالية في حال أجرت تجارب نووية، أو بالستية جديدة.

وكان الرئيس الصيني شي جين بينج، قد أجرى عدة اتصالات مع نظيره الأمريكي، مؤكدًا أن العلاقات الصينية الأمريكية، والمعاهدات التجارية بينهما ستصبح بأفضل حال في حالة تعاونهما معًا لحل أزمة كوريا الشمالية، ومؤكدًا ثقته بأن الصين قادرة على التعامل مع كوريا الشمالية، وإن لم تفعل ذلك، فإن الولايات المتحدة قادرة على التعامل مع كوريا وحدها.

ويسعى ترامب للتحالف مع الصين من أجل حل الأزمة، أو على الأقل لتحييدها وعدم تدخلها في حال تدخل أمريكا عسكريًّا في كوريا الشمالية، وذلك يعود إلى القوة العسكرية الكبيرة التي تمتلكها الصين؛ إذ يتم تصنيف الجيش الصيني على أنه ثالث أقوى جيوش العالم، وذلك بعد كل من الولايات المتحدة وروسيا، ومن الناحية العددية، فإن الصين تحتل المركز الأول في العالم من حيث إجمالي عدد الجنود في الخدمة، يليها الولايات المتحدة ثم الهند، وكوريا الشمالية، وهي الدول الأربعة الوحيدة التي كسرت حاجز المليون جندي في الجيش، في الوقت الذي وصل فيه عدد جنود الجيش الصيني إلى أكثر من مليوني جندي. أمَا بالنسبة لقوات الاحتياط في الجيش، فإن الصين تحتل المركز الخامس خلف كل من فيتنام وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وروسيا.

اقرأ أيضًا: القوة العسكرية الصينية: التوزيع والتسليح والمهام والعقيدة القتالية

تحالف الولايات المتحدة مع الصين في ما يخص كوريا الشمالية يقوى تارة، ويضعف تارة؛ إذ أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 16 نوفمبر 2017، بما اعتبره «خطوة عظيمة» اتخذتها الصين تجاه كوريا الشمالية؛ وذلك بعد أن أرسلت مبعوثًا لها إلى كوريا الشمالية لبحث الأزمة النووية مع الولايات المتحدة، غير أنه عاد بعد حوالي شهر فقط من هذا التصريح، وتحديدًا في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2017، ليؤكد أنه يشعر بخيبة أمل كبيرة بسبب سماح الصين بوصول النفط إلى كوريا الشمالية، مشيرًا إلى أنه لن يكون هناك حل ودي لأزمة كوريا الشمالية إذا استمر هذا الأمر.

7- الصراع على القارة الآسيوية.. الصين تستغل الكسل الأمريكي

على الرغم من سعي واشنطن لتحقيق علاقة تعاونية مع بكين في ما يتعلق بالحد من الانتشار النووي وأزمة كوريا الشمالية، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يلقي بالًا للسياسة الخارجية بقدر ما كان يفعله الرؤساء الأمريكيون السابقون، رافعًا شعار «أمريكا أولًا» قبل كل شيء، وبالتالي فإن ترامب يعتقد أن انشغال الولايات المتحدة يجب أن يكون متعلقًا بالسياسة الداخلية قبل أي شيء؛ إذ يعتبر أن السياسة الداخلية الأمريكية هي الممثل الوحيد للمصالح القومية الأمريكية.

Embed from Getty Images

وفي الوقت نفسه، يهمل ترامب الجهود المنهجية المتزايدة التي تقوم بها الصين لتغيير توازن القوى في آسيا بشكل جذري، والحد من حيوية نظام التحالف الأمريكي- الآسيوي، وإثناء وإبعاد الولايات المتحدة الأمريكية، وحل محلها هناك لكي تصبح الصين هي القائد الآسيوي كبداية لمشهد قيادتها للعالم؛ إذ ذكرت صحيفة «إيكونوميست» البريطانية أن الرئيس الصيني، شي جين بينج، هو الأكثر تأثيرًا في العالم أي أكثر من نظيره الأمريكي الحالي، دونالد ترامب.

اقرأ أيضًا: «إيكونوميست»: أقوى رئيس في العالم.. كيف أصبح الرئيس الصيني أكثر نفوذًا من ترامب؟

وهناك أهداف عديدة للصين من أجل تحقيق هذا الأمر، والوصول إلى منصب قائد آسيا، إلى العمل كقوة ناعمة، كما أطلق عليها عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي؛ إذ إنها تعمل على مختلف الجوانب، من أجل تحقيق الهيمنة، وتتمثل هذه الأهداف في أن تحل الصين محل الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة المحورية في آسيا، بالإضافة إلى إضعاف نظام التحالف الأمريكي مع الدول المختلفة في آسيا، وذلك عن طريق التقليل من ثقة الدول الآسيوية في المصداقية والموثوقية والقوة المستدامة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن استخدام القوة الاقتصادية الصينية لجذب الدول الآسيوية أقرب نحو تفضيلات السياسة الجيوسياسية لجمهورية الصين الشعبية.

Embed from Getty Images

كما أنها تسعى إلى زيادة القدرات العسكرية لدى جمهورية الصين الشعبية لدعم وتعزيز الردع ضد التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة، وإلقاء الشكوك حول نموذج الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي، لتثبت أن تجربتها الاقتصادية هي الأولى بالأخذ في الحسبان، بالإضافة إلى العمل على ضمان عدم تقليل القيم الديمقراطية الأمريكية من إحكام الحزب الشيوعي الصيني لسيطرته على السلطة الداخلية، كل هذا إلى جانب تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية في العقد القادم.

8- صداع في عقل أمريكا.. الصين وطموح الهيمنة الدولية

من أبرز التخوفات لدى الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، هو رغبة الهيمنة الدولية والإقليمية لدى الصين، وهو التخوف الذي لاحق الرئيس السابق باراك أوباما أيضًا.

Embed from Getty Images

سعي الصين للسيطرة على المجتمع الدولي لم يأتِ من فراغ، وإنما عملت له الصين كثيرًا على مدار السنوات القليلة الماضية، ومنذ بداية القرن الحالي؛ إذ إنها سعت للريادة في العديد من المجالات التي تشكل الأزمات الكبرى في العالم في الوقت الحالي؛ كمجال البيئة، والتغير المناخي، فضلًا عن قيادتها لاقتصاد القارة الآسيوية.

اقرأ أيضًا: كيف تغير الصين النظام العالمي

أساتذتا العلوم السياسية، روبرت بلاكويل، وآشلي تيليز، أصدرا دراستهما حول الاستراتيجية الكبرى للصين خلال السنوات الحالية والقادمة، وعلاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي نُشرت عبر مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية؛ حيث رأى المحللان السياسيان أن ما عزز رغبة الحزب الشيوعي الصيني في الحفاظ على سيطرته الداخلية هو الهدف الاستراتيجي للصين المتعلق بـ«تعظيم السلطة القومية الشاملة» كما تقول الكاتبتان، وهو ما يعني تعزيز مكانة الصين بصفتها فاعلًا محوريًّا في النظام الدولي.

وحتى قبل الثورة الشيوعية عام 1949، فإن الآمال الصينية في أن تصبح قوة عظمى تم تأكيدها؛ إذ تم منحها مقعدًا دائمًا، وحق الفيتو، في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبعد أن صمم الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، ووزير الخارجية هنري كيسنجر، إعادة التقارب الأمريكي مع الصين في عهد ماو تسي تونج عام 1971، فإنه بذلك تم وضع الصين بين النخبة العالمية، وهي الدول القليلة المعنية بإدارة النظام العالمي، إلى النظام الشيوعي في بكين.

(صورة الزعيم الصيني ماو تسي تونج في العاصمة الصينية بكين)

وعلى الرغم من أن تلك الصدارة الرمزية تبدو جوفاء في ظل الأداء الاقتصادي الصيني المتذبذب بحسبهما، إلا أنها جوهرية استراتيجيًا؛ وذلك لأنها تضمن عدم قدرة مجلس الأمن الدولي على اتخاذ أية قرارات جوهرية دون موافقة الصين باعتبارها أحد الأعضاء الدائمين بالمجلس، وتملك حق الفيتو.

الآن وقد أصبحت الصين قوة اقتصادية عظمى، أصبح لعضويتها في مجلس الأمن أهمية إضافية، وهي الحقيقة التي يبرزها رفض بكين أي توسع في هيكل المجلس يمكن أن يقلل من امتيازاتها طويلة الأمد. وحتى في ما يتجاوز مجلس الأمن، فإن القدرات المادية المتزايدة للصين جعلتها وثيقة الصلة بكافة مؤسسات النظام العالمي، وليس مستغربًا أنها سعت لتحقيق سلطة متزايدة في تلك الكيانات، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي على سبيل المثال؛ إذ عملت الصين على توجيه عملياتهم لخدمة مصالحها وأغراضها الخاصة.

وبسبب هذه الأمور، فإن صعود الصين بوصفها قوة عظمى جديدة سوف يُشكِّل مصدر قلق كبير للولايات المتحدة لعدة سنوات قادمة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد