«الإنسان ضعيف»؛ بقدر ما هي جملة استخدمت مؤخرًا بغرض المزاح بعد أن وردت في الفيلم المصري الشهير «إبراهيم الأبيض»؛ إلا أنها جملة صادقة وواقعية؛ لأن الضعف سمة يصعب فصلها عن الصفات المتأصلة في البشر، ولكن قد يثير هذا الضعف في نفوسنا الغضب حين، والنفور أحيانًا أخرى.

 نكره أن نكون ضعفاء، لا أحد يريد أن يمر بلحظة ضعف، وهناك من يتصالح مع تلك اللحظات، وهناك من تقف عائقًا أمام احترامه لنفسه أو للآخرين الذين رآهم في هذا الموقف. في هذا التقرير نحاول أن نحلل من خلال علم النفس والفلسفة لماذا «يحتقر» الإنسان الضعف بشكل عام؟ ولماذا يوجد في نفوس البعض نفور تجاه الشخص ضعيف الإرادة؟ والأهم لماذا نكره الأشياء التي تساعدنا في لحظات ضعفنا؟

هل الضعف سُبة؟

«لماذا أكره ضعيف الإرادة؟»، و«كيف أتوقف عن كره الشخص الضعيف؟» هل سألت نفسك هذه الأسئلة من قبل؟ البعض سألها بالفعل، وتعد واحدة من النقاشات المطروحة على مواقع مثل «كورا» أو «ريديت»، وهو – ريديت – واحد من أهم المواقع التي يمكنك فيها العثور على جميع أنواع البشر الذين يتحدثون عن كل شيء تقريبًا في الحياة بحرية ووضوح، ولكن أحيانًا تُظهر حرية التعبير بعض المناطق التي يمكن أن نطلق عليها «مظلمة» داخل تفكير النفس البشرية.

في عام 2015 اضطر القائمون على الموقع أن يضعوا حدًا لهذه الحرية على الموقع، وفي واقعة هي الأولى من نوعها أغلقوا وحظروا منتدى فرعيًا انبثق من الموقع الرئيس، وكان يحمل اسم «Fat People Hate» أو «كراهية البدناء»، والذي وصل المشتركون فيها إلى ما يزيد عن 150 ألف مشترك في فترة قصيرة للغاية، وكان هذا المنتدى مُكرسًا لاحتقار البدناء و«ضعف إرادتهم». اتهام البدناء بالضعف لا يحدث في المنتديات الخاصة، أو في مجموعات مغلقة فقط، فالإذاعي الأمريكي مايكل بويرك استهدف البدناء في بعض حلقاته واصفًا إياهم بضعفاء الإرادة.

«لتتقبل ضعفك يجب أن تكون قويًا»

نظرية الإنسان الأعلى «سوبرمان» التي روّج لها فريدرك نيتشه في فلسفته وكتاباته، وهاجم فيها الضعف والضعفاء مهاجمة صريحة، ولوّح بأهمية التخلص من الضعفاء نفسيًا. ويرى البعض أن تلك النظرية لم تكن سوى «ميكانيزم» دفاع لمحاربة الضعف في حياته الشخصية، ويوضح علم النفس أن أكثر الأشخاص الذين يهاجمون الضعفاء أو يحتقرون الضعف بشكل عام يكونون ممن مروا بلحظات ضعف لم يجدوا القدرة على احتوائها أو الاعتراف بها.

هم أشخاص لا يعترفون بواقعية الخسارة على أنها جزء لا ينفصل عن تجربة الحياة، بمعنى أصح: عليك أن تكون قويًا لتتقبل فكرة أنك ضعيف في تلك اللحظة بعينها، أو في ذاك الموقف بالذات، أن تتقبل الخسارة بصدر رحب، وتترك جسدك يتهاوى تحت وطأة الضعف.

«لسنا خارقين»

يقول مارك مانسون في كتابه «فن اللامبالاة»: إن مأساة إنسان العصر الحديث تتشكل في كونه يريد أن يكون الصورة الأفضل من نفسه تحت وطأة تحفيز الدعايات والدراما؛ أن تكون البشرة أجمل، أو يكون الشعر أطول، أن تكون العضلات مفتولة، والقدرة الجنسية خارقة؛ ما يأخذنا مرة أخرى لفلسفة نيتشه، والتي طرحها منذ زمن بعيد، ولكن طرح نيتشه لتلك النظرية لم يكن سوى تجلٍّ لما يدور في أذهان الكثير من البشر حتى جاء من لديه الجرأة كي يقولها علانية.

وفي أيامنا هذه أصبح احتقار الضعف موجودًا على شاشات التلفاز في بيوتنا، وفي حياتنا اليومية، وفي وعينا أيضًا، على سبيل المثال تجد دعايات المنشطات الجنسية تظهر ملامح الاحتقار والنفور على وجه الزوجة التي يعاني شريكها من ضعف القدرة الجنسية.

حتى وإن كان من يشاهد تلك الدعايا لا يرى نظرة الاحتقار في عين زوجته على أرض الواقع، فتلك النظرة – في الشاشة – كافية أن تمرر له احتقار الذات إذا كان يعاني من هذا الأمر، ولذلك فعادة ما يدخل الرجال إلى الصيدليات لشراء الحبوب المنشطة في خجل، غارقين في وهم احتقار الذات حتى دون وعي منهم.

ولكن في النهاية يجد الرجل الذي يعاني من ضعف الانتصاب نفسه ضعيفًا إذا لم يتناول المنشط، وكارهًا لهذا الضعف إذا تناوله؛ لاعترافه بالضعف أمام الآخرين الذين ساعدوه في الحصول على المساعدة وأمام نفسه، في حين أن ما أكده الطب أن الشعور بالخجل الذاتي من الضعف الجنسي يساهم سلبيًا في هذا الضعف، وقد يتعافى الرجل جسديًا من الضعف الجنسي، ولكن يظل خوفه من «الضعف» ما يجعل جسده ضعيفًا بالفعل. 

المرآة.. ونظرية الرجل الأخير

رغم طرحه لنظرية الإنسان الأعلى، اعترف نيتشه بصعوبة الوصول إلى هذه المكانة بسهولة، ومن هُنا جاءت نظريته عن «الرجل الأخير». البشر الذين يعيشون في راحة ورضا عن النفس حتى مع إدراكهم لنقصهم ونقاط ضعفهم، في نظرية «الرجل الأخير» لنيتشه: هم الأشخاص الأحق بالاحتقار والازدراء؛ لأن الاعتراف بالضعف هو اعتراف بالهزيمة، وهذا يرجعنا إلى معلومة أن نيتشه في حياته الشخصية كان يعاني من الاكتئاب والتفكير السوداوي.

وقد يكون المثال الأوضح لاحتقار نيتشه للضعفاء السعداء هي نفس نظرة الرجل الغني التعيس للرجل الفقير الذي تبدو عليه السعادة، وكأنه يحسده على شعوره بالرضا عن نفسه، رغم أنه لم يحقق شيئًا ماديًا، وقتها يتذكر كل ما عاناه ليكون غنيًا ولم يصل إلى السعادة؛ فيتوّلد بداخله إحساس بالنفور تجاه الفقير ضعيف الحال.

وهذا الاحساس يفسره علم النفس بأن كل البشر يعتبرون مرآة لبعضهم البعض، موضحًا أن أكثر الأشخاص استفزازًا للإنسان، هو الشخص الذي لديه نفس عيوبه حتى وإن لم يكن يدركها، لأنه بوعي أو دون وعي منه يذكره بضعفه الذي يبذل مجهودًا كبيرًا في تجاهله، بينما يرى شخصًا آخر يصرح بهذا الضعف بكل أريحية وتقبل للذات؛ ما يثير النفور والاحتقار في نفسه.

«لا تذكرني بضعفي»

هل بكيت من قبل أمام شخص غريب عنك، ثم وجدت صعوبة في التعامل معه بعد ذلك؟ تلك اللحظة التي فتحت فيها قلبك لهذا الشخص وأظهرت كل نقاط ضعفك أمامه، تلك اللحظة بعد مرورها ربما تكون تركت في نفسك نفورًا لما أظهرته من ضعف، ولكن يصعب عليك أن تتعايش مع هذا النفور تجاه نفسك فتختار أن تنسى الموقف، ولكن كيف تنساه إذا واظبت على مقابلة هذا الشخص؛ فيذكرك بضعفك دائمًا.

لا أحد يريد أن يكون مُحتقرًا، ومن الصعب أن تقابل شخصًا يتمنى لحظة ضعف ينهار فيها، ولذلك عندما يقع الشخص في موقف أو حادثة تجبره على الظهور بالضعف الكامل للآخرين تثير تلك التجربة – بكل ما يتعلق بها – النفور في نفسه، ولأنه لا يريد أن يحتقر نفسه أو يكرهها، فينعكس هذا الإحساس بالكره والرفض على الأشخاص والأشياء التي تساعده خلال أزمته.

وكما يصعب على البعض التعامل مع الأشخاص الذين شهدوا ضعفهم، يمتد هذا النفور أحيانًا إلى الأشياء التي تذكر الإنسان بلحظات ضعفه الشديد، فتجد الكثير من السعي لدى البعض لإخفاء آثار جروح العمليات الجراحية من أجسادهم على سبيل المثال، حتى وإن لم تكن ظاهرة للآخرين، على الرغم من أن شق الجرح لعلاج جسده من الداخل كان هو الوسيلة المساعدة لنجاته، وليس المسببة لضعفه، ولكنها في كل الأحوال تظل تذكيرًا له بهذا الضعف.

على سبيل المثال إذا كان رجلًا يأكل يوميًا وجبة ضارة على صحته في مطعمه المفضل، وعلى مدار أعوام طويلة، يذهب ويستمتع بهذه الوجبة في المطعم، ولأن هذا الطعام غير صحي يصاب هذا الرجل بمرض جسدي يجبره على الدخول إلى المستشفى ليتعافى من المرض، بعد أن يخرج هذا الشخص من المستشفى فهل من المرجح أن يكره مطعمه المفضل، أم المستشفى التي ساعده؟

من الصعب أن نجيب إجابة قاطعة عن هذا السؤال نظرًا للفروق الفردية في نفوس وعقول البشر، ولكن يمكن أن نشير فقط إلى أن الطب رصد لدى البشر خوفًا غير مبرر من المستشفيات، يطلق عليه في علم النفس «Nosocomephobia، وخوفًا مبالغًا فيه من الأطباء يعرف باسم «متلازمة البالطو الأبيض»، وفي المقابل لم يرصد خوفًا غير مبرر من مطاعم الوجبات السريعة.

علم النفس الايجابي.. يخبرك كيف تتعامل مع الضعف تعاملًا صحيًا

في كتابها «Positive Psychology In A Nutshell»، والذي يشرح نظريات علم النفسي الإيجابي في التعامل مع الضعف، توضح المحللة النفسية إلونا يونويل أنه عادة ما يلجأ الإنسان إلى محاربة نقاط ضعفه محاربة محمومة تستهلك طاقته، في حين أن الاختيار الأفضل هو رصد نقاط القوة في شخصيته وتطويرها، ولكن أيضًا – توضح – أن تجاهل نقاط الضعف ليس النصف الثاني من الخطة، بل رصدها وإدارتها هو المطلوب من الشخص الذي يسعى إلى تطبيق نظريات علم النفس الإيجابي بغرض تطوير فكره وصحته النفسية.

وتأكيدًا على ما طرحته إلونا في كتابها، جاء كتاب أستاذ علم النفس تود كاشدان «The Upside of Your Dark Side» يوضح أن هناك خطرًا على صحة الفرد النفسية، إذا كرس كل تركيزه في تعزيز نقاط قوته، بينما يتجاهل نقاط ضعفه ويحتقرها حتى تتحول إلى جانب مُظلم في شخصيته، وتتحول إلى آلية توليد للاضطرابات النفسية، مؤكدًا أن التجارب السلبية مثل الضعف قد تكون أكثر اللحظات إيجابية في حياة الإنسان، إذا لم يهرب من إدراكها، وإن لم يختر إنكارها أو كرهها.

احتواء تجاربنا السلبية – يقول كاشدان – مع الوقت يتحول إلى نقطة قوة في شخصيتنا، وبدلًا عن أن ننظر إلى ضعفنا باحتقار، يتحول إلى وقود لقدرتنا على التحمل، ومن ثم التخلص من الخوف الدائم من الضعف والفشل، وما يترتب على ذلك هو المزيد من السعي للوصول إلى الأهداف والأحلام، مع الأخذ في الاعتبار أن لحظات الضعف والهزيمة جزء مضمون في عملية السعي، ولكنه مقبول، وهذا هو المهم.

لماذا نكره الأشياء التي تساعدنا؟ لأنها تذكرنا بضعفنا، تذكرنا بواحدة من أكثر التجارب التي عشنا ونحن نظن أنها تجربة سلبية: الضعف. ولكن ما يخبرك به علم النفس أن الضعف دليل على صحتك النفسية، والمعتل اجتماعيًا ونفسيًا يوصف بأنه غير قادر على الشعور بالندم، أو التعاطف، أو أي إحساس آخر قد يخرج الضعف من داخله، ولذلك فإذا كنت تمر بلحظات ضعف فأنت إنسان صحته العقلية سليمة، وكل ما عليك فعله هو احتواء هذا الضعف في نفسك حتى تستطيع استيعابه في الآخرين، فتقبل ضعفك سيكون محفزًا لك من أجل التعاطف مع ضعف الآخر، وليس احتقاره.

المصادر

تحميل المزيد