بعد أسبوعين من حصول رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام لعام 2019، انتشر مقطعٌ للرجل في جلسة برلمانية يقول فيها: «لا يمكن لأيّ قوة منعنا من استكمال بناء السد». يضيف آبي بحزم «سنحشد الملايين للحرب مع مصر».

بالأمس وبتوجيهٍ مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقّع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قرارًا بقطع «بعض المساعدات» الأمريكية عن إثيوبيا، في محاولة ضغط على أديس أبابا قبل استئناف المفاوضات التي بدأت نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بوساطة أمريكية. المفاوضات الهادفة للوصول إلى حلٍ للنزاع القائم بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى على مشروع سد النهضة.

يحاول التقرير فهم الأسباب التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى هذا القرار، وما هي التبعات الممكنة على أديس أبابا وعلى المفاوضات التي تحظى بفشل وراء فشل منذ سنوات للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف؟

فيديو يساعدك على فهم السياق العام لمشروع سد النهضة

ما هو القرار الأمريكي؟ وما أهميته؟

ذكر مسؤولون أمريكيون بأنّ تفاصيل قطع المساعدات لم تحدد بعد؛ ومن الممكن أن تصل إلى أقل 130 مليون دولار. يشمل القرار قطع المساعدات الخاصة بالبرامج الأمنية؛ مثل المساعدات المخصصة لبرامج مكافحة «الإرهاب»، وبرامج التدريب العسكري، ومكافحة الاتجار بالبشر. بينما تستمر المساعدات الإنسانية الخاصة ببرامج الإمداد الغذائي، والصحة والرعاية الخاصة بفيروس كورونا وأمراض أخرى مثل الإيدز.

وبالنظر إلى الأرقام المنشورة على موقع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، فإنّ قطع مساعدات بقيمة 130 مليون دولار يقدر بنسبة 14.8% من مساعدات جميع الوكالات الأمريكية لإثيوبيا لعام 2019، والتي بلغ مجموعها 881 مليون دولار، نصفها مساعدات إنسانية. وبشكل عام، لا تقدم المساعدات الخارجية من قبل وكالة أو وزارة أمريكية واحدة، فعلى مدار السنين الماضية، قدمت وزارة الزراعة الأمريكية مساعدات لإثيوبيا، بالإضافة إلى مساعدات وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية.

ومنذ عام 1951 حتى 2013؛ قدمت الولايات المتحدة مساعدات إلى إثيوبيا بلغت 11.7 مليار دولار. ولا تمنح أمريكا مساعدات فحسب، بل أيضًا قروضًا لمشاريع هيئة الطرق الإثيوبية؛ منها مشروعٌ لتركيب 34 قسمًا من جسر بيلي، وساعدت الولايات المتحدة في تطوير الخطوط الجوية الإثيوبية، وتحسين خطوط النقل. وقدمت قروضًا لتطوير مطار أديس أبابا، وأسمرة، وجيما، وأماكن أخرى.

وعند النظر إلى حجم المساعدات المفترض اقتطاعها، والتحالف الاستراتيجي والتاريخي بين الولايات المتحدة وإثيوبيا، فمن الممكن قراءة هذا التحرك على أنّه «قرصة أذن» قبل استئناف جولة جديدة من مفاوضات سد النهضة. فمن مصلحة أمريكا التوصل إلى حلٍ يرضي جميع حلفائها، ويحقق الاستقرار في المنطقة، خاصةً بعد تحسن علاقة واشنطن والخرطوم، عقب لقاء مايك بومبيو مع رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، لنقاش قضايا تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإزالة السودان من «الدول الداعمة للإرهاب».

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإثيوبيا تحفظ مصالحها بلعب دور استراتيجي هام في منطقة القرن الأفريقي، وتتعاون معها في ملفات مشتركة لمنع الصراعات، وتجنب الأزمات البيئية مثل الجفاف والحروب.

السيسي يهاتف ترامب طالبًا منه الوساطة

بعد وصول المفاوضات إلى طريق مسدود؛ طلب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من الرئيس ترامب التوسط في المفاوضات بشأن مشروع سد النهضة، مفعلًا بذلك المبدأ العاشر من اتفاقية المبادئ، والذي يسمح للأطراف المتفاوضة بتسوية النزاعات بينها من خلال طلب وساطة دولية.

وبموجب المبدأ العاشر، واستشعار أمريكي لتحرك صيني وروسي يحاول لعب دور في الأزمة، قام ترامب مباشرة بتسليم ملف الوساطة لوزير الخزنة الأمريكي ستيفين منوشين، حيث عقد 12 اجتماعًا بين الأطراف المتنازعة، استمرت من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 حتى فبراير (شباط) 2020.

أثناء توقيع اتفاقية المبادئ حول مشروع سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا في مارس 2015 

ونشرت وزارة الخزنة بيانًا في يناير (كانون الثاني) السابق، يتضمن النقاط «المتفق» عليها في الاجتماعات بين وزراء الخارجية ووزراء الموارد المائية للدول الثلاثة (مصر، والسودان، وإثيوبيا) مع وزير الخزنة منوشين، ورئيس البنك المركزي ديفيد مالباس، وعقدت الاجتماعات بين فترة 28-31 يناير، وتوصلت الأطراف إلى أهمية الاتفاق على النقاط التالية: تحديد جدول زمني لعملية ملء السد، وتحديد آليات تخفيف ملء السد أثناء فترات الجفاف، وآليات تخفيف العمليات السنوية والأثر طويل المدى لعمل السد أثناء فترات الجفاف.

وانعقدت جولة ثانية من الاجتماعات في فبراير خلصت في بيانٍ لوزير الخزنة في 28 فبراير؛ طالبًا من إثيوبيا بشكل صريح عدم إجراء الاختبارات النهائية وبداية تعبئة السد من دون التوصل إلى اتفاق نهائي مع الدول الأخرى؛ وذلك بناءً على «اتفاقية المبادئ»، وبالأخص مبدأ عدم التسبب بضرر كبير ومبدأ التشارك والتعاون، بالإضافة إلى الحاجة لإثبات تدابير السلامة الدولية قبل بداية ملء السد، الجولة التي بينت وصول المفاوضات إلى طريق مسدود آخر. وشملت المفاوضات تفاصيل تقنية وتشغيلية في غاية التعقيد للمشروع. وفي النهاية توصلت إلى اتفاق رفضته إثيوبيا، ووقعت عليه مصر.

وفي إعلان إثيوبيا لبدء عملية تعبئة السد يوليو (تموز) الماضي، استفزت مصر وهددت أديس أبابا استخدام القوة العسكرية، إذا لزم الأمر ذلك، وأثناء جلسة استجواب لوزير الخزنة الأمريكي من قبل لجنة «الوسائل والطرق» في مجلس النواب، صرّح الوزير بأنّ الولايات المتحدة «محبطة للغاية بسبب عدم حضور إثيوبيا الاجتماع الأخير» في جلسة استجواب له من قبل مجلس النواب الأمريكي.

وبالنسبة لبعض المفاوضين الإثيوبيين فإنّ الخطة تُلزم إثيوبيا التخفيف من نقص المياه في مصب النهر، من خلال تطبيق تقنيات لتوفير المياه، أو زراعة محاصيل تستهلك كمية أقل، أو تحويل اقتصادها إلى اقتصاد يعتمد على الصناعة بدل الزراعة، ومع عدم وجود أي التزام من قبل الأطراف الأخرى، مصر والسودان. ومع قرار قطع المساعدات، صرح مسؤولون إثيوبيون باعتقادهم انحياز إدارة ترامب لمصلحة مصر في هذا النزاع.

الصورة الأكبر.. لماذا تريد أمريكا التوسط لإيجاد حل للأزمة؟

أحد أهم الدوافع التي قادت الولايات المتحدة للتدخل في ملف الوساطة، خوفها من رغبة الصين أو روسيا في لعب دور في هذا الملف، خاصةً بعد مبادرة روسيا للعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة، والذي كان من المفترض أن يُعقد اجتماع بين مصر وإثيوبيا في موسكو في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أيّ قبل تدخل أمريكا للعب دور الوسيط بشهر. وفي مبادرة أخرى، صرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف يوليو الماضي؛ بأنّ روسيا على استعداد لتوفير الدعم التقني لمصر والسودان وإثيوبيا في مشروع سد النهضة.

بشكل عام؛ يبدو أن استراتيجية إدارة ترامب الكبرى في أفريقيا تتمحور حول دفع وتقليل النفوذ الصيني والروسي، خاصة مع نفوذ الصين في القارة الأفريقية، وتحديدًا في إثيوبيا. فالتعاون الاقتصادي بين الصين وإثيوبيا كبير، إذ تستورد الصين 8.1% من صادرات إثيوبيا، وتصدر الصين 24.1% من واردات إثيوبيا.

لقاء رئيس الوزراء آبي أحمد بالرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين أبريل (نيسان) 2019

وتقدم بكين منذ سنوات قروضًا غير مشروطة للحكومات الأفريقية التي تعيش حالة من العجز الاقتصادي، الاستراتيجية التي وصفها بومبيو بأنّها «فخ الديون»، وتشكل خطرًا على سيادة هذه الدول، ولا تحقق شروط الاستدامة. تحاول أمريكا خنق قادة الدول الأفريقية بجعلهم الاختيار بين الولايات المتحدة والصين.

كانت واشنطن تأمل قبل الدخول في دور الوساطة؛ أنّ حلفاءها، مصر وإثيوبيا، سيستطيعان التوصل إلى حلول مرضية لجميع الأطراف. وبعد مشوار تفاوضي استمر قرابة الأربعة شهور، وتعنت وصلابة في الموقف الإثيوبي، تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى كسر هذا التعنت بقطع نسبة قليلة من المساعدات المقدمة إلى إثيوبيا.

وصرح السفير الإثيوبي للولايات المتحدة فيتسوم أريجا قائلًا لصحيفة الفايننشال تايمز: «طلبنا من الولايات المتحدة إعادة النظر في قرار قطع المساعدات، ونحن ننتظر الإجابة»، وأضاف: «نأمل ألا تتضرر علاقاتنا الدبلوماسية بيننا وبين أمريكا، المستمرة منذ 117 عامًا، بسبب قضية لا علاقة لها بالبلدين». وسبق هذا التصريح، بيانٌ لوزير المياه الإثيوبي بأنّ محادثات الأسابيع الماضية حول مشروع سد النهضة حققت تقدمًا لافتًا، وأنّه من المتوقع استئناف المفاوضات في 14 سبتمبر (أيلول) 2020.

المصادر

تحميل المزيد