مع انطلاق حلقات مسلسل «ما وراء الطبيعة» على شبكة «نتفليكس»، أعاد المسلسل للأذهان تلك الجدليات المتعلقة بالأساطير القديمة في التراث الشعبي المصري، خصوصًا تلك المتعلقة بإمكانية وجود أشباح من حولنا. فكرة وجود أرواح تائهة لم تعبر إلى العالم الآخر هي واحدة من تلك النظريات التي قدمتها هذه السلسلة المبنية على روايات الكاتب المصري، أحمد خالد توفيق، والتي تحمل الاسم نفسه، كما أنها واحدة من أكثر أفكار العوالم الخارقة للطبيعة التي تناولتها السينما والدراما العالمية.

ليس هذا فحسب، بل إن الولايات المتحدة نفسها تحتفل بعيد سنوي شهير مرتبط بظواهر ما وراء الطبيعة، عيد الهالوين الذي يقابل يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام. ويحب البعض التذكير بتلك القصة الحقيقية التي وقعت في عشرينيات القرن العشرين في مدينة مونكسفيل بولاية نورث كارولينا، والتي تعرف بقصة عائلة شافين.

تحكي القصة كيف أن شبحًا ساعد في حل نزاع حول الميراث. فبعد أن توفي جيمس تشافين بعد تعرضه لحادث عام 1921، ترك ممتلكاته بالكامل لابنه المفضل مارشال، ولم يترك شيئًا لزوجته وأطفاله الثلاثة الآخرين. وبعد عام توفي الابن مارشال، لذلك ذهب المنزل و120 فدانًا من الأرض إلى أرملة مارشال وابنه. لكن بعد أربع سنوات، بدأ الابن الأصغر جيمس يحلم بأحلام غير عادية، فقد زاره والده وأخبره أنه سيجد شيئًا ذا قيمة كبيرة مخبأ في إنجيل عائلي قديم.

اكتشف الابن الأصغر أن أباه ترك في ذلك المكان الوصية الأخيرة له، والتي سمحت بتقسيم عادل للممتلكات بعدما رُفِعت قضية في المحكمة. وبالطبع، أصيبت الصحف في ذلك الوقت بالجنون بسبب تلك القصة وإصرار الابن الأصغر على أن روح أبيه زارته وأرشدته لهذا المكان.

«ما وراء الطبيعة».. أسباب متعددة للإيمان بالأشباح

من غير المحتمل أن تكون فكرة ظهور الأشباح فكرة سائدة. لكن الدراسات الحديثة التي أجرتها شركة «YouGov» لتحليل البيانات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية تظهر أن ما بين 30% و50% من السكان يقولون إنهم يؤمنون بالأشباح. يبدو أيضًا أن الإيمان بالأشباح هو أمر عالمي؛ إذ يوجد في معظم (إن لم يكن كل) الثقافات حول العالم نوع مقبول وشكل من أشكال الأشباح.

ويبدو أن الإيمان بالأشباح أكثر انتشارًا في معظم أنحاء آسيا؛ إذ توصف الأشباح بأنها محايدة، ويمكن استرضائها من خلال الطقوس أو يمكن إغضابها عبر استفزازها، وذلك على عكس الصورة المرعبة للأشباح في الغرب، والوطن العربي بشكل عام. يمكن طلب المساعدة من الأشباح في آسيا لشفاء البشر، والفوز باليانصيب، وحماية المرء أثناء السفر أو أثناء الحمل.

كما هو الحال في الغرب، حافظ الناس في آسيا على إيمانهم بالأشباح على الرغم من صعود العلم والتشكيك والعلمانية والتعليم العام. في أماكن مثل اليابان حيث العلمانية قوية جدًّا، ما يزال الإيمان بالأشباح مرتفعًا. حتى الدول الإسكندنافية شديدة الحداثة والليبرالية لديها نسبة عالية من الناس الذين يؤمنون بالأشباح.

إن وجود شبح بوصفه روحًا غير مادية (بلا جسد)، أو روح شخص أو حيوان ميت، يتعارض مع قوانين الطبيعة كما نفهمها، لذلك يبدو أن هناك شيئًا هنا يستدعي التفسير. يمكننا أن ننظر إلى عوالم الأدب والفلسفة والأنثروبولوجيا في محاولة لفهم بعض الأسباب التي تجعل الناس حريصين جدًّا على هذا النوع من الإيمان.

الأشباح.. أدوات لتحقيق العدالة

إن رغبة الإنسان الدائمة في الحصول على العدالة، والإيمان بأحد أشكال الحماية الخارقة للطبيعة يلبيان احتياجات الإنسان الأساسية. لطالما كان ينظر إلى الأشباح على أنها أدوات لتحقيق العدالة. ففي رواية «هاملت» لشكسبير يزوره شبح والد هاملت المقتول لأنه يسعى للانتقام من قاتله.

هذه الفكرة لها ما يعادلها في مختلف البلدان. في كينيا، قد يصبح الشخص المقتول «ناجوما ngoma»، أو الروح التي تلاحق قاتلها، وتتسبب في بعض الأحيان في تسليم نفسها للشرطة. وفي روسيا، هناك «روسالكا rusalka»، والتي تمثل روح امرأة ميتة ماتت غرقًا وتغري الآن الرجال حتى يموتوا، والتي قد يطلق سراحها وتعود للعالم الآخر عند الأخذ بثأرها.

على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، جرى الإبلاغ عن مشاهد لأشباح العبيد الأمريكيين من أصل أفريقي الذين قتلهم الأمريكيين الأصليين. غالبًا ما تكون هذه المشاهد مرتبطة بالتذكير بأن الأخلاق تتجاوز حياتنا، وبأن الهفوات الأخلاقية يمكن أن تحمل عبئًا روحيًّا ثقيلًا. بهذه الطريقة، تكشف الأشباح جانب الظل من الأخلاق.

الموت ليس النهاية.. ربما

يمكن أن تكون الأشباح أيضًا أصدقاء وحُماة. ظهر هذا مثلًا في فيلم «الحاسة السادسة»؛ إذ ساعدت الأشباح الشخصية التي يلعبها بروس ويليس صبيًّا صغيرًا على التصالح مع قدرته على رؤية الأشباح ومساعدتهم على إيجاد السلام. يشعر الكثير من الناس بالارتياح عندما يعتقدون أن أحباءهم المتوفين يراقبونهم وربما يرشدونهم.

لكن العديد من الناس يحبون أيضًا الاعتقاد بأن الموت ليس نهاية الوجود. هذا الاعتقاد يمثل مصدر راحة خصوصًا عندما نفقد الأشخاص الذين نحبهم أو عندما نواجه فكرة فناءنا. كان لدى العديد من الثقافات حول العالم اعتقاد بأن الموتى يمكنهم التواصل مع الأحياء، وتفترض ظاهرة «الروحانية» أنه يمكننا التواصل مع أرواح الموتى، غالبًا من خلال الاستعانة بخدمات الوسطاء الروحانيين الموهوبين بشكل خاص.

«ما وراء الطبيعة» وحب الإنسان للشعور بالخوف

نحن نحب أن نكون خائفين. ربما تبدو الكلمات غريبة لكن هذه حقيقة نلمسها كثيرًا. يمكن للإنسان أن يحب ذلك الشعور بالخوف طالما أنه يعلم أنه ليس في خطر في الواقع. ربما لهذا الأمر يحتفل الأمريكيون بهذا الشغف بعيد الهالوين، حيث نجد جداول برامج التلفزيون مليئة بالأفلام حيث تقضي مجموعة من المتطوعين (الشباب عادة) ليلة في منزل مسكون لينتهي الأمر بشكل دموي عنيف.

يبدو أننا نستمتع بشعور الخطر غير الحقيقي، ويمكن أن تقدم قصص ما وراء الطبيعة هذا النوع من الإثارة. أظهرت دراسة أن سماع الروايات الخارقة أو قراءتها، خاصة عندما تأتي القصة من مصدر موثوق، كان كافيًا لزيادة المعتقدات الخارقة بين المشاركين. ومع كثرة أفلام الأشباح في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، مثل (Ghost Hunters) و(Most Haunted)، فليس من المستغرب أن الدراسات ربطت أيضًا بين الإيمان بالأشباح والتعرض للخوارق، وبين البرامج التلفزيونية ذات الصلة.

ثنائية الجسد والروح.. والهلوسة

يجد الإيمان بالأشباح الدعم من خلال الفكرة الفلسفية القديمة القائلة بأن البشر «ثنائيو التكوين»؛ إذ يعتقد في هذه النظرة الفلسفية بشكل طبيعي وساذج أن كياننا المادي منفصل عن وعينا. هذه النظرة لأنفسنا تجعل من السهل علينا أن نفكر في أنه يمكن أن يكون لعقلنا وجود منفصل عن جسدنا، مما يفتح الباب أمام الاعتقاد بأن عقلنا أو وعينا يمكن أن ينجو من الموت، وبالتالي ربما يصبح شبحًا.

بالنظر إلى كيفية عمل الدماغ، فإن تجربة الهلوسة أكثر شيوعًا مما يدركه الكثير من الناس. جمعت إحدى الدراسات الآلاف من التقارير المباشرة التي جرى التحقق منها عن الهلوسة البصرية أو السمعية لشخص متوفى حديثًا. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن غالبية الأشخاص المسنين المفجوعين قد يعانون من هلوسة بصرية أو سمعية لأحبائهم الراحلين تستمر لبضعة أشهر.

Embed from Getty Images

مصدر آخر للهلوسة هو ظاهرة «شلل النوم»، وهي ظاهرة تحدث عندما يستيقظ شخص ما بينما لا يزال في مرحلة نوم حركة العين السريعة التي تحفز الحلم، والتي يكون جسمك فيها مشلولًا، والتي قد تحدث خلالها الهلوسة حتى بعد الاستيقاظ. يصاحب هذا الشلل المؤقت أحيانًا هلوسة لشخص في الغرفة يمكن تفسيره على أنه كائن خارق للطبيعة. من السهل فهم فكرة أن هذه الزيارة قد تكون خارقة للطبيعة عندما تعتقد أنه عندما نؤمن بظاهرة ما، فمن المرجح أن نختبرها بشكل يبدو حقيقيًّا.

ضع في اعتبارك ما يمكن أن يحدث إذا كنت في منزل مشهور بأنه مسكون في الليل ورأيت شيئًا يتحرك في زاوية عينك. إذا كنت تؤمن بما وراء الطبيعة، فقد تفسر ما تراه على أنه شبح أو ظاهرة من ظواهر ما وراء الطبيعة. هذا مثال على الإدراك عند الإنسان؛ إذ يتأثر ما نراه بما نتوقع رؤيته. وفي الظلام، حيث قد يكون من الصعب رؤيته بشكل صحيح، فإن دماغنا يصنع أفضل استدلال ممكن، والذي سيعتمد على ما نعتقد أنه محتمل، وقد يكون ذلك شبحًا.

وفقًا للفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، يأتي الإيمان سريعًا وبشكل طبيعي، في حين أن الشك بطيء وغير طبيعي. في دراسة للنشاط العصبي، اكتشف الباحثون أن الاعتقاد بعبارة ما يتطلب جهدًا أقل من عدم تصديقها. بالنظر إلى هذه الأسباب المتعددة التي تجعلنا نؤمن بظواهر ما وراء الطبيعة، يبدو أن هذا الاعتقاد من المرجح أن يظل معنا لسنوات عديدة قادمة.

منوعات

منذ 3 شهور
3 منازل مسكونة بالأشباح معروضة للبيع.. هل لديك الجرأة على السكن فيها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد