نقلًا عن الخليج الجديد

هناك جدار دائر الآن في الأوساط الأكاديمية المهتمة بالشرق الأوسط في الغرب وفي المنطقة حول سؤال الهوية. النقطة الرئيسية للمناقشة هي آليات الدفاع في المنطقة ضد التطرف. تقريبا يتفق جميع المشاركين بأن هزيمة «الدولة الإسلامية» والمنظمات الشبيهة بها ليس مجرد مسألة عسكرية أو أمنية فقط، ولكن أيضا، وربما أساسا، هي معركة أفكار في المقام الأول.

ولكن هذا الاتفاق بمفرده لا يكاد يكفي لإعلان أي نتائج أو آراء. هناك اختلافات حول كل الجوانب تقريبا والتي يمكن أن تعنييها نصيحة خوض «معركة الأفكار». ما هي الأفكار؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتوافق مع بنية من الأفكار المهيمنة والمؤسسات القائمة بالفعل؟ وكيف يمكن تعميمها بين عامة الناس في الشارع؟ في هذا السياق، شاهدنا العديد من الأكاديميين المحترمين يحاولون تطوير حجة في صالح إحياء نسخة جديدة من القومية العربية.

والحجة هي أن الهويات القائمة في الدولة الآن معطوبة ولا يمكن إصلاحها. ولذلك فإن نسخة جديدة من القومية العربية يمكن اختبارها كملاط جديد محتمل للمنطقة المجزأة وكهوية مضادة لتلك الهوية التي تفرضها «الدولة الإسلامية» والجماعات المتطرفة. النقاش في كثير من الأحيان يثير النسخة الأصلية من القومية العربية التي عبر عنها الرئيس المصري «جمال عبد الناصر» في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات. البديل المقترح يختلف بوضوح عن هذه النسخة. لكنه يستعير منه ما يكفي من الطاقة لتغذية استبدال فكرة الدولة التي تنهار بالفعل وفكرة «القومية الإسلامية» التي أعلنت بالفعل الحرب على أي هوية أخرى.

ولكن هذه القومية العربية البديلة ليست بديلا. وكهوية مزورة، فإنها لن تحلق عاليا وربما تخرج عن مهمتها الرئيسية وهي دراسة الخطأ في هوية الدول قائمة فعلية ومعرفة كيف يمكن إعادة تشكيلها وفقا لأسس سليمة.

حول الهوية

الهوية العامة لأي شيء تحتاج بداية إلى معايير لهذا الشيء. الرابطة بين دول أمريكا الجنوبية، والتي تتجلى في اللغة والثقافة والتاريخ ودين الأغلبية ليست كافية لجعل هناك قومية أمريكية جنوبية، جديدة كانت أو قديمة.

ينبغي لشيء ما كي يصبح هوية أن تكون له أقدام راسخة على الأرض أكثر من كل ذلك. لا يمكن أن يتشكل شيء كهوية في أي وسط دون عاملين يعتمدان على بعضها البعض. هما الدولة والسوق المتكامل.

يمكن للبشر أن يعرفوا أنفسهم كما يشاؤون مستخدمين مصطلحات تختلف من سياق إلى آخر. العربي في الخليج، على سبيل المثال، لا يزال يعرف نفسه وفقا لأسس قبلية. لكنه يعرف أيضا نفسه على أساس انتمائه إلى دولة وطنية تقوم على قاعدة دينية، وعلى قاعدة عرقية أو ثقافية. يمكن للأمريكي أيضا أن يعرف نفسه مستخدما دلالات المنشأ والدين والمكان الجغرافي، أو أن يعرف نفسه كأمريكي وفقط.

في فيلم «جانجو طليقا»، الفارق بين «جانجو» و«ستيفن» هو الفارق في الضمير الذاتي. ويشمل الضمير الذاتي بدرجات متفاوتة وضوح الهوية الذاتية. مكان هذه الهوية هو واضح في الرأس. وما يجعل هذه الهوية تتبلور في الرأس هي مجموعة من الظروف التي تنبع أساسا من الروابط الجماعية المشتركة والتجارب الشخصية والاعتماد المتبادل بين مجموعة من الناس في إدارة شؤون الحياة، والنظام الموحد للأخلاق الذي ينظم عملية وجودهم معا.

ويمكن لعدد من الهويات أن تجتمع معا في عقل واحد. ومع ذلك فإن هناك هوية واحدة مهيمنة تكسب أي صراع بين مختلف الهويات الذاتية. تلك التي تكسب هي المسؤولة عن تحديد الهوية الحقيقية في سياق مجموعة الانتماءات التي تشكل محتوى الفرد.

وبعبارة أخرى، فإن مفهوم الهوية الوطنية هو نتاج عملية تاريخية. المهاجرون الألمان الذي جاؤوا إلى الولايات المتحدة كانوا ألمان في ذلك التوقيت. كانوا يعتقدون ويتحدثون ويتصرفون كما الألمان. تدريجيا، بدأت هذه الهوية تفتقد ويحل محلها هوية مختلفة. لم يكن بمقدورهم أبدا اكتساب هذه الهوية الجديدة إذا ظلوا في ألمانيا. ليس بسبب البعد الجغرافي، بل لأنهم لم يكونوا ليصحبوا جزءا عضويا من ذلك الكل المسمى بالولايات المتحدة.

ورغم أن الأمريكي مشابه للكندي في العديد من الجوانب، إلا أن ذلك لا يجعل من الكندي أمريكيا. لأنه ببساطة لم يصبح جزءا عضويا من الكل الأمريكي. هذا الكل الذي نعنيه هو أشبه بكائن حي يخضع لنفس القوانين والأخلاق وعوامل أخرى لا تعد ولا تحصى تشكل طرق التفكير الجمعية وأنماط الفكر. هذه هي منتجات الدولة، السوق المتكامل، الاعتماد المتبادل بين أفرادها وبعضهم البعض، الصبغة المشتركة للتجارب اليومية، والبيئة والتصورات والقواسم الأخلاقية.

لا يمكننا تلفيق هوية فوق وطنية للدولة، أي هوية مثل هذه هي هوية مزورة سواء تم تقديمها بواسطة «الدولة الإسلامية» أو حتى بواسطة الحالمين من القوميين العرب. وكثيرا ما يستشهد تجربة عبد الناصر في مصر في سياق إحياء القومية العربية.، وهذه التجربة على وجه التحديد هي شاهد قوي على الطبيعة الوهمية الملفقة فكريا للهويات العابرة للقومية.

الطبيعة «الملفقة» للقومية العربية

دعونا نلقي نظرة سريعا كيف صعدت مصر الناصرية بوصفها الحالة المنقذة للأمة بأجمعها من المحيط إلى الخليج، وبانية القومية العربية. كان «ناصر» يملأ الفراغ التاريخي للضرورات الموضوعية في مرحلة ما بعد الدولة الكولونيالية. سعى لتطوير مصر اقتصاديا بعد عقود من الحكم البريطاني. وبنظرة فاحصة على تاريخ تلك الفترة يتضح أن هذا التطور كان هدفا وضرورة في ذلك التوقيت.

خلال الحرب العالمية الثانية، تم استنزاف الإمبراطورية البريطانية في معركة وجودية في وجه ألمانيا النازية. أعطى ذلك فرصة للصناعة المصرية للتحرك بسرعة لملء الفراغ الناجم عن توقف الصادرات البريطانية، إما بسبب انقطاع طرق التجارة البحرية أو تحويل الإنتاج الصناعي البريطاني لتغطية احتياجات الحرب أو تدمير البنية التحتية التي تعاني منها بريطانيا.

كل هذه العوامل كانت ضالعة في صعود الروح القومية المصرية. إضافة إلى الشعور بالمهانة بعد حادثة 4 فبراير/شباط 1942 الشائنة في مصر (قامت القوات البريطانية بمحاصرة قصر عابدين، وأجبر السفير البريطاني في القاهرة السير مايلز لامبسون، فاروق الأول، ملك مصر على التوقيع على قرار باستدعاء زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس لتشكيل الحكومة بمفرده أو أن يتنازل عن العرش)، وهي الحادثة التي غذت الصعود التدريجي لـ«ناصر» ومجموعته. وجود شعور جماعي بالإذلال الوطني قد أثمر ارتدادا نحو التقدم في عملية تشكيل هوية وطنية.

بعد فترة وجيزة من تولي «ناصر» السلطة، أدرك حاجته إلى التضامن العربي، والذي أطلق عليه لاحقا القومية العربية. لم يتم اختيار هذا النموذج بناء على أي انتماء أيدولوجي أو استنادا لمعتقد ثابت. كان اقتراحا وليدا للحقائق التجريبية المحيطة به. كان واضحا في ذلك التوقيت أنه من الممكن إحداث تنمية صناعية بمصر إلا أن السيطرة البريطانية تمنع هذا التطور. في هذا التوقيت كان لدى الشعب شعور متقدم نسبيا تجاه هويته الوطنية.

ولكن «ناصر» وجد في وقت لاحق أن الأمور أكثر تعقيدا. وأن مهمة التطور التي ألقيت على كتف الدولة تحتاج إلى تراكم لرأس المال لإنجاز هذا التطور. البذرة الأولى للمال جاءت من تأميم قناة السويس وبالتالي السيطرة على عوائدها. أثمر الأمر في النهاية عن تأسيس المجلس الاقتصادي عام 1958.

عندما طلب «ناصر» من الصناعيين المصرية بناء صناعات أكثر تطورا والتركيز على الصناعات الثقيلة لتمكين البلاد من الاستغناء عن الاعتماد السابق على الصناعة البريطانية فإن دعوته ووجهت بالرفض والتجاهل. لم يكن لديهم من القوة أو الرغبة في دخول مجال الصناعات الثقيلة لذا فإن «ناصر» الذي كان يمتلك رأس المال الأولي والإرادة الكافية قد عمد ببساطة إلى مصادرة أموالهم. قام «ناصر» بتأميم جميع ممتلكاتهم وشرع في مشروع ضخم لبناء الدولة معتمدا على رأس المال الوطني.

أغضبت هذه التوجهات بريطانيا بأكثر مما أغضبها تأميم قناة السويس. بدأ الاتحاد السوفييتي يقدم لـ«ناصر» ما هو بحاجة ماسة إليه ودفعت عقلية الحرب الباردة الضيقة لوزير الخارجية الأمريكي «جون فوستر دالاس»، «ناصر» مباشرة من تكتل عدم الانحياز إلى المعاداة للغرب. في معركته ضد الغرب كان «ناصر» يحتاج إلى رافعة قومية وقد كانت القومية العربية في الانتظار.

لما تعد هذه الأمور ذات صلة بالنقاش الدائر حاليا حول القومية؟ ببساطة لأننا لا نستطيع أن نفصل القومية العربية لـ«جمال عبد الناصر» عن معركته لكسب مساحة لرأسمالية الدولة في مصر.

الدول المجاورة، في ظل الحكم البريطاني كذلك، شهدت مسيرات الاحتجاج الضخمة ضد البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين عندما هاجموا مصر في عام 1956 لاستعادة السيطرة على القناة. عدد قليل جدا هم من كانوا يتحدثون في ذلك التوقيت عن تلك القومية العربية الغامضة. لا يمكننا أنا نأخذ ذلك على أنه علامة على وجود نوع من القومية العربية الجنينية. لقد كانت هناك العديد من التظاهرات في عواصم أوروبا بعد الاجتياح السوفياتي للمجر. كانت هناك مظاهرات في أمريكا الجنوبية بعد أحداث رئيسية تحدث هنا أو هناك في القارة. هذا لا يعكس وجودا ، جنينيا أو أي وجود آخر، لقومية أوربية أو أمريكية جنوبية. وكانت الاحتجاجات انعكاسا لظروف مماثلة عند الجيران الذين كانوا في طريقهم لخوض نفس المعارك والتحديات والنضال من أجل الاستقلال.

وبعبارة أخرى، فإن مظاهرات التضامن هذه ومثيلاتها لا تكفي كدليل للحديث حول وجود أي نوع من القومية العابرة للحدود الوطنية (الأمريكية اللاتينية أو الأوربية أو العربية). ومع ذلك، قفز «ناصر» على هذه الفرصة لأأنها ببساطة رى فيها خط خط الدفاع الأول عن مصر. رأى «ناصر» أن هناك ضغطا كبيرا في العالم العربي لمحاصرة عدوه. وفجأة فقد صار الوهم أغنية اليوم.

إعادة اجترار القومية

لكي تتمكن أي فكرة من التغلغل في عقول الناس فإن عليها أن تبدو بشكل ما،  ويكأنها استجابة لتطلعاتهم. هذه التطلعات هي بدورها نتاج للتجربة الخاصة والظروف والسياق التاريخي والثقافي. القومية العربية لـ«جمال عبد الناصر»، وأي إصدار آخر من القومية العربية لا تقف على أرض صلبة أو موضوعية. وهذا هو السبب في كونها فشلت فشلا ذريعا. فسرعان ما انفجرت الفقاعة بعد انهيار الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1961 بعد 3 سنوات فقط من ولادتها. لا يمكنك بناء الهويات على أوهام، حتى لو قمت بتصديق تلفيقاتك الخاصة.

ببساطة، لا ينبغي علينا أن نخلط بين الدعاوى الخطابية والحقائق التاريخية الملموسة. القومية العربية لا وجود لها. ولم تكن موجودة في أي وقت مضى. توجد روابط عادية بين الدولة نتيجة للتشابهات الثقافية والطموحات المشتركة واللغة والدين ولكن لم يتم بناء جنسية عابرة للحدود الوطنية في أي وقت مضى.

كان اختراع القومية العربية لـ«ناصر» تتوفر لديه العديد من العوامل للنجاح. ولكن منذ انهيار الجمهورية العربية المتحدة،، فإن الاتحاد الوحيد الذي رأيناه كان بين شمال اليمن وجنوبها وهو ما فرضته الحرب. في الواقع نحن نرى المزيد من الحواجز بين الدول العربية بأكثر مما نراه في أي مكان آخر في العالم.

هل يمكننا استدعاء «ناصر» مرة أخرى؟، حتى لو فعلنا فإنه سيكون رجلا مختلفا. مكننا تكرار دعوته للقومية العربية؟ لكن إذا لم تكن قد نجحت أصلا في حينها هل يصدق أحد أنها ستعمل الآن؟

النقاش الآن حول مكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية» ينبغي أن يركز على الشق الأهم وهو أزمة وهوية الدول القائمة. محاولة افتعال القومية العربية الجديدة هو مضيعة للوقت والطاقة.

وتستند الهوية إلى شعور بالانتماء الكلي لا يمكن شطره إلى أجزاء منفصلة. لابد أن تستند مكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية» على معرفة ما هو الخطأ مع الهويات الوطنية المحددة في كل بلد على حدة ككل منفصل، وليس بوصفه جزءا من “كامل” وهمي يدعى “الأمة” العربية. لأنه ليس هناك شيء من هذا القبيل. وتتألف المنطقة من قوميات مختلفة، المغربي هو مغربي وليس سوداني. هم يتضامنون مع بعضهم لأن لديهم الكثير من القواسم المشتركة. ولكن هذا لا يعني إمكانية إنشاء قاعدة قومية فوق وطنية.

الأزمة التي تسمح بتمدد تنظيم «الدولة الإسلامية» لا بد أن تناقش كما هي. وليس كشيء مختلف يسمى القومية العربية زورا. إحياء فقاعة لن يساعد على محاربة «الدولة الإسلامية». بناء الهويات الوطنية في الدول القائمة و. بدلا من إحياء هوية مزورة، هو الطريق الصحيح. ينبغي مساعدة ذلك وتطويره.

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز – ميدل إيست بريفينج
عرض التعليقات
تحميل المزيد